و هذا الخبر مع ما فيه من إثبات حجّة النظر و دلالة الإمامة يتضمّن من المعجز لأبي عبد اللّه (عليه السلام) بالخبر عن الغائب، مثل الذي يتضمّنه الخبران المتقدّمان، و يوافقهما في معنى البرهان.
و روي أنّه اجتمع نفر من الزنادقة فيهم ابن أبي العوجاء و ابن طالوت و ابن الأعمى و ابن المقفّع و أصحابهم كانوا مجتمعين في الموسم بالمسجد الحرام، و أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام) إذ ذاك يفتي الناس و يفسّر لهم القرآن و يجيب عن المسائل بالحجج و البيّنات، فقال القوم لابن أبي العوجاء: هل لك في تغليط هذا الجالس و سؤاله عمّا يفضحه عند هؤلاء المحيطين به؟
فقد ترى فتنة الناس به و هو علامة زمانه، فقال لهم ابن أبي العوجاء: نعم، ثمّ تقدّم ففرّق الناس و قال: يا أبا عبد اللّه إنّ المجالس أمانات، و لا بدّ لكلّ من كان به سعال أن يسعل، أ فتأذن في السؤال؟
فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام):
سل إن شئت، فقال له ابن أبي العوجاء: إلى كم تدوسون هذا البيدر، و تلوذون بهذا الحجر، و تعبدون هذا البيت المرفوع بالطين و المدر، و تهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر؟
من فكّر في هذا و قدر علم أنّه فعل غير حكيم و لا ذي نظر، فقال: إنّك رأس هذا الأمر و سنامه، و أبوك أسّه و نظامه.
فقال له الصادق (عليه السلام):
إنّ من أضلّه اللّه و أعمى قلبه استوخم الحق فلم يستعذ به، و صار الشيطان وليّه و ربّه يورده مناهل الهلكة، و هذا بيت استعبد اللّه به خلقه ليختبر طاعتهم في إتيانه، فحثّهم على تعظيمه و زيارته، و جعله قبلة للمصلّين له فهو شعبة من رضوانه، و طريق يؤدّي إلى غفرانه، منصوب على استواء الكمال و مجمع العظمة و الجلال، خلقه اللّه قبل دحو الأرض بألفي عام، فأحق من أطيع كما أمر، و انتهى عمّا زجر اللّه المنشئ للأرواح و الصور، فقال ابن أبي العوجاء: ذكرت أبا عبد اللّه فأحلت على غائب.
كشف الغمة في معرفة الأئمة