و لمّا حجّ هشام بن عبد الملك قبل أن يلي الخلافة اجتهد أن يستلم الحجر الأسود فلم يمكنه، و جاء علي بن الحسين (عليهما السلام) فتوقّف له الناس و تنحّوا حتّى استلم فقال جماعة هشام لهشام: من هذا؟
فقال:
لا أعرفه فسمعه الفرزدق، فقال: لكنّي أعرفه، هذا علي بن الحسين زين العابدين، و أنشد هشاما من الأبيات التي قالها في أبيه الحسين (عليه السلام) و قد تقدّم ذكرها: هذا ابن خير عباد اللّه كلّهم * * * هذا التقي النقي الطاهر العلم هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * * * و البيت يعرفه و الحلّ و الحرم يكاد يمسكه عرفان راحته * * * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم إذا رأته قريش قال قائلها * * * إلى مكارم هذا ينتهي الكرم إن عدّ أهل التقى كانوا أئمّتهم * * * أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله * * * بجدّه أنبياء اللّه قد ختموا و ليس قولك من هذا بضائره * * * العرب تعرف من أنكرت و العجم أيّ الخلائق ليست في رقابهم * * * لأولية هذا أو له نعم من يعرف اللّه يعرف أولية ذا * * * الدين من بيت هذا قاله الامم فزاد فيها هذه الأبيات لمخاطبته هشاما بذلك فحبسه هشام فقال- و قد أدخل الحبس-: أ يحبسني بين المدينة و التي * * * إليها قلوب الناس يهوى منيبها يقلّب رأسا لم يكن رأس سيّد * * * و عينا له حولاء باد عيوبها ____________ أقول: و هذه قصيدة طويلة ذكرها أهل السير و التواريخ في كتبهم و دوّنها الأدباء في دواوينهم و روى الشيخ الجليل محمّد بن علي بن شهرآشوب في كتاب المناقب عن الحلية و الأغاني و غيرهما قال: حجّ هشام بن عبد الملك فلم يقدر على الاستلاح من الزحام فنصب له منبر و جلس عليه و أطاف به أهل الشام، فبينما هو كذلك إذا أقبل علي بن الحسين (عليه السلام) و عليه إزار و رداء من أحسن الناس وجها و أطيبهم رائحة بين عينيه سجّادة كأنّها ركبة عنز، فجعل يطوف فإذا بلغ إلى موضع الحجر تنحّى الناس حتّى يستلمه هيبة له، فقال شامي: من هذا يا أمير المؤمنين؟
فقال:
لا أعرفه!
لئلّا يرغب فيه أهل الشام، فقال الفرزدق- و كان حاضرا-: لكنّي أنا أعرفه، فقال الشامي: من هو يا أبا فراس؟
فأنشأ قصيدة ذكر بعضها في الأغاني و الحلية و الحماسة و القصيدة بتمامها هذه:- ثمّ ذكرها بتمامها و قد ذيّلناها هناك بما يفسر معضلاتها و يكشف عمّا ستر محيّاها، فراجع ج 4 ص 172 ط قم، و سيأتي أيضا إنشاء اللّه تعالى.
كشف الغمة في معرفة الأئمة