تنقاد و تمتنع و توحش و تؤنس و تطمع و تؤيس يعرض عنها السعداء و يرغب فيها الأشقياء إن الدنيا ظل الغمام و حلم المنام و الفرح الموصول بالغم و العسل المشوب بالسم سلابة النعم أكالة الأمم جلابة النقم إن الله تعالى جعل الدنيا لما بعدها و ابتلى فيها أهلها ليعلم أيهم أحسن عملا و لسنا للدنيا خلقنا و لا بالسعي لها أمرنا و إنما وضعنا فيها لنبتلى بها و نعمل فيها لما بعدها إن الدنيا دار منهالها الفناء و لأهلها منها الجلاء و هي حلوة خضرة قد عجلت للطالب و التبست بقلب الناظر فارتحلوا عنها بأحسن ما يحضركم من الزاد و لا تسألوا فيها إلا الكفاف و لا تطلبوا منها أكثر من البلاغ إن الدنيا لا يسلم منها إلا بالزهد فيها ابتلي الناس بها فتنة فما أخذوا منها لها أخرجوا منه و حوسبوا عليه ما أخذوا منها لغيرها قدموا عليه و أقاموا فيه و إنها عند ذوي العقول كالظل بينا تراه سائغا حتى قلص و زائدا حتى نقص و قد أعذر الله سبحانه إليكم في النهي عنها و أنذركم و حذركم منها فأبلغ الدهر يخلق الأبدان و يجدد الآمال و يدني المنية و يباعد الأمنية لدنيا إن انجلت انجلت و إذا جلت ارتحلت ]إن انحلت انحلت و إذا أحلت أوحلت [ إن جد الدنيا هزل و عزها ذل و علوها سفل إن الدنيا دار خبال و وبال و زوال و انتقال لا تساوي لذاتها تنغيصها و لا تفي سعودها بنحوسها و لا يقوم صعودها بهبوطها إن الدنيا لمفسدة الدين مسلبة اليقين و إنها لرأس الفتن و أصل المحن
غُرَرُ الحِكَم ودُرَرُ الكَلِم