مسألة خامسة: قالوا: إذا كانت العلّة في غيبته خوفه من الظالمين و اتّقاؤه من المخالفين، فهذه العلّة منفية عن أوليائه، فيجب أن يكون ظاهرا لهم، أو يجب أن يسقط عنهم التكليف الذي إمامته لطف فيه.
الجواب: إنّه قد أجاب أصحابنا عن هذا السؤال بأجوبة: أحدها: إنّ الإمام ليس في تقيّة عن أوليائه و غاب عنهم كغيبة عن أعدائه لخوفه من إيقاعهم الضرر به، و علمه أنّه لو ظهر لهم لسفكوا دمه و غيبته عن أوليائه لغير هذه العلّة، و الاحتجاج بوجوده فيؤدّي ذلك إلى علم أعدائه بمكانه فيعقّب علمهم بذلك ما ذكرناه من وقوع الضرر به.
و ثانيها: أنّ غيبته عن أعدائه للتقيّة منهم و غيبته عن أوليائه للتقيّة عليهم و الإشفاق من إيقاع الضرر بهم، إذا لو ظهر للقائلين بإمامته و شاهده بعض أعدائه و أذاع خبره، و طولب أولياؤه به، فإذا فات الطالب بالاستتار أعقب ذلك عظيم الضرر بأوليائه و هذا معروف في العادات.
و ثالثها: أنّه لا بدّ أن يكون في المعلوم أنّ في القائلين بإمامته من لا يرجع عن 1034 الحق من اعتقاد إمامته و القول بصحّتها على حال من الأحوال فأمره اللّه تعالى بالاستتار ليكون المقام على الإقرار بإمامته مع الشبهة في ذلك و شدّة المشقّة أعظم ثوابا من المقام على الإقرار بإمامته، و المشاهدة له فكانت غيبته عن أوليائه لهذا الوجه و لم تكن للتقيّة منهم.
و رابعها: و هو الذي عوّل عليه المرتضى قدّس اللّه روحه قال: نحن أوّلا لا نقطع على أنّه لا يظهر لجميع أوليائه، فإنّ هذا أمر مغيّب عنّا و لا يعرف كلّ منّا إلّا حال نفسه، فإذا جوّزنا ظهوره لهم كما جوّزنا غيبته عنهم فنقول: العلّة في غيبته عنهم أنّ الإمام عند ظهوره من الغيبة إنّما يميز شخصه و تعرف عينه بالمعجز الذي يظهر على يديه، لأنّ النصوص الدالة على إمامته لا تميز شخصه من غيره، كما ميّزت أشخاص آبائه، و المعجز إنّما يعلم دلالته بضرب من الاستدلال، و الشبه تدخل في ذلك فلا يمتنع أن يكون كلّ من لم يظهر له من أوليائه، فإنّ المعلوم من حاله أنّه متى ظهر له قصر.
كشف الغمة في معرفة الأئمة