على أنّ أولياء الإمام وشيعته منتفعون به في حال غيبته، لأنهم مع علمهم بوجوده بينهم، وقطعهم بوجوب طاعته عليهم، لابدّ أن يخافوه في إرتكاب القبيح، ويرهبوا من تأديبه وإنتقامه ومؤاخذته، فيِكثر منهم فعل الواجب، ويقلّ إرتكاب القبيح، أو يكونوا إلى ذلك أقرب، فيحصل لهم اللّطف به مع غيبته، بل ربما كانت الغيبة في هذا الباب أقوى؟
لأنّ المكلّف إذا لم يعرف مكانه، ولم يقف على موضعه، وجوز فيمن لا يعرفه أنّه الإمام، يكون إلى فعل الواجب أقرب منه إلى ذلك لوعرفه ولم يجوز فيه كونه اماماً.
فإن قالوا: إنّ هذا تصريح منكم بان ظهور الإمام كاستتاره في الانتفاع به والخوف منه.
فنقول: إن ظهوره لا يجوز أن يكون في المنافع كاستتاره، وكيف يكون ذلك وفي ظهوره وقوّة سلطانه إنتفاع الولي والعدو، والمحب والمبغض، ولا ينتفع به في حال الغيبة إلاّ وليّه دون عدوه، وأيضاً فإنّ في إنبساط بده منافع كثيرة لأوليائه وغيرهم، لأنه يحمي حوزتهم، ويسدّ ثغورهم، ويؤمن طرقهم، فيتمكنون من التجارات والمغانم، ويمنع الظالمين من ظلمهم، فتتوفر أموالهم، وتصلح أحوالهم.
غير أن هذه منافع دنيوتة لا يجب إذا فاتت بالغيبة أن يسقط التكليف معها، والمنافع الدينيّة الواجبة في كل حالة بالإمامة قد بيّنّا أنها ثابتة لأوليائه مع الغيبة، فلايجب سقوط التكليف مسألة سادسة: قالوا: لا يمكن أن يكون فىِ العالم بشر له من السنَ ما تصفونه لإمامكم، وهو مع ذلك كامل العقل، صحيح الحس ؟
وأكثروا التعجب من ذلك، وشنّعوا به علينا.
إعلام الورى بأعلام الهدى — الجزء 2 — ص 304 · بواضح الدليل ولائح البرهان