هل كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) - الى قوله- رَجُلًا مَسْحُوراً» و قالوا: «لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ».…
و قوله عز و جل: «وَ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً» الى قوله «كِتاباً نَقْرَؤُهُ» ثم قيل له في آخر ذلك: لو كنت نبيا كموسى انزلت علينا كسفا من السماء و نزلت علينا الصاعقة في مسألتنا إليك لأن مسألتنا اشد من مسائل قوم موسى لموسى (عليه السلام)…
فقال المشركون بعضهم لبعض: لقد استفحل أمر محمّد و عظم خطبه، فتعالوا نبدأ بتقريعه و تبكيته و توبيخه و الاحتجاج عليه و ابطال ما جاء به ليهون خطبه على أصحابه و يصغر قدره عندهم، فلعله ينزع عما هو فيه من غيه و باطله و تمرده و طغيانه، فان انتهى و إلا عاملناه بالسيف الباتر.…
قال أبو جهل: فمن ذا الذي يلي كلامه و مجادلته؟ قال عبد اللّه بن أبي أميّة المخزومي: انا الى ذلك، أ فما ترضاني له قرنا حسيبا و مجادلا كفيا؟ قال أبو جهل:…
بلى، فأتوه بأجمعهم فابتدأ عبد اللّه بن ابي أميّة المخزومي، فقال: يا محمّد لقد ادعيت دعوى عظيمة و قلت مقالا هائلا، زعمت انك رسول اللّه رب العالمين، و ما ينبغي لرب العالمين و خالق الخلق أجمعين أن يكون مثلك رسوله بشر مثلنا تأكل كما نأكل و تشرب كما نشرب و تمشي في الأسواق كما نمشي.…
فهذا ملك الروم و هذا ملك الفرس لا يبعثان رسولا إلا كثير المال عظيم الحال له قصور و دور و فساطيط و خيام و عبيد و خدام، و ربّ العالمين فوق هؤلاء كلّهم فهم عبيده، و لو كنت نبيا لكان معك ملك يصدقك و نشاهده، بل لو اراد اللّه أن يبعث إلينا نبيا لكان انما يبعث إلينا ملكا لا بشرا مثلنا، ما أنت يا محمّد الا …
بلى لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا بمكة هذه، فانها ذات احجار و عرة و جبال، تكسح ارضها و تحفرها و تجري فيها العيون، فاننا الى ذلك محتاجون او تكون لك جنة من نخيل و عنب فتأكل منها و تطعمنا فتفجر الأنهار خلالها خلال تلك النخيل…
ثم قال: او تأتي باللّه و الملائكة قبيلا، تأتي به و بهم و هم لنا مقابلون، او يكون لك بيت من زخرف تعطينا منه و تغنينا به فلعلنا نطغى، و انك قلت لنا: «كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى».…
ثم قال: او ترقى في السّماء اي تصعد في السّماء و لن نؤمن لرقيك اي لصعودك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه من اللّه العزيز الحكيم الى عبد اللّه بن ابي أميّة المخزومي و من معه بأن آمنوا بمحمّد بن عبد اللّه بن عبد المطلب فإنّه رسولي و صدقوه في مقاله انه من عندي، ثم لا ادري يا محمّد اذا فعلت هذا كله أومن بك او…
فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) الى قوله «رَجُلًا مَسْحُوراً» ثم قال اللّه تعالى: «انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا».…
تعالى يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد، و هو محمود و ليس لك و لا لأحد الاعتراض عليه بلم و كيف، الا ترى ان اللّه كيف افقر بعضا و اغنى بعضا و اعز بعضا و اذل بعضا و أصح بعضا و اسقم بعضا و شرف بعضا و وضع بعضا، و كلهم ممن يأكل الطعام.…
ثم ليس للفقراء ان يقولوا «لم افقرتنا و اغنيتهم» و لا للوضعاء ان يقولوا «لم وضعتنا و شرفتهم» و لا للزمنى و الضعفاء ان يقولوا «لم ازمنتنا و اضعفتنا و صححتهم» و لا للأذلاء ان يقولوا «لم أذللتنا و اعززتهم» و لا لقباح الصور ان يقولوا «لم قبحتنا و جملتهم» بل ان قالوا ذلك كانوا على ربهم رادّين و له في احكا…
انا الملك الخافض الرافع المغني المفقر المعز المذل المصحح المسقم و انتم العبيد ليس لكم الا التسليم لي و الانقياد لحكمي، فان سلمتم كنتم عبادا مؤمنين و ان ابيتم كنتم بي كافرين و بعقوباتي من الهالكين.…
ثم أنزل اللّه عليه: يا محمّد «قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ»* يعني آكل الطعام و «يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ»* يعني قل لهم: أنا في البشرية مثلكم و لكن ربي خصّني بالنّبوة دونكم كما يخص بعض البشر بالغنى و الصحة و الجمال دون بعض من البشر، فلا تنكروا ان يخصني أيضا بالنبوة [دونكم]…
يا عبد اللّه انما بعث اللّه نبيه ليعلم الناس دينهم و يدعوهم الى ربهم و يكدّ نفسه في ذلك آناء الليل و نهاره، فلو كان صاحب قصور يحتجب فيها و عبيد و خدم يسترونه عن الناس أ ليس كانت الرسالة تضيع و الأمور تتباطأ، أو ما ترى الملوك اذا احتجبوا كيف يجري الفساد و القبائح من حيث لا يعلمون به و لا يشعرون.…
يا عبد اللّه إنّما بعثني اللّه و لا مال لي ليعرفكم قدرته و قوته و انه هو الناصر لرسوله و لا تقدرون على قتله و لا منعه في رسالاته، فهذا بين في قدرته و في عجزكم و سوف يظفرني اللّه بكم فأسعكم قتلا و اسرا، ثم يظفرني اللّه ببلادكم و يستولي عليها المؤمنون من دونكم و دون من يوافقكم على دينكم.…
فكيف كنتم تعلمون صدق الملك و أن ما يقوله حق، بل انما بعث اللّه بشرا و أظهر على يده المعجزات التي ليست في طبائع البشر الذين قد علمتم ضمائر قلوبهم فتعلمون بعجزكم عما جاء به انه معجزة و ان ذلك شهادة من اللّه بالصدق له، و لو ظهر لكم ملك و ظهر على يده ما [تعجزون عنه] يعجز عنه [جميع] البشر لم يكن في ذلك م…
أ لا ترون ان الطيور التي تطير ليس ذلك منها بمعجز لأن لها أجناسا يقع منها مثل طيرانها، و لو أن آدميا طار كطيرانها كان ذلك معجزا، فان اللّه عز و جل سهل عليكم الأمر و جعله بحيث تقوم عليكم حجته و انتم تقترحون عمل الصعب الذي لا حجة فيه.…
ثم قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، الوليد بن المغيرة بمكة او عروة [بن مسعود الثقفي] بالطائف» فان اللّه ليس يستعظم مال الدنيا كما تستعظمه أنت و لا خطر له عنده كما له عندك بل لو كانت الدنيا عنده تعدل جناح بعوضة لما سقى كافرا به مخالفا له شربة ماء و ليس قسمة اللّه إليك بل اللّه هو القاسم للرحمات…
و ليس هو عزّ و جلّ ممن يخاف احدا كما تخافه أنت لما له و حاله فعرفته بالنبوة لذلك، و لا ممن يطمع في احد في ماله او في حاله كما تطمع أنت فتخصه بالنبوة لذلك، و لا ممن يحبّ أحدا محبّة الهواء كما تحبّ أنت فتقدم من لا يستحقّ التقديم و انما معاملته بالعدل، فلا يؤثر الا بالعدل لافضل مراتب الدين و جلاله الا …
أ لا ترى يا عبد اللّه كيف اغنى واحدا و قبح صورته، و كيف حسن صورة واحد و افقره، و كيف شرف واحدا و افقره، و كيف اغنى واحدا و وضعه. ثم ليس لهذا الغنى ان يقول «هلا اضيف الى يساري جمال فلان» و لا للجميل ان يقول «هلا أضيف الى جمالي مال فلان»، و لا للشريف ان يقول «هلا أضيف الى شرفي مال فلان» و لا للوضيع ان…
فأحوجنا بعضا الى بعض، أحوج هذا الى مال ذلك، و احوج ذلك الى سلعة هذا و الى خدمته. فترى اجلّ الملوك و اغنى الأغنياء محتاجا الى افقر الفقراء في ضرب من الضروب: إما سلعة معه ليست معه، و إما خدمة يصلح لها لا يتهيأ لذلك الملك ان يستغنى الا به، و إما باب من العلوم و الحكم هو فقير الى ان يستفيدها من هذا الفق…
ثم ليس للملك ان يقول هلا اجتمع الى مالي علم هذا الفقير، و لا للفقير ان يقول هلا اجتمع على رأيي و علمي و ما اتصرف فيه من فنون الحكمة مال هذا الملك الغني.…
ثم قال اللّه: «وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا» ثم قال: يا محمّد قل لهم «وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ» اي ما يجمعه هؤلاء من اموال الدنيا.…
ثم قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) الى آخر ما قلته، فانك قد اقترحت على محمّد رسول اللّه أشياء: منها ما لو جاءك به لم يكن برهانا لنبوته و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)…
و انما يؤتى بالحجج و البراهين ليلزم عباد اللّه الايمان بها لا ليهلكوا بها فانما اقترحت هلاكك و ربّ العالمين أرحم بعباده و أعلم بمصالحهم من ان يهلكهم كما تقترحون، و منها المحال الذي لا يصح و لا يجوز كونه و رسول رب العالمين يعرفك ذلك و يقطع معاذيرك و يضيق عليك سبيل مخالفته، و يلجئك بحجج اللّه الى تصدي…
فأما قولك يا عبد اللّه: «لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً» بمكة هذه فانها ذات أحجار و صخور و جبال تكسح أرضها و تحفرها و تجري فيها العيون فاننا إلى ذلك محتاجون، فانك سألت هذا و أنت جاهل بدلائل اللّه. يا عبد اللّه أ رأيت لو فعلت هذا أ كنت من أجل هذا نبيا؟ قال: لا.…
قال رسول اللّه: أ رأيت الطائف التي لك فيها بساتين أ ما كان هناك مواضع فاسدة صعبة اصلحتها و ذللتها و كسحتها و أجريت فيها عيونا استنبطتها؟ قال: بلى. قال:…
قال: فكذلك لا يصير هذا حجة لمحمد لو فعله على نبوته، فما هو الا كقولك: لن نؤمن لك حتى تقوم و تمشي على الأرض كما يمشي الناس أو حتى تأكل الطعام كما يأكل الناس.…