قال علي (عليه السلام) يوما و قد أحدق به الناس: احذّركم الدّنيا فإنّها منزل قلعة و ليست بدار نجعة، هانت على ربّها فخلط شرّها بخيرها و حلوها بمرّها، لم يصفها لأوليائه و لم يضنّ بها على أعدائه، و هي دار ممرّ لا دار مستقر، و النّاس فيها رجلان: رجل باع نفسه فأوبقها، و رجل ابتاع نفسه فأعتقها، إن اعذوذب منها جانب فجلا أمرّ منها جانب فأوبى، أوّلها عناء و آخرها فناء، من استغنى فيها فتن، و من افتقر فيها حزن، و من ساعاها فاتته، و من قعد عنها أتته، و من أبصرها بصرته، و من أبصر إليها أعمّته، فالإنسان فيها غرض المنايا مع كلّ جرعة شرق، و مع كلّ أكلة غصص، لا ينال منها نعمة إلّا بفراق أخرى.
____________ الهدنة- بالضم-: السكون و المصالحة، و الدخن- محركة-: الحقد.
و قولهم «هدنة على دخن» أي صلح على فساد و سكون لعلّة لا لصلح.
اللأواء: الشدّة و المحنة.
قال ابن أبي الحديد:
قوله (عليه السلام) «فإنّها منزل قلعة» بضمّ القاف و سكون اللام أي ليست بمستوطنة، و يقال: هذا مجلس قلعة إذا كان صاحبه يحتاج إلى أن يقوم مرّة بعد مرّة، و يقال: هم على قلعة أي على رحلة، و من هذا الباب قولهم فلان قلعة إذا كان ينقلع عن سرجه و لا يثبت في البطش و الصراع.
و القلعة أيضا: المال العارية.
و النجعة: طلب الكلاء في موضعه، و فلان ينتجع الكلا و المنتجع: المنزل في طلب الكلاء، و منه انتجعت فلانا إذا أتيته تطلب معروفه.
كشف الغمة في معرفة الأئمة