و حال المأمون مع الرضا (عليه السلام) مشهورة فيما كان يعامله به من الإعزاز التام به و الإكرام البالغ حتّى زوّجه بابنته و أوصى له بولاية عهده، و أسخط لأجله أهل بيته و أولاده، و بني أبيه و بني عمّه، و بذلك عامل ابنه أبا جعفر (عليه السلام) مع صغر سنّه، حتّى زوّجه بابنته أم الفضل و عرف محلّه و كان يشيد بذكر أبيه و ذكره و يعلى ما أعلى اللّه من قدر ابيه و قدره، و يرفعه في مجلسه على أهله و بني عمّه و أولاده و قضاته.
و كان المتوكّل يعظم علي بن محمّد (عليه السلام) مع عداوته لعلي أمير المؤمنين و مقته له، و طعنه على آل أبي طالب.
و كذلك كان المعتمد مع أبي محمّد (عليه السلام) في إكرامه و المبالغة فيه، هذا و الأئمّة الذين عددناهم في قبضة من عددنا من الملوك على الظاهر، و تحت طاعتهم و قد اجتهدوا كلّ الاجتهاد في أن يعثروا لهم على عيب يتعلّقون به في الحط من منازلهم، و أمعنوا في البحث عن أسرارهم و أحوالهم في خلواتهم فعجزوا و لم يظفروا بشيء أصلا.
1013 فعلمنا أنّ تعظيمهم إيّاهم مع ظاهر عداوتهم لهم و شدّة محبّتهم للغض منهم و إجماعهم على ضدّ مرادهم من إكرامهم و تبجيلهم منحة من اللّه سبحانه لهم ليدلّ بذلك على اختصاصهم منه جلّت قدرته بالمعنى الذي يوجب طاعتهم على جميع الأنام و ما هذا إلّا كالامور الغير المألوفة و الأشياء الخارقة للعادة.
و يؤيّد ما ذكرناه تسخير اللّه سبحانه الخلق لتعظيم من ذكرناه من الطوائف المختلفة و الفرق المتباينة في المذاهب و الآراء، و أجمعوا على تعظيم قبورهم و قصد مشاهدهم حتّى أنّهم يقصدونها من البلاد الشاسعة و يلمّون بها و يتقرّبون إلى اللّه بزيارتها و يستنزلون عندها من اللّه الأرزاق، و يستفتحون الأغلاق، و يطلبون ببركتها الحاجات و يستدفعون الملمّات، و هذا هو المعجز الخارق للعادة و إلّا فما الحامل للفرقة المنحازة عن هذه الجبهة المخالفة لها على ذلك و لم يفعلوا بعض ذلك بمن ذكرناه ممّن يعتقدون إمامته و فرض طاعته و هو موافق لهم مساعد غير مخالف.
كشف الغمة في معرفة الأئمة