ابن سعد فدخل عليه فلم يسلّم عليه، قال: يا أخا همدان ما منعك من السلام على أ لست مسلما أعرف اللّه و رسوله؟
فقال له الهمداني:
لو كنت مسلما كما تقول لما خرجت إلى عترة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) تريد قتلهم، و بعد هذا ماء الفرات تشرب منه كلاب السواد و خنازيرها و هذا الحسين بن علي و إخوته و نساؤه و أهل بيته يموتون عطشا، قد حلت بينهم و بين ماء الفرات أن يشربوه، و أنت تزعم أنّك تعرف اللّه و رسوله، فأطرق عمر بن سعد ثمّ قال: و اللّه يا أخا همدان إنّي لأعلم حرمة أذاهم و لكن: دعاني عبيد اللّه من دون قومه * * * إلى خطة فيها خرجت لحيني فو اللّه لا أدري و إنّي لواقف * * * على خطر لا أرتضيه و مين أ أترك ملك الري و الري رغبة * * * أم أرجع مأثوما بقتل حسين و في قتله النار التي ليس دونها * * * حجاب و ملك الري قرّة عين يا أخا همدان ما أجد نفسي تجيبني إلى ترك الري لغيري، فرجع يزيد بن حصين فقال للحسين (عليه السلام): يا بن رسول اللّه قد رضى أن يقتلك بولاية الري.
قلت:
التوفيق عزيز المنال، و من حقّت عليه كلمة العذاب لم ينجع فيه لوم اللوام و عذل العذال، و من غلبته نفسه تورّط من شهواتها في أعظم من القيود و الأغلال، و كما أنّ الجنّة لها رجال فالنّار لها رجال، و كما أعدّ اللّه لقوم الفوز و الرضوان أعدّ للآخرين العقاب و النكال، و هذا النحس ابن سعد أبعده اللّه عرف سوء فعله فأضلّه اللّه على علم و هو أقبح أنواع الضلال، و طبع اللّه على قلبه و ختم على لبّه و جعل على بصره غشاوة فبئست الأحوال، و زهد في الآجلة و هي إلى بقاء، و رغب في العاجلة و هي إلى زوال، و طمع في المال فخر في المآل، فأصلى نارا و قودها الناس و الحجارة، و لم يغن عنه رأيه في الري و لا نفعته الإمارة، فخرج في طالع نحس و باع آخرته بثمن بخس و أصبح من سوء اختياره في أضيق من حبس، فإنّه عصى اللّه سبحانه طاعة للفجّار، و اتّخذ ابن زياد ربّا فأورده النّار و بئس القرار، و باء في الدنيا بالعار و حشر في الآخرة مع مردة الكفّار.
كشف الغمة في معرفة الأئمة