أمّا إذا لا بدّ فإنّه و اللّه كان بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، و يحكم عدلا، يتفجّر العلم من جوانبه، و تنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا و زهرتها، و يأنس بالليل و وحشته، كان غزير الدمعة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما خشن، و من الطعام ما جشب، و كان فينا كأحدنا، مجيبنا إذا سألناه، و يأتينا إذا دعوناه، و نحن و اللّه مع تقريبه إيّانا و قربه منّا، لا نكاد نكلّمه هيبة له، و يعظم أهل الدين، و يقرب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، و لا ييأس الضعيف من عدله، فأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه و قد أرخى الليل سدوله، و غارت نجومه، قابضا على لحيته، و يتململ تململ السليم، و يبكى بكاء الحزين، و هو يقول: يا دنيا غرّي غيري، أبي تعرّضت أم إليّ تشوّقت؟
هيهات هيهات قد طلّقتك ثلاثا لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير، و خطرك كبير، و عيشك حقير، آه من قلّة الزاد و بعد السفر، و وحشة الطريق.
فبكى معاوية و قال: رحم اللّه أبا الحسن كان و اللّه كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟
قال:
كشف الغمة في معرفة الأئمة — ص 95 · صفته (عليه السلام)