و من المعلوم أنّ عليّا (عليه السلام) حاز فيها قصبات السبق، و شأى في إحراز غاياتها جميع الخلق، و هذا حصل له ببركة دعاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حين أنفذه إلى اليمن و قد تقدم ذكر ذلك، فقال: ترسلني و لا علم لي بالقضاء؟
فقال له:
إنّ اللّه سيهدي قلبك و يثبّت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضينّ حتّى تسمع من الآخر كما سمعت من الأوّل، فإنّه أحرى أن تبين لك القضاء، قال: فما زلت قاضيا و ما شككت في قضاء بعد.
____________ شأى القوم: سبقهم.
136 و من ذلك ما نقله البغوي في كتابه شرح السنّة، يرفعه إلى أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: إنّ فيكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول اللّه؟
قال:
لا، قال عمر: أنا هو يا رسول اللّه؟
قال:
لا، و لكن خاصف النعل، و كان علي (عليه السلام) قد أخذ نعل رسول اللّه و هو يخصفها، فقضى (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّ عليّا يقوم بالقتال على تأويل القرآن كما قام هو (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالقتال على تنزيله، و التنزيل مختص برسول اللّه، فإنّ اللّه أنزله عليه لأنواع من الحكم أرادها.
قال اللّه تعالى:
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ و قال عزّ و جلّ: وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ...
وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ* و قال عزّ من قائل: وَ إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ.
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ.
عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذه الحكم التي تنزيله طريق إلى تحصيلها يختص بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لا يمكن حصولها إلّا بتنزيله، فمن أنكر التنزيل فقد كذب به و جحده، و اتّصف بالكفر، كما قال: وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ.
كشف الغمة في معرفة الأئمة