الأقسامالسيرة والتاريخ والاحتجاجات وجوامعالوقائع والمعارك
الأحتجاج · رقم ٤٣٤

عن المبارك بن فضالة عن رجل ذكره

قال أتى رجل أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد الجمل، فقال: يا أمير المؤمنين رأيت في هذه الواقعة أمرا هالني من روح قد بانت وجثة قد زالت، ونفس قد فأتت، لا أعرف فيهم مشركا بالله تعالى، فالله الله مما يجللني من هذا إن يك شرا فهذا نتلقى بالتوبة، وإن يك خيرا ازددنا منه أخبرني عن أمرك هذا الذي أنت عليه، أفتنة عرضت لك فأنت تنفع الناس بسيفك أم شئ خصك به رسول الله؟.فقال (عليه السلام): إذن أخبرك، إذن أنبئك، إذن أحدثك، إن ناسا من المشركين أتوا رسول الله (صلى الله وعليه وآله) وأسلموا، ثم قالوا لأبي بكر: استأذن لنا على رسول الله (صلى الله وعليه وآله) حتى نأتي قومنا فنأخذ أموالنا ثم نرجع. فدخل أبو بكر على رسول الله (صلى الله وعليه وآله) فاستأذن لهم، فقال، عمر: يا رسول الله أنرجع من الإسلام إلى الكفر؟ فقال: وما علمك يا عمران ينطلقوا فيأتوا بمثلهم معهم من قومهم، ثم إنهم أتوا أبا بكر في العام المقبل فسألوه أن يستأذن لهم على النبي فاستأذن لهم، وعنده عمر فقال: مثل قوله فغضب رسول الله (صلى الله وعليه وآله) ثم قال: والله ما أراكم تنتهون حتى يبعث الله عليكم رجلا من قريش يدعوكم إلى الله فتختلفون عنه اختلاف الغنم الشرود، فقال له أبو بكر فداك أبي وأمي يا رسول الله أنا هو؟قال: لا. قال عمر: فمن هو يا رسول الله؟ فأومى إلي وأنا أخصف نعل رسول الله (صلى الله وعليه وآله) وقال: " هو خاصف النعل عندكما، ابن عمي، وأخي، وصاحبي، ومبرئ ذمتي، والمؤدي عني ديني، وعداتي، والمبلغ عني رسالاتي، ومعلم الناس من بعدي، ومبينهم من تأويل القرآن ما لا يعلمون " فقال الرجل: اكتفي منك بهذا يا أمير المؤمنين ما بقيت. فكان ذلك الرجل أشد أصحاب علي (عليه السلام) فيما بعد على من خالفه.عن ابن عباس قال لما فرغ علي (عليه السلام) من قتال أهل البصرة وضع قتبا على قتب ثم صعد عليه فخطب، فحمد الله وأثنى عليه فقال:يا أهل البصرة، يا أهل المؤتفكة يا أهل الداء العضال، أتباع البهيمة، يا جند المرأة رغا فأجبتم وعقر فهربتم، ماءكم زعاق ودينكم نفاق، وأخلاقكم دقاق. ثم نزل يمشي بعد فراغه من خطبته فمشينا معه فمر بالحسن البصري وهو يتوضأ فقال: يا حسن أسبغ الوضوء. فقال: يا أمير المؤمنين لقد قتلت بالأمس أناسا يشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، يصلون الخمس، ويسبغون الوضوء.فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): قد كان ما رأيت فما منعك أن تعين علينا عدونا. فقال: والله لأصدقنك يا أمير المؤمنين لقد خرجت في أول يوم فاغتسلت وتحنطت وصببت علي سلاحي وأنا لا أشك في أن التخلف عن أم المؤمنين عائشة هو الكفر، فلما انتهيت إلى موضع من الخريبة ناداني مناد: " يا حسن إلى أين أرجع فإن القاتل والمقتول في النار " فرجعت ذعراوالمؤتفكة أهوى، وفي الحديث البصرة إحدى المؤتفكات. الداء العضال - بعين مضمومة -: المرض الصعب الشديد الذي يعجز عنه الطبيب. يريد: الجمل الذي ركبته عائشة. يريد: عائشة. رغا فأجبتم أي الجمل رغا والرغاء - كغراب -: صوت ذوات الخف وقد رغا البعير يرغو رغاءا إذا ضج ورغت الناقة صوتت فهي راغية. الزعاق - كغراب -: الماء المر الغليظ الذي لا يطاق شربه. وجلست في بيتي، فلما كان في اليوم الثاني لم أشك أن التخلف عن أم المؤمنين عائشة هو الكفر، فتحنطت، وصببت علي سلاحي وخرجت أريد القتات، حتى أنهيت إلى موضع من الخريبة فناداني مناد من خلفي: " يا حسن إلى أين مرة بعد أخرى فإن القاتل والمقتول في النار " قال علي (عليه السلام): صدقك أفتدري من ذلك المنادي؟قال: لا. قال (عليه السلام): ذلك أخوك إبليس، وصدقك أن القاتل والمقتول منهم في النار، فقال الحسن البصري الآن عرفت يا أمير المؤمنين أن القوم هلكى.وعن أبي يحيى الواسطي قال: لما افتتح أمير المؤمنين (عليه السلام) اجتمع الناس عليه وفيهم الحسن البصري ومعه الألواح، فكان كلما لفظ أمير المؤمنين (عليه السلام) بكلمة كتبها، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام) - بأعلى صوته - ما تصنع؟ فقال نكتب آثاركم لنحدث بها بعدكم، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أما أن لكل قوم سامري وهذا سامري هذه الأمة، أما إنه لا يقول لا مساس ولكن يقول لا قتال.* * *احتجاجه (عليه السلام) على قومه في الحث على المسير إلى الشام لقتال معاوية وفيما أخذ عليهم من العهد والميثاق بالطاعة له حال بيعتهم إياه.روي أنه (عليه السلام) لما عزم على المسير إلى الشام لقتال معاوية قال - بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله (صلى الله وعليه وآله) -: اتقوا الله عباد الله وأطيعوه، وأطيعوا إمامكم، فإن الرعية الصالحة تنجو بالإمام العادل، ألا وإن الرعية الفاجرة تهلك بالإمام الفاجر، وقد أصبح معاوية غاصبا لما في يديه من حقي، ناكثا لبيعتي،لقى أبا محمد العسكري أمه بنت محمد بن نعمان أبي جعفر الأحول الملقب بمؤمن الطاق المتكلم المشهور.رجال الشيخ رجال النجاشي طاغيا في دين الله عز وجل، وقد علمتم أيها المسلمون ما فعل الناس بالأمس، فجئتموني راغبين إلي في أمركم، حتى استخرجتموني من منزلي لتبايعوني، فالتويت عليكم لأبلو ما عندكم فراددتموني القول مرارا وراددتكم، وتداككتم علي تداك الإبل الهيم على حياضها حرصا على بيعتي، حتى خفت أن يقتل بعضكم بعضا، فلما رأيت ذلك منكم رويت في أمركم وأمري، وقلت إن أنا لم أجبهم إلى القيام بأمرهم لم يصيبوا أحدا منهم يقوم فيهم مقامي ويعدل فيهم عدلي، وقلت والله لا ليتهم وهم يعلمون حقي وفضلي أحب إلي من أن يلوني وهم لا يعرفون حقي وفضلي، فبسطت لكم يدي فبايعتموني يا معشر المسلمين، وفيكم المهاجرون والأنصار، والتابعون بإحسان، فأخذت عليكم عهد بيعتي، وواجب صفقتي، عهد الله وميثاقه، وأشد ما أخذ على النبيين من عهد وميثاق، لتقرن لي، ولتسمعن لأمري، ولتطيعوني، وتناصحوني، وتقاتلون معي كل باغ علي أو مارق إن مرق، فأنعمتم لي بذلك جميعا، وأخذت عليكم عهد الله وميثاقه، وذمة الله وذمة رسوله، فأجبتموني إلى ذلك جميعا، وأشهدت الله عليكم، وأشهدت بعضكم على بعض، فقمت فيكم بكتاب الله، وسنة نبيه (صلى الله وعليه وآله)، فالعجب من معاوية بن أبي سفيان ينازعني الخلافة، ويجحد لي الإمامة، ويزعم أنه أحق بها مني، جرأة منه على الله وعلى رسول الله صلى لله عليه وآله، بغير حق له فيها ولا حجة، ولم يبايعه المهاجرون ولا سلم له الأنصار والمسلمون.يا معشر المهاجرين والأنصار وجماعة من سمع كلامي، أما أوجبتم لي على أنفسكم الطاعة، أما بايعتموني على الرغبة، أما أخذت عليكم العهد بالقبول لقولي؟أما بيعتي لكم يومئذ أوكد من بيعة أبي بكر وعمر، فما بال من خالفني لم ينقض عليهما حتى مضيا ونقض علي ولم يف لي؟! أما يجب عليكم نصحي ويلزمكم أمري؟ أما تعلمون أن بيعتي يلزم الشاهد منكم والغائب؟ فما بال معاية وأصحابه طاغون في بيعتي؟ ولم لم يفوا لي وأنا في قرابتي وسابقتي وصهري أولى بالأمر ممن تقدمني؟ أما سمعتم قول رسول الله (صلى الله وعليه وآله) يوم الغدير في ولايتي وموالاتي؟فاتقوا الله أيها المسلمون وتحاثوا على جهاد معاوية القاسط الناكث، وأصحابه القاسطين الناكثين، اسمعوا ما اتلوا عليكم من كتاب الله المنزل، على نبيه المرسل لتتعظوا، فإنه والله أبلغ عظة لكم، فانتفعوا بموعظة الله، وازدجروا عن معاصي الله، فقد وعظكم الله بغيركم فقال لنبيه (صلى الله وعليه وآله): " ﴿‏ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم أن كتب عليكم القتال‏﴾ أن لا تقاتلوا قالوا وما لنا لا ﴿‏نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين " وقال لهم نبيهم: " إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم‏﴾ " أيها الناس إن لكم في هذه الآيات عبرة، لتعلموا أن الله جعل الخلافة والأمرة من بعد الأنبياء في أعقابهم، وأنه فضل طالوت وقدمه على الجماعة باصطفائه إياه، وزيادة بسطه في العلم والجسم، فهل تجدون أن الله اصطفى بني أمية على بني هاشم، وزاد معاوية علي بسطة في العلم والجسم.واتقوا الله عباد الله وجاهدوا في سبيله قبل أن ينالكم سخطه بعصيانكم له قال الله سبحانه: " ﴿‏لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان‏﴾ داود وعيسى بن ﴿‏مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا‏﴾ يعملون إنما المؤمنين ﴿‏الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون‏﴾ " وقال سبحانه: " ﴿‏يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم‏﴾ ذبوبكم ﴿‏ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم‏﴾ ".اتقوا الله عباد الله وتحاثوا على الجهاد مع إمامكم فلو كان لي منكم عصابة بعدد أهل بدر إذا أمرتهم أطاعوني وإذا استنهضتهم نهضوا معي لاستغنيت بهم عن كثير منكم، وأسرعت النهوض إلى حرب معاوية وأصحابه فإنه الجهاد المفروض.ومن كلامه (عليه السلام) يجري مجرى الاحتجاج مشتملا على التوبيخ لأصحابه على تثاقلهم عن قتال معاوية والتفنيد متضمنا اللوم والوعيد.أيها الناس إني استنفرتكم لجهاد هؤلاء فلم تنفروا وأسمعتكم فلم تجيبوا، ونصحت لكم فلم تقبلوا، شهودا بالغيب اتلوا عليكم الحكمة فتعرضون عنها، وأعظكم بالموعظة البالغة فتنفرون عنها، كأنكم ﴿‏حمر مستنفرة فرت من قسورة‏﴾، وأحثكم على جهاد أهل الجور فما آتي على آخر قولي حتى أراكم متفرقين أيادي سبا، ترجعون إلى مجالسكم تتربعون حلقا، تضربون الأمثال وتنشدون الأشعار، وتجسسون الأخبار، حتى إذا تفرقتم تسألون عن الأخبار جهلا من غير علم، وغفلة من غير ورع، وتتبعا من غير خوف، ونسيتم الحرب والاستعداد لها، فأصبحت قلوبكم فارغة من ذكرها، شغلتموها بالأعاليل والأضاليل، فالعجب كل العجب، وكيف لا أعجب من اجتماع قوم على باطلهم، وتخاذلكم عن حقكم يا أهل الكوفة أنتم كأم مخالد حملت فأملصت فمات قيمها وطال أيمها وورثها أبعدها، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إن من ورائكم الأغبر الأدبر جهنم الدنيا لا تبقي ولا تذر، ومن بعده النهاش الفراس، الجموع المنوع ثم ليتوارثنكم من بني أمية عدة ما الآخر منهم بارق بكم من الأول، ما خلا واحد بلاء قضاه الله على هذه الأمة لا محالة كائن، يقتلون أخياركم، ويستعبدون أرذالكم، ويستخرجون كنوزكم وذخايركم في جوف حجالكم، نقمة بما صنعتم من أموركم، وصلاح أنفسكم ودينكم.يا أهل الكوفة أخبركم بما يكون قبل أن يكون، لتكونوا منه على حذر ولتنذروا به اتعظ واعتبر، كأني بكم تقولون: إن عليا يكذب، كما قالت قريش لنبيها (صلى الله وعليه وآله) وسيدها نبي الرحمة، " محمد بن عبد الله " فيا ويلكم فعلى من أكذب أعلى الله فأنا أول من عبده ووحده؟! أم على رسوله فأنا أول من آمن به وصدقه ونصره؟! كلا ولكنها لهجة خدعة! كنتم عنها أغنياء، والذي فلق الحبة وبرئ النسمة لتعلمن نبأها بعد حين، وذلك إذا صيركم إليها جهلكم، ولا ينفعكم عندها علمكم، فقبحا لكم يا أشباه الرجال ولا رجال، حلوم الأطفال، وعقول ربات الحجال، أما والله أيها الشاهدة أبدانهم، الغائبة عنهم عقولهم، المختلفة أهوائهم ما أعز الله نصر من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم ولا قرت عين من آواكم، كلامكم يوهن الصم الصلاب وفعلكم يطمع فيكم عدوكم المرتاب، ويحكم أي دار بعد داركم تمتعون ومع أي إمام بعدي تقاتلون المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب، أصبحت لا أطمع في نصرتكم، ولا أصدقكم قولكم، فرق الله بيني وبينكم، وأعقبني بكم من هو خيرا لي منكم، وأعقبكم بي من هو شرا لكم مني، إمامكم يطيع الله وأنتم تعصونه وإمام أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه، والله لوددت أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم، فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني واحدا منهم، والله لوددت أني لم أعرفكم، ولم تعرفوني، فإنها معرفة جرت ندما لقد ورثتم صدري غيظا، وأفسدتم علي أمري بالخذلان والعصيان، حتى لقد قالت قريش إن عليا رجل شجاع لكن لا علم له بالحروب، لله درهم هل كان فيهم أحد أطول لها مراسا مني وأشد بها مقاساة لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، ثم هاأنا ذا قد ذرفت على الستين، لكن لا أمر لمن لا يطاع، أما والله لوددت أن ربي قد أخرجني من بين أظهركم إلى رضوانه، وإن المنية لترصدني فما يمنع أشقاها أن يخضبها؟- وترك يده على رأسه ولحيته - عهدا عهده إلي النبي الأمي وقد خاب من افترى، ونجا من اتقى وصدق بالحسنى.يا أهل الكوفة قد دعوتكم إلى جهاد هؤلاء ليلا ونهارا، وسرا وإعلانا، وقلت لكم اغزوهم فإنه ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا، فتواكلتم وتخاذلتم وثقل عليكم قولي، واستصعب عليكم أمري، واتخذتموه ورائكم ظهريا، حتى شنت عليكم الغارات، وظهرت فيكم الفواحش والمنكرات، تمسيكم وتصبحكم، كما فعل بأهل المثلات من قبلكم، حيث أخبر الله عز وجل عن الجبابرة العتاة الطغاة، المستصعفين الغوات، في قوله تعالى: " يذبحون أبنائكم ويستحيون نسائكم ﴿‏وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم‏﴾ " أما والذي فلق الحبة وبرئ النسمة لقد حل بكم الذي توعدون.عاتبتكم يا أهل الكوفة بمواعظ القرآن فلم أنتفع بكم، وأدبتكم بالدرة فلم تستقيموا لي، وعاقبتكم بالسوط الذي يقام به الحدود فلم ترعووا، ولقد علمت أن الذي يصلحكم هو السيف، وما كنت متحريا صلاحكم بفساد نفسي ولكن سيسلط عليك سلطان صعب، لا يوقر كبيركم، ولا يرحم صغيركم، ولا يكرم عالمكم، ولا يقسم الفيئ بالسوية بينكم، وليضربنكم، وليذلنكم، وليجرنكم في المغازي، وليقطعن سبلكم، وليجمعنكم على بابه، حتى يأكل قويكم ضعيفكم ثم لا يبعد الله من ظلم، ولقل ما أدبر شئ فأقبل، وإني لأظنكم على فترة، وما علي إلا النصح لكم.يا أهل الكوفة منيت منكم بثلاث واثنتين صم ذووا أسماع، وبكم ذووا ألسن، وعمي ذووا أبصار، لا إخوان صدق عند اللقاء، ولا إخوان ثقة عند البلاء.اللهم إني قد مللتهم وملوني، وسئمتهم وسئموني اللهم لا ترض عنهم أميرا ولا ترضهم عن أمير، وأمث قلوبهم كما يماث الملح بالماء أما والله لو أجد بدا من كلامكم ومراسلتكم ما فعلت، ولقد عاتبتكم في رشدكم حتى لقد سئمت الحياة، كل ذلك تراجعون بالهزء من القول، فرارا من الحق، وإلحادا إلى الباطل الذي لا يعز الله بأهله الدين، وإني لأعلم أنكم لا تزيدونني غير تخسير، كلما أمرتكم بجهاد عدوكم اثاقلتم إلى الأرض وسألتموني التأخير، وفاع ذي الدين المطول، إن قلت لكم في القيظ سيروا، قلتم الحر شديد، وإن قلت لكم في البرد سيروا، قلتم القر شديد كل ذلك فرارا عن الحرب، إذا كنتم عن الحر والبرد تعجزون، فأنتم عن حرارة السيف أعجز، فإنا لله وإنا إليه راجعون. يا أهل الكوفة قد أتاني الصريح يخبرني أن ابن عمر قد نزل الأنبار على أهلها ليلا في أربعة آلاف، فأغار عليهم كما يغار على الروم والخزر، فقتل بها عاملي ابن حسان، وقتل معه رجالا صالحين، ذوي فضل وعبادة ونجدة، بوأ الله لهم جنات النعيم، وأنه أباحها، ولقد بلغني أن العصبة من أهل الشام كانوا يدخلون على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة فيه تكون سترها، ويأخذون القناع من رأسها، والخرص من أذنها، والأوضاح من يديها ورجليها وعضديها، والخلخال والميزر عن سوقها، فما تمتنع إلا بالاسترجاع والنداء: " يا للمسلمين!" فلا يغيثها مغيث، ولا ينصرها ناصر، فلو أن مؤمنا مات دون هذا ما كان عندي ملوما، بل كان عندي بارا محسنا، واعجبا كل العجب من تظافر هؤلاء القوم على باطلهم، وفشلكم عن حقكم، قد صرتم غرضا يرمى ولا ترمون، وتغزون ولا تغزون ويعصى الله وترضون، فتربت أيديكم يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها، كلما اجتمعت من جانب تفرقت من جانب.* * *احتجاجه (عليه السلام) على معاوية في جواب كتاب كتب إليه في غيره من المواضع وهو من أحسن الحجاج وأصوبها (*).أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه اصطفاء الله تعالى محمدا (صلى الله وعليه وآله) لدينه، وتأييده إياه بمن أيده من أصحابه، فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا إذ طفقت (*) تجد هذا الكتاب في ج 3 من نهج البلاغة. خبأه: ستره وأخفاه. طفق: جعل. تخبرنا ببلاء الله عندنا، ونعمته علينا في نبينا، فكنت في ذلك كناقل التمر إلى هجر، أو داعي مسدده إلى النضال وزعمت أن أفضل الناس في الإسلام فلان وفلان فذكرت أمرا إن تم اعتزلك كله، وإن نقص لم يلحقك ثلمه، وما أنت والفاضل والمفضول، والسايس والمسوس، وما للطلقاء وأبناء الطلقاء والتمييز بين المهاجرين الأولين، وترتيب درجاتهم، وتعريف طبقاتهم، هيهات لقد حن قدح ليس منها وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها.ألا تربع أيها الإنسان على ظلعك وتعرف قصور ذرعك، وتتأخر حيث أخرك القدر فما عليك غلبة المغلوب، ولا لك ظفر الظافر، فإنك لذهاب في التيه، رواغ عن القصد ألا ترى - غير مخبر لك لكن بنعمة الله أحدث -: إن قوما استشهدوا في سبيل الله من المهاجرين ولكل فضل، حتى إذا استشهد شهيدنا قيل: " سيد الشهداء " وخصه رسول الله (صلى الله وعليه وآله) بسبعين تكبيرة عند صلاته عليه، أو لا ترى أن قوما قطعت أيديهم في سبيل الله ولكل فضل، حتى إذا فعل بواحدنا كما فعل بواحدهمأعلمه الرماية كل يوم * فلما اشتد ساعده رماني يريد أبا بكر وعمر. القدح: السهم وهذا المثل يضرب لمن يفتخر بشئ ليس فيه. أربع: توقف وانتظر يقال: " أربع على نفسك أو على ظلعك " أي:توقف ولا تستعجل والظلع العيب. أي أنت ضعيف فانته عما لا تطيقه ويقصر عنه باعك أي حائد عن القصد. هو حمزة بن عبد المطلب عم الرسول " ص " وقد مر ذكره في هامش فراجعه. قيل: " الطيار في الجنة وذو الجناحين " ولولا ما نهى الله عن تزكية المرأ نفسه لذكر ذاكر فضائل جمة تعرفها قلوب المؤمنين، ولا تمجها آذان السامعين فدع عنك من مالت به الرمية فأنا صنايع ربنا، والناس بعد صنايع لنا لم يمنعنا قديم عزنا، ولا عادى طولنا على قومك أن خلطناكم بأنفسنا،قوله (عليه السلام): " فأنا صنايع ربنا " هذا كلام مشتمل على أسرار عجيبة من غرائب شأنهم التي تعجز عنها العقول، ولنتكلم على ما يمكننا إظهاره والخوض فيه فنقول صنيعة الملك: من يصطنعه ويرفع قدره، ومنه قوله تعالى: " اصطنعتك لنفسي " أي اخترتك وأخذتك صنيعتي، لتنصرف عن إرادتي ومحبتي.فالمعنى: أنه ليس لأحد من البشر علينا نعمة، بل الله تعالى أنعم علينا، فليس بيننا وبينه واسطة، والناس بأسرهم صنايعنا فنحن الوسائط بينهم وبين الله سبحانه.ويحتمل أن يريد بالناس بعض الناس أي المختار من الناس، نصطنعه ونرفع قدره.وفي ج 3 من شرحالنهج لابن أبي الحديد قال:هذا كلام عظيم عالعلى الكلام، ومعناه عال على المعاني، وصنيعة الملك من يصطنعه الملك ويرفع قدره، يقول: ليس لأحد من البشر علينا نعمة بل الله تعالى هو الذي أنعم علينا، فليس بيننا وبينه واسطة، والناس بأسرهم صنائعنا فنحن الواسطة بينهم وبين الله تعالى، وهذا مقام جليل ظاهره ما سمعت وباطنه أنهم عبيد الله، وأن الناس عبيدهم.وقالمحمد بن عبده في من ج 3: من نهج البلاغة آل النبي: أسراء إحسان الله عليهم والناس أسراء فضلهم بعد ذلك. الطول: الفضل. قال العلامة المجلسي في من ج 8 من بحار الأنوار فنكحنا وأنكحنا، فعل الأكفاء، ولستم هناك وأنى يكون ذلك كذلك ومنا النبي ومنكم المكذب ومنا أسد الله ومنكم أسد الأحلاف ومنا سيدا شباب أهل الجنة ومنكم صبية النار ومنا خير نساء العالمين، ومنكم حمالة الحطب في كثير مما لنا عليكم فإسلامنا ما قد سمع، وجاهليتكم لا تدفع وكتاب الله يجمع لنا ما شذ عنا، وهو قوله تعالى: " وأولوا ﴿‏الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله‏﴾ " وقوله تعالى: " ﴿‏إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين‏﴾ " فنحن مرة أولى بالقرابة وتارة أولى بالطاعة.ولما احتج المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول الله (صلى الله وعليه وآله) فلجوا عليهم___ وأنا مرقل نحوك في جحفل من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، شديد زحامهم، ساطع قتامهم متسربلين سرابيل الموت أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم، وقد صحبتهم ذرية بدرية، وسيوف هاشمية، قد عرفت مواقع نصالها في أخيك، وخالك، وجدك وأهلك، ﴿‏وما هي من الظالمين ببعيد‏﴾ وكتب أيضا (عليه السلام) - إلى معاوية -:أما بعد فإنا كنا نحن وأنت على ما ذكرت من الألفة والجماعة، ففرق بيننا وبينكم بالأمس إنا آمنا وكفرتم، واليوم إنا استقمنا وفتنتم، وما أسلم مسلمكم إلا كرها وبعد أن كان أنف الإسلام كله لرسول الله حزبا.وذكرت إني قتلت طلحة والزبير، وشردت بعايشة، ونزلت بين المصرين وذلك أمر غبت عنه، فلا الجناية عليك، ولا العذر فيه إليك، وذكرت أنك زائري في المهاجرين والأنصار، وقد انقطعت الهجرة يوم أسر أخوك فإن كان فيك___<=أغير على إبله في الجاهلية فاستنقذها وقال: -لبث قليلا يلحق الهيجا حمل * لا بأس بالموت إذا الموت نزلفصار مثلا يضرب للتهديد بالحرب. مرقل: مسرع والجحفل: الجيش العظيم. الساطع، المنتشر. والقتام - بالفتح -: الغبار. السربال: اللباس أي: لابسين لباس الموت كأنهم في أكفانهم. النصال: السهام. أخوه: حنظلة، وخاله: الوليد بن عتبة، وجده: عتبة بن ربيعة وهو جده لأمه تجد هذا الكتاب في من ج 3 من نهج البلاغة. وذلك إن أبا سفيان لم يسلم حتى قبل فتح مكة وإنما دخل الإسلام خوف القتل أنف الإسلام: إشراف العرب الذين دخلوا فيه قبل الفتح. المصران: الكوفة والبصرة. أخوه: عمرو بن أبي سفيان، أسر يوم بدر. عجل فاسترفه فإني إن أزرك فذلك جدير أن يكون الله عز وجل إنما بعثني للنقمة منك، وإن تزرني فكما قال أخو بني أسد.مستقبلين رياح الصيف تضربهم * بحاصب بين أغوار وأنجادوعندي السيف الذي أعضضته بجدك وخالك وأخيك في مقام واحد، وإنك والله ما علمت الأغلف القلب المقارب للعقل، والأولى أن يقال لك:إنك رقيت سلما أطلعك مطلع سوء عليك لا لك، لأنك نشدت غير ضالتك ورعيت غير سائمتك وطلبت أمرا لست من أهله، ولا في معدنه، فما أبعد قولك من فعلك! وقريب ما اشبهت من أعمام وأخوال حملتهم الشقاوة وتمني الباطل، على الجحود بمحمد (صلى الله وعليه وآله)، فصرعوا بمصارعهم حيث عملت لم يدفعوا عظيما، ولم يمنعوا حريما، بوقع سيوف ما خلا منها الوغى، فلم يماشها الهوينا وقد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه الناس ثم حاكم القوم إلي أحملك وإياهم على كتاب الله. وأما تلك التي تريد فإنها خدعة الصبي عن اللبن في أول الفصال، والسلام لأهله.وكتب (عليه السلام) إلى معاوية وفي كتاب آخر.فسبحان الله ما أشد لزومك للأهواء المبتدعة، والحيرة المتبعة، مع تضييع الحقايق، واطراح الوثايق، التي هي لله طلبة، وعلى عباده حجة، فأما إكثارك الحجاج في عثمان وقتلته، فإنك إنما نصرت عثمان حيث كان النصر لك وخذلته حيث كان النصر له والسلام.وروى أبو عبيدة قال: كتب معاوية إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) إن لي فضائل كثيرة، كان أبي سيدا في الجاهلية، وصرت ملكا في الإسلام، وأنا صهر رسول الله (صلى الله وعليه وآله)، وخال المؤمنين، وكاتب الوحي.فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أبالفضائل يبغي علي ابن آكلة الأكباد؟ أكتب إليه يا غلام:

[الاحتجاج] · موسوعة الغيبة والظهور

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.