فهذا تلخيص مواقفه (عليه السلام) في منازلة الطوائف المتّبعة تضليل أهوائها، و مقاتلة الناكثين و القاسطين و المارقين في مقاتلها بأعبائها، و ذكر كيفيّة قذفه بحقّه لإزهاق باطلها و كفّ غوائلها، و إرهاق عصيّها صعود بوار قاض عليه بشقائها، و قد تضمّن هذا الفصل من وقائعه المذكورة و مواقفه المأثورة ما فيه غنية كافية و كفاية مغنية، في أنّه قد ملك عصم الشجاعة، و أنّه من أكفاء أكفائها، و من تأمّل إقدامه (عليه السلام) في مأزق وقايعه و مضايق مواقفه، و معارك كره على الأبطال و هجومه على الأقران، و افتراس نفوس ____________ الخدين: الصاحب، الرفيق، الصديق.
المخدج: الناقص الخلقة و هو لقب حرقوص بن زهير و كان ناقص اليد و قد مر أيضا في مواضع شتّى من الكتاب.
قريطق- تصغير قرطق-: قباء ذو طاق واحد.
266 أخصامه ببأسه قاطّا بحسامه رقاب الهمام، مفلقا بشباه مفارق الرءوس، قادا بحدّه أوساط المارقين، و شاهد غلظته على أعداء اللّه تعالى و استيصال شأفتهم، و تفصيل أوصالهم، و تفريق جموعهم، و تمزيقهم كلّ ممزّق غير ثان عنان عزمه، و أعمال بطشه عن الإقدام على الصفوف المرصوصة و الكتائب المرصوفة و الكراديس المرصوفة، مبدّدا شمل اجتماعها، مشمرا عن ساق شجاعته لها، موغلا في غمرات القتال، مولعا صارمه في دماء الطلى و الأحشاء، تحقّق و استيقن أنّ هجيراه (عليه السلام) مكابدة الحروب و إدارة رحاها، و أنّ إليه في جميع الأحوال مردّها و منتهاها، و أنّه منها قدوة شيخها و كهلها و فتاها، و علم علما لا يعترضه شك أنّ اللّه عزّ و علا قد أتاه (عليه السلام) خصائص تكاد توصف بالتضادد، و حلاه بلطائف تجمع أشتات التعاند، إذ أين هذه الشدّة و البطش و الغلظة و البأس، و القد و القط و شقّ الهام و خفّة الإقدام، و تجديل الحجاج و إذلال الكماة، و إلصاق معاطسها الأبيّة بالرغام من خشوعه و خضوعه، راغبا راهبا، و تدرّعه من الزهادة و العبادة بسربال سابغ، و رداء سابل، و اتّصافه (عليه السلام) برقّة قلب، و هموع طرف، و انسكاب دمع، و تأوّه حزين، و إخبات منيب، و شعف عيشة، و جشب غذاء، و تقلّل قوت، و خشونة لباس، و تطليق الدنيا و زهرتها، و مواصلة الأوراد، و استغراق الأوقات بها، و الإشفاق على الضعيف، و الرحمة للمسكين، و التحلّي بخلال خير لا يتأنّى إلّا لمنقطع في كنّ جبل لا يصحب انسا و لا يسمع من البشر حسّا، مع المبالغة في معاتبة نفسه على التقصير في الطاعة، و هو مطيل في العبادة، هذا إلى فصاحة ألفاظه و بلاغة معانيه، و كلامه المتين في الزهد، و الحثّ على الإعراض عن الدنيا، و مبالغته في مواعظه الزاجرة، و زواجره الواعظة، و تذكيره القلوب الغافلة، و إيقاظه الهمم الراقدة، مطلقا في إيراد أنواع ذلك لسانا لا يفل عضبه، و لا يكل حدّه، و لا يسأم سامعه جنا حكمه، و لا ألفاظ بدائعه، و لا يمل عند إطالته لاستحلائه و استعذابه، بل يفتح السمع إليه مقفل أبوابه، و يرفع له مسبل حجابه.
كشف الغمة في معرفة الأئمة