⟨و روى الجنابذي مرفوعا إلى يحيى بن أبي بكر عن بعض مشيخته⟩
قال: قال الحسين بن علي (عليهما السلام) حين أتاه الناس، فقام فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال: أمّا بعد؛ أيّها الناس أنسبوني و انظروني من أنا، ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم و عاتبوها، فانظروا هل يحلّ لكم سفك دمي و انتهاك حرمتي؟ أ لست ابن بنت نبيّكم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و ابن ابن عمّه و ابن من أولى المؤمنين باللّه؟ أو ليس حمزة سيّد الشهداء عمّي؟ أو لم يبلغكم قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مستفيضا فيكم لي و لأخي: إنّا سيّدا شباب أهل الجنّة؟ أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي و انتهاك حرمتي؟قالوا: ما نعرف شيئا ممّا تقول.فقال: إنّ فيكم من سألتموه لأخبركم أنّه سمع ذلك من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيّ و في أخي الحسن، سلوا زيد بن ثابت و البراء بن عازب و أنس بن مالك يحدّثكم أنّه سمع الكآبة: الحزن و الغم. ذلك من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيّ و في أخي، فإن كنتم تشكّون في هذا فتشكّون (فيّ) أنّي ابنة بنت نبيّكم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ؟ فو اللّه ما تعمّدت كذبا منذ عرفت إنّ اللّه تعالى يمقت على الكذب و أهله، و يضربه من اختلقه، فو اللّه ما بين المشرق و المغرب ابن بنت نبي غيري منكم و لا من غيركم، ثمّ أنا ابن بنت نبيّكم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) خاصة دون غيره، خبّروني هل تطلبوني بقتيل منكم قتلته، أو بمال استهلكته، أو بقصاص من جراحة؟ فسكتوا.قال أفقر عباد اللّه إلى رحمته و شفاعة نبيّه و أئمّته (عليهم السلام) علي بن عيسى أغاثه اللّه تعالى يوم الفزع الأكبر: كأنّ الحسين (عليه السلام) فارس الحرب الذي لا يصطلي بناره، و لا تقدم غلب الأسود على شقّ غباره، و لم يقل هذا القول ضراعة و لا خوارا، فإنّه كان عالما بما يئول أمره إليه، عارفا بما هو قادم عليه عرف ذلك من أبيه و جدّه عليهم الصلاة و السلام، و اطلع على حقيقته بما خصّه اللّه به من بين الأنام، فله الكشف و النظر، و هو و أخوه قبله و بنوه من بعده خيرة اللّه من البشر، ينظرون إلى الغيب من وراء ستر رقيق، و يشاهدون بمرايا خواطرهم الصقيلة و يشهدون بعداوة العدو و صداقة الصديق، و إنّما كان ذلك القول منه و تكراره إقامة للحجة عليهم، و دفعا في صدر من ربّما قال لم أعلم أو كنت مشدوها أو اشتبه عليّ الأمر فلم أهتد لوجه الصواب، فنفي هذه الاحتمالات بإنذاره و إعذاره، و تركهم و لا حاجز بينهم و بين عذاب اللّه و ناره، و ما ﴿كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولا﴾.السادس: في علمه و شجاعته و شرف نفسهأقول و اللّه الموفق للصواب: إنّ علوم أهل بيت (عليهم السلام) لا تتوقّف على التكرار و الدرس، و لا يزيد يومهم فيها على ما كان في الأمس، و لا يعلمونها بالقياس و الفكر و الحدس، لأنّهم المخاطبون في أسرارهم المكلّمون بما يسألونه قبل ارتداد النفس، فسماء معارفهم و علومهم بعيدة عن الإدراك و اللمس، فمن أراد ستر فضائلهم كان كمن أراد ستر وجه الشمس، و هذا ممّا يجب أن يكون ثابتا مقرّرا في النفس، فهم يرون عالم الغيب في عالم الشهادة، و يقفون على حقائق المعارف في خلوات العبادة، الخوار: الضعف و الفتور. المشدوه: المتحيّر المدهوش. و تناجيهم أفكارهم في أوقات أذكارهم بما تسنّموا به غارب الشرف و السيادة، و يحصلون بصدق توجّههم إلى جناب القدس ما بلغوا به منتهى السؤال و الإرادة، فهم كما في نفوس أوليائهم و محبّيهم و زيادة، فما تزيد معارفهم في زمان الشيخوخة على معارفهم في زمان الولادة، فهم خيرة الخير و زبدة الحقب و واسطة القلادة، و هذه أمور تثبت لهم بالقياس و النظر، و مناقب واضحة الحجول بادية الغرور، و مزايا تشرق إشراق الشمس و القمر، و سجايا تزيّن عنوان التواريخ و عيون السير، فما سألهم مستفيد أو ممتحن فوقفوا، و لا أنكر منكر أمرا من أمور الدين إلّا علموا و عرفوا، و لا جروا مع غيرهم في مضمار شرف إلّا سبقوا، و قصّر مجاروهم و تخلّفوا سنة جرى عليها الذين تقدّموا، و أحسن اتّباعهم الذين خلّفوا، و كم عانوا في الجلاد و الجدال أمورا فتلقّوها بالرأي الأصيل، و الصبر الجميل، و ما استكانوا و لا ضعفوا فلهذا و أمثاله سموا على الأمثال و شرفوا.فأيّهم اعتبرت أحواله، و تدبّرت أقواله، و شاهدت جلاده و جداله، و جدّته فريدا في مآثره، وحيدا في مزاياه و مفاخره، مصدّقا قديم أوّله بحديث آخره، فقد أفرغوا في قالب الكمال، و تفرّدوا بجميل الخلال، و ارتدّوا مطارف المجد و الجلال، و قالوا فأبانوا و بيّنوا تقصير كلّ من قال، و أتوا بالإعجاز الباهر في الجواب و السؤال، تقرّ الشقاشق إذا هدرت شقاشقهم، و تصغي الأسماع إذا قال قائلهم أو نطق ناطقهم، و يكشف الهواء إذا قيست خلائقهم، و يقف كلّ ساع عن شأوهم فلا تدرك غايتهم، و لا تنال طرائقهم سجايا منحهم بها خالقهم، و أخبر بها صادقهم، فسرّ بها أولياؤهم و أصادقهم، و حزن لها مباينهم و مفارقهم، فإنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أزال الشبهة و الالتباس، و صرّح بفضلهم لئلّا يفتقر في إيضاحه إلى الدليل و القياس، و نطق معلنا بشرفهم الداني الثمار الزاكي الغراس، فقال لو سمع مقاله: إنّا بني عبد المطّلب سادات الناس، صلّى اللّه عليه و عليهم أجمعين صلاة دائمة باقية إلى يوم الدين.و قد حلّ الحسين (عليه السلام) من هذا البيت الشريف في أوجه و يفاعه، و علا محلّه فيه علوّا تطامنت النجوم عن ارتفاعه، و اطّلع بصفاء سرّه على غوامض المعارف الشقاشق جمع الشقيقة: طائر. و هدر الحمام: صوت. اليفاع: ما ارتفع من الأرض. فكشفت له الحقائق عند اطّلاعه، و سار صيته بالفواضل و الفضائل فاستوى الصديق و العدوّ في استماعه، فلمّا اقتسمت غنائم المجد حصل على صفاياه و مرباعه، فقد اجتمع فيه و في أخيه (عليهما السلام) من خلال الفضل ما لا خلاف في اجتماعه، و كيف لا يكونا كذلك و هما ابنا علي و فاطمة (عليهما السلام) بلا فصل، و سبطا النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فأكرم بالفرع و الأصل، و السيّدان الإمامان قاما أو قعدا، فقد استوليا على الأمل و حازا الخصل، و الحسين (عليه السلام) هو الذي أرضى غرب السنان و حدّ النصل، و غادر جثث الأعداء فرائس الكواسب بالهبر و الفصل.و أمّا شجاعته (عليه السلام) فقد قال كمال الدين رحمه اللّه: اعلم وفّقك اللّه على حقائق المعاني، و وفّقك لإدراكها أنّ الشجاعة من المعاني القائمة بالنفوس، و الصفات المضافة إليها، فهي تدرك بالبصيرة لا بالبصر، و لا تمكن معرفتها بالحس مشاهدة لذّاتها، إذ ليست أجساما كثيفة، بل طريق معرفتها و العلم بها مشاهدة آثارها، فمن أراد أن يعلم أنّ زيدا موصوف بالشجاعة فطريقه أن ينظر إلى ما يصدر منه، فإذا أحدقت الرجال و حدقت الآجال و حقّت الأوجال و تضايق المجال و حاق القتال، فإن كان مجزاعا مهلاعا مرواعا مفزاعا، فتراه يستركب الهزيمة و يستبقها، و يستصوب الدنيّة و يتطوّقها، و يستعذب المفرّة و يستفوقها، و يستصحب الذلّة و يتعلّقها، مبادرا إلى تدرّع عار الفرار من شبا الشفار، مشيحا عن الفخار باقتحام الأخطار، في مقرّ القراع بكلّ خطار، فذلك مهبول الأم مخبول الفهم مفلول الجمع، معزول عن السمع، مضروب بينه و بين الشجاعة بحجاب، مكتوب بينه و بين الشهامة بإبراء في كتاب، و لا تعرف نفسه شرفا، و لا تجد عن الخساسة و الدناءة منصرفا.و إن كان مجسارا مجزارا كرّارا صبّارا، يسمع من أصوات وقع الصوارم نغم المزاهر المطربة، و يسرع إلى مصاف التصادم مسارعته إلى مواصلة النواظر المعجبة، غادره: تركه و أبقاه. و البهر: ما اطمئنّ من الأرض و الرمل. حاق حيقا و حوقا به: أحاط. شبا جمع الشباة و هو من السيف حدّه. و الشفار جمع الشفرة: السكّين العظيمة العريضة. أشاح عن الشيء: أعرض. قارع الأبطال قراعا: ضارب بعضهم بعضا. هبلته أمّه: ثكلته. خائضا غمرات الأهوال بنفس مطمئنّة و عزيمة مطنبة، يعدّ مصافحة الصفاح غنيمة باردة، و مرامحة الرماح فائدة عائدة، و مكافحة الكتائب مكرمة زائدة، و مناوحة المقانب منقبة شاهدة، يعتقد أنّ القتل يلحقه ظلل الحياة الأبديّة، و يسعفه حلل المحامد السرمديّة، و يزلفه في منازل الفخار العليّة المعدّة للشهداء الأحديّة، جانحا إلى ابتياع العزّ بمهجته، و يراها ثمنا قليلا جامحا عن ارتكاب الدنايا و إن غادره جماحه قتيلا.يرى الموت أحلى من ركوب دنيّة * * * و لا يغتدي للناقصين عديلاو يستعذب التعذيب فيما يفيده * * * نزاهته عن أن يكون ذليلافهذا مالك أزمّة الشجاعة و حائزها، و له من قداحها معلاها و فائزها، قد تفوّق بها لبان الشرف و اغتذاه، و تطوّق درّة سحابة المستحلى و تحلّاه، و عبق نشر أرجه المنتشر ممّا أتاه، و نطق فعله بمدحه و إن لم يفض فاه، و صدق و اللّه واصفه بالشجاعة التي يحبها اللّه.و إذا ظهرت دلائل الآثار على مؤثرها، و أسفرت عن تحقق مثيرها و مشمرها، فقد صرّح النقلة في صحائف السير بما رأوه، و جزموا القول بما نقله المتقدم إلى المتأخّر فيما رووه، أنّ الحسين (عليه السلام) لمّا قصد العراق و شارف الكوفة سرب إليه أميرها يومئذ عبيد اللّه بن زياد الجنود لمقابلته أحزابا، و حزّب عليه الجيوش لمقاتلته أسربا، و جهّز من العساكر عشرين ألف فارس و راجل يتتابعون كتائبا و أطلابا، فلمّا حضروه و أحدقوا به شاكّين في العدة و العديد، ملتمسين منه نزوله على حكم ابن زياد و بيعته ليزيد، فإن أبى فليؤذن بقتال يقطع الوتين و حبل الوريد، و يصعد الأرواح إلى المحلّ الأعلى و يصرع الأشباح على الصعيد، فتبعت نفسه الأبيّة جدّها و أباها، و عزفت عن التزام الدنيّة فأباها، و نادته النخوة الهاشميّة فلبّاها، و منحها بالإجابة إلى مجانبة الذلّة و حباها، فاختار مجالدة الجنود و مضاربة ظباها، و مصارمة صوارمها و شيم شباها، و لا يذعن لوصمة تسمّ بالصغار من شرفه خدودا و جباها. المقانب: الذئاب الضارية. سرب الماء: أساله. و الأسراب جمع السرب: القطيع من الحيوان. الوصمة: العار و العيب. و قد كان أكثر هؤلاء المخرجين لقتاله قد شايعوه و كاتبوه و طاوعوه و تابعوه، و سألوه القدوم عليهم ليبايعوه، فلمّا جاءهم كذّبوه ما وعدوه، و أنكروه و جحدوه، و مالوا إلى السحت العاجل فعبدوه، و خرجوا إلى قتاله رغبة في عطاء ابن زياد فقصدوه، فنصب (عليه السلام) نفسه و إخوته و أهله و كانوا نيّفا و ثمانين لمحاربتهم، و اختاروا بأجمعهم القتل على متابعتهم ليزيد و مبايعتهم، فاعتلقتهم الفجرة اللئام، و رهقتهم المردة الطغام، و رشقتهم النبال و السهام، و أوثقتهم من شبا شفارها الكلام.هذا و الحسين (عليه السلام) ثابت لا تخف حصاة شجاعته، و لا تجف عزيمة شهامته، و قدمه في المعترك أرسى من الجبال، و قلبه لا يضطرب لهول القتال و لا لقتل الرجال، و قد قتل قومه من جموع ابن زياد جمعا جمّا، و أذاقوهم من الحميّة الهاشمية رهقا و كلما، و لم يقتل من العصابة الهاشميّة قتيل حتّى أثخن في قاصديه و قتل، و أغمد ظبئه في أبشارهم و جدل، فحينئذ تكالبت طغام الأجناد على الجلاد، و تناسبت الأجلاد في المفاضلة بالحداد، و ثبت كثرة الألواف منهم على قلّة الآحاد، و تقاربت من الأنوف الهاشميّة الآجال المحتومة على العباد، فاستبقت الأملاك البررة إلى الأرواح، و باء الفجرة بالآثام في الأجساد، فسقطت أشلاؤهم المتلاشية على الأرض صرعى تصافح منها صعيدا، و نطقت حالهم بأنّ لقتلهم يوما تودّ لو أن بينها و بينه أمدا بعيدا، و تحقّقت النفوس المطمئنّة باللّه كون الظالم و المظلوم شقيّا و سعيدا، و ضاقت الأرض بما رحبت على حرم الحسين (عليه السلام) و أطفاله إذ بقي وحيدا.فلمّا رأى (عليه السلام) وحدته، و رزء أسرته، و فقد نصرته، تقدّم على فرسه إلى القوم حتّى واجههم و قال لهم: يا أهل الكوفة قبحا لكم و تعسا حين استصرختمونا والهين، فآتيناكم موجفين، فشحذتم علينا سيفا كان في أيماننا، و حششتم علينا نارا نحن أضرمناها على أعدائكم و أعدائنا، فأصبحتم ألبا على أوليائكم، و يدا لأعدائكم، من غير عدل أفشوه فيكم، و لا ذنب كان منّا إليكم الويلات هلا إذ كرهتمونا الرهق: الضعف، الذلّة، الهلاك. و الكلم: الجرح. أي مسرعين. حش النار: أوقدها. الالب- بالكسر و الفتح لغة-: القوم يجتمعون على عداوة الإنسان. و في بعض النسخ «تركتمونا» مكان «كرهتمونا». و السيف ما شيم، و الجاش ما طاش، و الرأي لم يستحصد، و لكنّكم أسرعتم إلى بيعتنا إسراع الدبا، و تهافتّم إليها كتهافت الفراش، ثمّ نقضتموها سفها و ضلّة و طاعة لطواغيت الامّة، و بقيّة الأحزاب و نبذة الكتاب، ثمّ أنتم هؤلاء تتخاذلون عنّا و تقتلونا، ﴿ألا لعنة اللّه على الظالمين﴾.ثمّ حرّك إليهم فرسه، و سيفه مصلت في يده، و هو آيس من نفسه، عازم على الموت، و قال هذه الأبيات:أنا ابن علي الخير من آل هاشم * * * كفاني بهذا مفخر حين أفخرو جدّي رسول اللّه أكرم من مشى * * * و نحن سراج اللّه في الخلق تزهرو فاطمة أمّي سلالة أحمد * * * و عمّي يدعى ذا الجناحين جعفرو فينا كتاب اللّه أنزل صادقا * * * و فينا الهدى و الوحي و الخير يذكرو نحن ولاة الحوض نسقي محبّنا * * * بكأس رسول اللّه ما ليس ينكرو شيعتنا في الناس أكرم شيعة * * * و مبغضنا يوم القيامة يخسرثمّ دعا الناس إلى البراز، فلم يزل يقاتل و يقتل من برز إليه منهم من عيون الرجال حتّى قتل منهم مقتلة كثيرة، فتقدم إليه شمر بن ذي الجوشن في جمعه، و سيأتي تفصيل ما جرى بعد ذلك في فصل مصرعه (عليه السلام) إن شاء اللّه.هذا و هو كالليث المغضب، لا يحمل على أحد منهم إلّا نفحه بسيفه فألحقه بالحضيض، فيكفي ذلك في تحقيق شجاعته و شرف نفسه شاهدا صادقا، فلا حاجة معه إلى ازدياد في الاستشهاد (آخر كلام كمال الدين رحمه اللّه).قلت: شجاعة الحسين (عليه السلام) يضرب بها المثل، و صبره في ماقط الحرب أعجز الأواخر و الأوّل، و ثباته إذا دعيت نزال ثبات الجبل، و إقدامه إذا ضاق المجال إقدام الأجل، و مقامه في مقابلة هؤلاء الفجرة عادل مقام جدّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ببدر فاعتدل، و صبره شام السيف شيما: أغمده، استلّه (ضد). الجاش: رواع القلب إذا اضطرب عند الفزع. و الطيش: الخفة. استحصد الأمر: استحكم. و في بعض النسخ «و نحن ولاة الأرض نسقي ولاتنا». نفحه بسيفه: تناوله به من بعيد أو ضربه بطائفة منه. الماقط: المكان الضيق في الحرب على ما قيل. على كثرة أعدائه و قلّة أنصاره صبر أبيه (عليه السلام) في صفّين و الجمل، و مشرب العداوة واحد، فيفعل الأوّل فعل الآخر ما فعل، فكم من فارس مدلّ ببأسه جدّله (عليه السلام) فانجدل، و كم من بطل طلّ دمه فبطل، و كم حكم سيفه فحكم في الهوادي و القلل، فما لاقى شجاعا إلّا و كان لأمّه الهبل، و حشرهم اللّه و جازى كلّا بما قدّم من العمل، و إذا علمت أنّ شعار الحسين (عليه السلام) و أصحابه أعل يا حق، و شعار أعدائه: أعل هبل، علمت أنّ هؤلاء في نعيم لا يزول و أولئك في شقاء لم يزل، و كما قتل أبوه و انتقل إلى جوار ربّه قتل هو و انتقل، و كان له عند اللّه مرتبة لا تنال إلّا بالشهادة فتمّ له ما أراد و كمل، و باء قاتلوه بنار اللّه المؤصدة في الآخرة و لا يهدي اللّه من أضل، و ما سلموا من آفات الدنيا بل عجّلت لهم العقوبة فعمّت من رضي و من خذل و من قتل، فتبّا لآرائهم الغائلة و عقولهم الذاهلة فلقد أعماهم القضاء إذ نزل، و ختم اللّه على قلوبهم و سمعهم و أبصارهم فما لهم فيه قول و لا عمل، و قبحا و شقحا لتلك القلوب التي غطاها الرين فلم تفرق بين ما علا و استفل، و سوأة لتلك الوجوه التي شوّهها الكفر و الفسوق و العصيان و سوّدها الخطأ و الخطل، و سبة لتلك الأحلام الطائشة التي عذلت لإنكارها الحق بعد معرفة فسبق السيف العذل، و غطّى على بصائرها حب الدنيا الدنيّة فمالت إلى العاجل ففاتها الآجل و العاجل ما حصل، و كيف لا تصدر عنهم هذه الأفعال و كبيرهم المدعوّ بأمير مؤمنيهم استشهد بشعر ابن الزبعري فكأنّما بده به و ارتجل:ليت أشياخي ببدر شهدوا * * * وقعة الخزرج من وقع الأسللأهلّوا و استهلّوا فرحا * * * و استحرّ القتل في عبد الأشل لعبت هاشم بالملك فلا * * * خبر جاء و لا وحي نزلو الناس على دين ملوكهم كما ورد في الحديث و المثل.فلقد ركبوا مركبا و عرا، و أتوا أمرا إمرا، و فعلوا فعلا نكرا، و قالوا قولا هجرا، و استحلّوا مزاقا مرّا، و بلغوا الغاية في العصيان، و وصلوا إلى النهاية في إرضاء الشيطان، و أقدموا على أمر عظيم من إسخاط الرحمن، و كم ذكّرهم الحسين (عليه السلام) أيّام قبحا و شقحا: أتباع و قيل معناهما واحد. و روي البيتان الأولان في أكثر المقاتل كما يلي:ليت أشياخي ببدر شهدوا * * * جزع الخزرج من وقع الأسللأهلّوا و استهلّوا فرحا * * * ثمّ قالوا يا يزيد لا تشل اللّه فما ذكروا، و زجرهم عن تقحّم نار الجحيم فما انزجروا، و عرّفهم ما كانوا يدعون معرفته فما عرفوا و لا فهموا منذ أنكروا، و أمرهم بالفكر في هذا الأمر الصعب فما ائتمروا، في كلّ ذلك ليقيم عليهم الحجّة، و يعذر إلى اللّه في تعريفهم المحجّة، فأصرّوا و استكبروا استكبارا، و ممّا خطاياهم فأدخلوا نار جهنّم ﴿فلم يجدوا لهم من دون اللّه أنصارا﴾، و نادى لسان حال الحسين (عليه السلام): ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً﴾.﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ﴾ وَ لا يَلِدُوا
[كشف الغمة في معرفة الأئمة] · موسوعة الغيبة والظهور