قال (عليه السلام):
أعينوني بورع و اجتهاد، و قد وصف شيعته فقال: إنّهم خمص البطون من الطوى عمش العيون من البكاء ؟!
و قال (عليه السلام)- و قد سأله همام عن المؤمنين، و كان همام هذا رجلا عابدا و الكلام مذكور في نهج البلاغة أذكر منه شيئا-: فالمتقون فيها هم أهل الفضائل، منطقهم الصواب، و ملبسهم الاقتصاد، و مشيهم التواضع، غضّوا أبصارهم عمّا حرّم اللّه عليهم، ____________ الحسام- بضم الحاء-: السيف القاطع.
جشب الطعام: غلظ.
خمص البطون: فرغ و ضمر أي هزل و دقّ و قلّ لحمه.
و الطوى: الجوع.
و عمشت عينه: ضعف بصرها مع سيلان دمعها في أكثر الأوقات.
و الضمير إلى الدنيا.
116 و وقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت في الرخاء، و لو لا الأجل الذي كتب اللّه لهم لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين، شوقا إلى الثواب و خوفا من العقاب، عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم، فهم و الجنّة كمن قد رآها فيهم فيها منعّمون، و هم و النّار كمن قد رآها فهم فيها معذّبون، قلوبهم محزونة، و شرور هم مأمونة، و أجسادهم نحيفة، و حاجاتهم خفيفة، و أنفسهم عفيفة، صبروا أيّاما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة، تجارة مربحة، يسّرها لهم ربّهم، أرادتهم الدّنيا و لم يريدوها، و أسرتهم ففدوا أنفسهم منها.
أمّا الليل فصافّون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن، يرتّلونه ترتيلا، يحزنون به أنفسهم و يستثيرون به دواء دائهم، فإذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، و تطلعت نفوسهم إليها شوقا، و ظنّوا أنّها نصب أعينهم، و إذا مرّوا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم، و ظنّوا أنّ زفير جهنّم و شهيقها في أصول آذانهم، فهم حانون على أوساطهم مفترشون لجباههم و أكفّهم و ركبهم و أطراف أقدامهم يطلبون إلى اللّه فكاك رقابهم.
كشف الغمة في معرفة الأئمة