و قد حلّ الحسين (عليه السلام) من هذا البيت الشريف في أوجه و يفاعه، و علا محلّه فيه علوّا تطامنت النجوم عن ارتفاعه، و اطّلع بصفاء سرّه على غوامض المعارف ____________ الشقاشق جمع الشقيقة: طائر.
و هدر الحمام: صوت.
اليفاع: ما ارتفع من الأرض.
561 فكشفت له الحقائق عند اطّلاعه، و سار صيته بالفواضل و الفضائل فاستوى الصديق و العدوّ في استماعه، فلمّا اقتسمت غنائم المجد حصل على صفاياه و مرباعه، فقد اجتمع فيه و في أخيه (عليهما السلام) من خلال الفضل ما لا خلاف في اجتماعه، و كيف لا يكونا كذلك و هما ابنا علي و فاطمة (عليهما السلام) بلا فصل، و سبطا النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فأكرم بالفرع و الأصل، و السيّدان الإمامان قاما أو قعدا، فقد استوليا على الأمل و حازا الخصل، و الحسين (عليه السلام) هو الذي أرضى غرب السنان و حدّ النصل، و غادر جثث الأعداء فرائس الكواسب بالهبر و الفصل.
و أمّا شجاعته (عليه السلام) فقد قال كمال الدين رحمه اللّه: اعلم وفّقك اللّه على حقائق المعاني، و وفّقك لإدراكها أنّ الشجاعة من المعاني القائمة بالنفوس، و الصفات المضافة إليها، فهي تدرك بالبصيرة لا بالبصر، و لا تمكن معرفتها بالحس مشاهدة لذّاتها، إذ ليست أجساما كثيفة، بل طريق معرفتها و العلم بها مشاهدة آثارها، فمن أراد أن يعلم أنّ زيدا موصوف بالشجاعة فطريقه أن ينظر إلى ما يصدر منه، فإذا أحدقت الرجال و حدقت الآجال و حقّت الأوجال و تضايق المجال و حاق القتال، فإن كان مجزاعا مهلاعا مرواعا مفزاعا، فتراه يستركب الهزيمة و يستبقها، و يستصوب الدنيّة و يتطوّقها، و يستعذب المفرّة و يستفوقها، و يستصحب الذلّة و يتعلّقها، مبادرا إلى تدرّع عار الفرار من شبا الشفار، مشيحا عن الفخار باقتحام الأخطار، في مقرّ القراع بكلّ خطار، فذلك مهبول الأم مخبول الفهم مفلول الجمع، معزول عن السمع، مضروب بينه و بين الشجاعة بحجاب، مكتوب بينه و بين الشهامة بإبراء في كتاب، و لا تعرف نفسه شرفا، و لا تجد عن الخساسة و الدناءة منصرفا.
كشف الغمة في معرفة الأئمة