فقالت:
لقد تقدّم إلينا أن لا ننخل له طعاما، قال (عليه السلام): ما قلت لها؟
فأخبرته، فقال: بأبي ____________ الزري- بتشديد الياء-: الحقير الذي لا يعدّ شيئا.
الحازر: اللبن الحامض.
نخل الدقيق: غربله و أزال نخالته.
172 و أمّي من لم ينخل له طعام، و لم يشبع من خبز البرّ ثلاثة أيّام حتّى قبضه اللّه عزّ و جلّ.
انظر هداك اللّه و إيّانا إلى شدّة زهده و قناعته، فإنّ إيراده الحديث و قوله (عليه السلام) من منع نفسه من طعام يشتهيه دليل على رضاه بطعامه و كونه عنده طعاما مشتهى يرغب فيه من يراه.
و ما ذاك لأنّه (عليه السلام) لا يهتدى إلى الأطعمة المتخيرة و الألوان المعجبة، و لكنّه اقتدى برسول اللّه، و وطّن نفسه الشريفة على الصبر على جشوبة المأكل و خشونة الملبس، رجاء ما عند اللّه و تأسّيا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فصار ذلك له ملكة و طبيعة، و من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل.
و منه- و فيه دليل على ما قلته- عن عدي بن ثابت قال: أتي علي بن أبي طالب (عليه السلام) بفالوذج فأبي أن يأكل منه و قال: شيء لم يأكل منه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا أحب أن آكل منه.
و منه عن أبي مطر قال: خرجت من المسجد فإذا رجل ينادي من خلفي، ارفع إزارك فإنّه أتقى لثوبك و أبقى لك، و خذ من رأسك إن كنت مسلما، فمشيت خلفه و هو مؤتزر بإزار و مرتد برداء و معه الدرّة كأنّه أعرابي، فقلت: من هذا؟
فقال لي رجل:
أراك غريبا بهذا البلد؟
قلت:
أجل رجل من أهل البصرة، قال: هذا علي أمير المؤمنين حتّى انتهى إلى دار أبي معيط و هو سوق الإبل، فقال: بيعوا و لا تحلفوا، فإنّ اليمين تنفق السلعة و تمحق البركة ثمّ أتى أصحاب التمر فإذا خادمة تبكي فقال: ما يبكيك؟
كشف الغمة في معرفة الأئمة