فلمّا دخل قصر الإمارة و أصبح، جمع الناس و قال و أرعد و أبرق و قتل و فتك و سفك و انتهك، و عمله و ما اعتمده مشهور في تحيله حتّى ظفر بمسلم بن عقيل و قتله.
و بلغ الحسين (عليه السلام) قتل مسلم و ما اعتمده عبيد اللّه بن زياد و هو متجهّز للخروج 586 إلى الكوفة، فاجتمع به ذووا النصح له و التجربة للأمور و أهل الديانة و المعرفة كعبد اللّه ابن عباس و عمر بن عبد الرحمن بن الحرث المخزومي و غيرهما، و وردت عليه كتب أهل المدينة من عبد اللّه بن جعفر و سعيد بن العاص و جماعة كثيرين كلّهم يشيرون عليه أن لا يتوجّه إلى العراق، و أن يقيم بمكّة، هذا كلّة و القضاء غالب على أمره، و القدر آخذ بزمامه، فلم يكترث بما قيل له و لا بما كتب إليه، و تجهّز و خرج من مكة يوم الثلاثاء و هو يوم التروية الثامن من ذي الحجة، و معه اثنان و ثمانون رجلا من أهله و شيعته و مواليه، فسار فلمّا وصل إلى الشقوق و إذا هو بالفرزدق الشاعر و قد وافاه هنالك، فسلّم عليه ثمّ دنا منه و قبّل يده، فقال له الحسين (عليه السلام): من أين أقبلت يا أبا فراس؟
فقال:
من الكوفة، فقال له: كيف تركت أهل الكوفة؟
فقال:
خلّفت قلوب الناس معك و سيوفهم مع بني أميّة عليك، و قد قلّ الديّانون، و القضاء ينزل من السماء، و اللّه يفعل ما يشاء، و جرى بينهما كلام قد تقدم ذكره في آخر الفصل الثامن.
ثمّ ودّعه الفرزدق في نفر من أصحابه و مضى يريد مكّة، فقال له ابن عمّ له من بني مجاشع: يا أبا فراس هذا الحسين بن علي؟
قال له الفرزدق:
نعم هذا الحسين بن علي و ابن فاطمة الزهراء بنت محمّد المصطفى صلّى اللّه عليه و عليهم، هذا و اللّه ابن خيرة اللّه و أفضل من مشى على وجه الأرض الآن، و قد كنت قلت فيه قبل اليوم أبياتا غير متعرّض لمعروفه، بل أردت بذلك وجه اللّه و الدار الآخرة، فلا عليك أن تسمعها؟
كشف الغمة في معرفة الأئمة