فلمّا سمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) باجتماع الأحزاب على قصد المدينة استشار أصحابه فأجمعوا على المقام بالمدينة و حربهم على أنقابها، و أشار سلمان الفارسي بحفر الخندق فحفره و عمل فيه بنفسه، و عمل المسلمون، و أقبلت الأحزاب بجموعهم، فهالت المسلمون و ارتاعوا من كثرتهم، و نزلوا ناحية من الخندق و أقاموا مكانهم بضعا و عشرين ليلة، و لم يكن بينهم حرب إلّا الرمي بالنبل و الحصاة.
فلمّا رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ضعف قلوب أكثر المسلمين من حصارهم و وهنهم في حربهم، بعث إلى عيينة بن حصن و الحارث بن عوف قائدي غطفان يدعوهم إلى ____________ أرداه: أهلكه.
و آب: رجع.
و الشل و الشلل: الطرد.
النقب: الطريق في الجبل.
207 الصلح و الكفّ عنه و الرجوع بقومهما عن حربه، على أن يعطيهما ثلث ثمار المدينة، و استشار سعد بن معاذ و سعد بن عبادة فيما بعث به إليهما، فقالا: إن كان هذا أمر أمر اللّه به و لا بدّ منه فافعل، و إن كنت تفعله من أجلنا كان لنا فيه رأي، فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لم يأتني فيه وحي و لكنّي رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحد و جاءوكم من كلّ جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم.
فقال سعد بن معاذ:
قد كنّا و نحن على الشرك باللّه و عبادة الأوثان لا نعبد اللّه و لا نعرفه، و لم نكن نطعمهم من ثمرنا إلّا قرى أو بيعا، فالآن حين أكرمنا اللّه بالإسلام و أعزّنا بك نعطيهم أموالنا؟!
ما لنا إلى ذلك حاجة، و اللّه لا نعطيهم إلّا السيف حتّى يحكم اللّه بيننا و بينهم، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): قد عرفت ما عندكم فكونوا على ما أنتم عليه، فإنّ اللّه لن يخذل نبيّه و لن يسلّمه حتّى ينجز وعده.
كشف الغمة في معرفة الأئمة