و نحن ولاة الحوض نسقي محبّنا * * * بكأس رسول اللّه ما ليس ينكر و شيعتنا في الناس أكرم شيعة * * * و مبغضنا يوم القيامة يخسر ثمّ دعا الناس إلى البراز، فلم يزل يقاتل و يقتل من برز إليه منهم من عيون الرجال حتّى قتل منهم مقتلة كثيرة، فتقدم إليه شمر بن ذي الجوشن في جمعه، و سيأتي تفصيل ما جرى بعد ذلك في فصل مصرعه (عليه السلام) إن شاء اللّه.
هذا و هو كالليث المغضب، لا يحمل على أحد منهم إلّا نفحه بسيفه فألحقه بالحضيض، فيكفي ذلك في تحقيق شجاعته و شرف نفسه شاهدا صادقا، فلا حاجة معه إلى ازدياد في الاستشهاد (آخر كلام كمال الدين رحمه اللّه).
قلت:
شجاعة الحسين (عليه السلام) يضرب بها المثل، و صبره في ماقط الحرب أعجز الأواخر و الأوّل، و ثباته إذا دعيت نزال ثبات الجبل، و إقدامه إذا ضاق المجال إقدام الأجل، و مقامه في مقابلة هؤلاء الفجرة عادل مقام جدّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ببدر فاعتدل، و صبره ____________ شام السيف شيما: أغمده، استلّه (ضد).
الجاش: رواع القلب إذا اضطرب عند الفزع.
و الطيش: الخفة.
استحصد الأمر: استحكم.
و في بعض النسخ «و نحن ولاة الأرض نسقي ولاتنا».
نفحه بسيفه: تناوله به من بعيد أو ضربه بطائفة منه.
الماقط: المكان الضيق في الحرب على ما قيل.
565 على كثرة أعدائه و قلّة أنصاره صبر أبيه (عليه السلام) في صفّين و الجمل، و مشرب العداوة واحد، فيفعل الأوّل فعل الآخر ما فعل، فكم من فارس مدلّ ببأسه جدّله (عليه السلام) فانجدل، و كم من بطل طلّ دمه فبطل، و كم حكم سيفه فحكم في الهوادي و القلل، فما لاقى شجاعا إلّا و كان لأمّه الهبل، و حشرهم اللّه و جازى كلّا بما قدّم من العمل، و إذا علمت أنّ شعار الحسين (عليه السلام) و أصحابه أعل يا حق، و شعار أعدائه: أعل هبل، علمت أنّ هؤلاء في نعيم لا يزول و أولئك في شقاء لم يزل، و كما قتل أبوه و انتقل إلى جوار ربّه قتل هو و انتقل، و كان له عند اللّه مرتبة لا تنال إلّا بالشهادة فتمّ له ما أراد و كمل، و باء قاتلوه بنار اللّه المؤصدة في الآخرة و لا يهدي اللّه من أضل، و ما سلموا من آفات الدنيا بل عجّلت لهم العقوبة فعمّت من رضي و من خذل و من قتل، فتبّا لآرائهم الغائلة و عقولهم الذاهلة فلقد أعماهم القضاء إذ نزل، و ختم اللّه على قلوبهم و سمعهم و أبصارهم فما لهم فيه قول و لا عمل، و قبحا و شقحا لتلك القلوب التي غطاها الرين فلم تفرق بين ما علا و استفل، و سوأة لتلك الوجوه التي شوّهها الكفر و الفسوق و العصيان و سوّدها الخطأ و الخطل، و سبة لتلك الأحلام الطائشة التي عذلت لإنكارها الحق بعد معرفة فسبق السيف العذل، و غطّى على بصائرها حب الدنيا الدنيّة فمالت إلى العاجل ففاتها الآجل و العاجل ما حصل، و كيف لا تصدر عنهم هذه الأفعال و كبيرهم المدعوّ بأمير مؤمنيهم استشهد بشعر ابن الزبعري فكأنّما بده به و ارتجل:
كشف الغمة في معرفة الأئمة