⟨وَ قَدْ قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ (عليه السلام) اعْرِفُوا مَنَازِلَ شِيعَتِنَا عِنْدَنَا عَلَى قَدْرِ رِوَايَتِهِمْ عَنَّا وَ فَهْمِهِمْ مِنَّا⟩
فإن الرواية تحتاج إلى الدرايةخبر تدريه خير من ألف خبر ترويه.
و أكثر من دخل في هذه المذاهب إنما دخله على أحوال فمنهم من دخله بغير روية و لا علم فلما اعترضه يسير الشبهة تاه.و منهم من أراده طلبا للدنيا و حطامها فلما أماله الغواة و الدنياويون إليها مال مؤثرا لها على الدين مغترا مع ذلك بزخرف القول غرورا من الشياطين الذين وصفهم الله عز و جل في كتابه فقال- شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ
﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾
و المغتر به فهو كصاحب السراب الذي يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً يلمعه عند ظمائه لمعة ماء فإذا جاء لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً كما قال الله عز و جل.و منهم من تحلى بهذا الأمر للرياء و التحسن بظاهره و طلبا للرئاسة و شهوة لها و شغفا بها من غير اعتقاد للحق و لا إخلاص فيه فسلب الله جماله و غير حاله و أعد له نكاله.و منهم من دان به على ضعف من إيمانه و وهن من نفسه بصحة ما نطق به منه فلما وقعت هذه المحنة التي آذننا أولياء الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بها مذ ثلاثمائة سنة تحير و وقف كما قال الله عز و جل من قائل-
﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾
وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ و كما قال
﴿كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾
وَ إِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا.و وجدنا الرواية قد أتت عن الصادقين (عليه السلام) بما أمروا به من وهب الله عز و جل له حظا من العلم و أوصله منه إلى ما لم يوصل إليه غيره من تبيين ما اشتبه على إخوانهم في الدين و إرشادهم في الحيرة إلى سواء السبيل و إخراجهم عن منزلة الشك إلى نور اليقين.فقصدت القربة إلى الله عز و جل بذكر ما جاء عن الأئمة الصادقين الطاهرين (عليهم السلام) من لدن أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى آخر من روي عنه منهم في هذه الغيبة التي عمي عن حقيتها و نورها من أبعده الله عن العلم بها و الهداية إلى ما أوتي عنهم (عليه السلام) فيها ما يصحح لأهل الحق حقيقة ما رووه و دانوا به و تؤكد حجتهم بوقوعها و يصدق ما آذنوا به منها.و إذا تأمل من وهب الله تعالى له حسن الصورة و فتح مسامع قلبه و منحه جودة القريحة و أتحفه بالفهم و صحة الرواية بما جاء عن الهداة الطاهرين ص- على قديم الأيام و حديثها من الروايات المتصلة فيها الموجبة لحدوثها المقتضية لكونها مما قد أوردناه في هذا الكتاب حديثا حديثا و روي فيه و فكر فكرا منعما و لم يجعل قراءته و نظره فيه صفحا دون شافي التأمل و لم يطمح ببصره عن حديث منها يشبه ما تقدمه دون إمعان النظر فيه و التبيين له و لما يحوي من زيادة المعاني بلفظه من كلام الإمام (عليه السلام) بحسب ما حمله واحد من الرواة عنه علم أن هذه الغيبة لو لم تكن و لم تحدث مع ذلك و مع ما روي على مر الدهور فيها لكان مذهب الإمامة باطلا لكن الله تبارك و تعالى صدق إنذار الأئمة (عليهم السلام) بها و صحح قولهم فيها في عصر بعد عصر و ألزم الشيعة التسليم و التصديق و التمسك بما هم عليه و قوى اليقين في قلوبهم بصحة ما نقلوه و قد حذر أولياء الله (صلى الله عليه وآله وسلم) شيعتهم من أن تميل بهم الأهواء أو تزيغ بهم و بقلوبهم الفتن و اللأواء في أيامها و وصفوا ما يشمل الله تعالى خلقه به من الابتلاء عند وقوعها بتراخي مدتها و طول الأمد فيها-
﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾
وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
[الغيبة للنعماني] · موسوعة الغيبة والظهور