و كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أعطى الراية يوم الفتح سعد بن عبادة، و أمره أن يدخل بها مكة أمامه فأخذها سعد و هو يقول: اليوم يوم الملحمة * * * اليوم تستحل الحرمة فقال بعض القوم للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أ ما تسمع ما يقول سعد؟
و اللّه إنّا نخاف أن تكون له اليوم صولة في قريش، فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أدرك يا علي سعدا فخذ الراية منه و ادخل بها أنت.
قلت:
هكذا ذكره أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري في تاريخه، فاستدرك به (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ما كاد يفوت من صواب التدبير بتهجم سعد و إقدامه على أهل مكة، و علم أنّ الأنصار لا توافق على عزل سيّدها و أخذ الراية منه إلّا بمثل علي (عليه السلام).
و لأنّ حاله في ذلك كما لو أخذها النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في جلالة قدره و رفيع مكانه، و هذا عزل خير من ولاية، ____________ السعفة: جريدة النخل.
221 فإنّ من كان بحيث لا يقوم مقامه و لا يسدّ مسدّه إلّا علي (عليه السلام) فله أن يطاول الأفلاك، و يفاخر الأملاك، و لو كان في الصحابة من يوافق الأنصار على عزل صاحبها به لاختاره لذلك، و ندبه إليه، و لكنّه أبو الحسن القائم مقام نفسه، و المشارك له في نوعه و جنسه صلّى اللّه عليهما و آلهما الطاهرين.
و كان عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أن لا يقاتلوا بمكة إلّا من قاتلهم سوى نفر كانوا يؤذونه، فقتل أمير المؤمنين (عليه السلام) منهم الحويرث بن نفيل بن كعب و كان يؤذي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بمكة و بلغه (عليه السلام) أنّ أخته أم هاني قد آوت ناسا من بني مخزوم فيهم الحرث بن هشام و قيس بن السائب، فقصد (عليه السلام) دارها و هو مقنّع بالحديد، فنادى: أخرجوا من أويتم، فخرجت إليه أم هاني و هي لا تعرفه، فقالت: يا عبد اللّه أنا أم هاني بنت عم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و أخت علي بن أبي طالب انصرف عن داري، فقال: أخرجوهم، فقالت: و اللّه لأشكونّك إلى رسول اللّه، فرفع المغفر عن رأسه، فعرفته فجاءت تشتدّ حتّى التزمته و قالت: فديتك، حلفت لأشكونّك إلى رسول اللّه، فقال: اذهبي فبرّي قسمك فإنّه بأعلى الوادي، قالت: فجئت إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هو في قبّة يغتسل و فاطمة تستره، فلمّا سمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كلامي قال: مرحبا بك يا أم هاني و أهلا، قلت: بأبي أنت و أمّي أشكو إليك ما لقيت من علي اليوم، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): قد أجرت من أجارت، فقالت فاطمة: إنّما جئت يا أم هاني تشكين عليّا فإنّه أخاف أعداء اللّه و أعداء رسوله، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): قد شكّر اللّه سعي عليّ و أجرت من أجارت أم هاني لمكانها من عليّ.
كشف الغمة في معرفة الأئمة