و من كلامه الدال على عبادته و نزاهته، الشاهد بقوّة تمكّنه و علوّ مكانته، قوله في بعض مواعظه: يا بن آدم عف عن محارم اللّه تكن عابدا، و ارض بما قسّم اللّه سبحانه تكن غنيّا، و أحسن جوار من جاورك تكن مسلما، و صاحب الناس بمثل ما تحب أن يصاحبوك بمثله تكن عدلا، إنّه كان بين أيديكم أقوام يجمعون كثيرا و يبنون مشيّدا، و يأملون بعيدا، أصبح جمعهم بورا و عملهم غرورا، و مساكنهم قبورا يا بن آدم إنّك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمّك، فخذ ممّا في يديك لما بين يديك، فإنّ المؤمن يتزوّد، و الكافر يتمتّع.
و كان يتلو بعد هذه الموعظة: وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى.
فتدبّر معاني هذا الكلام بفكرك، و أعطه نصيبا وافرا من فهمك تجد مشرع (العبادة و) الفصاحة نميرا و يتحقّق قوله تعالى: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ إن وجدت قلبا عقولا و طرفا بصيرا.
و روى الكليني رحمه اللّه تعالى مرفوعا عن أبي أسامة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: خرج الحسن بن علي (عليه السلام) إلى مكة سنة ماشيا فورّمت قدماه، فقال له بعض مواليه: لو ركبت ليسكن عنك هذا الورم؟
فقال:
كلّا إذا أتينا هذا المنزل فإنّه يستقبلك أسود و معه دهن فاشتر منه و لا تماكسه، فقال له مولاه: بأبي أنت و أمّي ما قدّمنا منزلا فيه أحد يبيع هذا الدواء، قال: بلى إنّه أمامك دون المنزل، فساروا أميالا فإذا هم بالاسود، فقال الحسن بن علي (عليهما السلام) لمولاه: دونك الرجل فخذ منه الدهن و أعطه الثمن، فقال له الأسود: يا غلام لمن أردت هذا الدهن؟
فقال:
للحسن بن علي (عليهما السلام)، فقال: انطلق بي
كشف الغمة في معرفة الأئمة