الأقسامفضائل أهل البيت ومناقبهمفضائل أهل البيت عامّة
كشف الغمة في معرفة الأئمة · رقم ٩١٩

و روى الجنابذي مرفوعا إلى يحيى بن أبي بكر عن بعض مشيخته

إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً، فاستجاب اللّه دعاءه (عليه السلام) و خصّه بمزيد العناية و الإكرام، و نقله إلى جواره مع آبائه الكرام، و وقع الفناء بعده في أولئك الطغام، و دارت عليهم دوائر الانتقام و الاصطلام، فقتلوا في كلّ أرض بكلّ حسام، و انتقلوا إلى جوار مالك في نار جهنّم، و أصحاب الحسين (عليه السلام) إلى جوار رضوان في دار السلام، فصارت ألوف هؤلاء الأغنام آحادا، و جموعهم أفرادا، و ألبسوا العار آباء و أولادا، فأحياؤهم عار على الغابر، و الأوّلون مسبّة للآخر، و استولى عليهم الذلّ و الصغار، و خسروا تلك الدار و هذه الدار، و كان عاقبة أمرهم إلى النّار و بئس القرار، و كثّر اللّه ذريّة الحسين (عليه السلام) و أنماها، و ملأ بها الدنيا و رفعها و أعلاها، و إذا عرفت أنّ كلّ حسينيّ في الدّنيا من ولد علي بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام) ظهر لك كيف بارك اللّه في ذريّته الطاهرة و زكّاها، و إذ فكّرت في جموع أعدائهم و انقراضهم تبيّنت أنّ العناية الإلهيّة تولّت هذه العترة الشريفة و أبادت من عاداها، و سعدت في الدنيا و الآخرة و سعد من والاها، و قد تظاهرت الأخبار أنّ اللّه تعالى اختارها و اصطفاها، و اختار شيعتها و اجتباها.و لمّا رأى الحسين (عليه السلام) إصرارهم على باطلهم، و ظهور علائم الشقاء على أخلاقهم و فعائلهم، و أنّ إبليس و جنوده قادوا في أشطانهم و حبائلهم، علم بسعادة من قتلوه و شقاوة قاتلهم، و تحقّق أنّه قد طبع اللّه على قلوبهم فلا ينجع فيهم نصح ناصحهم، و لا عذل عاذلهم، فجدّ في حربهم على بصيرة و اجتهد، و صبر صبر الكرام على تلك العدّة و ذلك العدد، و تفصيل ذلك يأتي في باب مصرعه (عليه السلام).و يعزّ عليّ أن يجري بذكره لساني، أو يسمح بسطره بناني، أو أتمثّله في خاطري و جناني، فإنّي أجد لذكره ألما، و أبكي لمصابه دمعا و دما، و أستشعر لما بلغ الأشطان جمع الشطن: الحبل الطويل. منه همّا و ندما، و لكن لا حيلة فيما جرى به القضاء و القدر، و إن ذممنا الورد فإنّا نحمد الصدر، و اللّه يجازي كلّا على فعله، و لا يبعد اللّه إلّا من كفر.السابع: في كرمه وجوده (عليه السلام) قال كمال الدين رحمه اللّه تعالى: قد تقدم في الفصل المعقود لذكر كرم أخيه الحسن (عليهما السلام) قصّة المرأة التي ذبحت الشاة و ما وصلها به لمّا جاءته بعد أخيه الحسن (عليهما السلام)، و أنّه أعطاها ألف دينار و اشترى لها ألف شاة، و قد اشتهر النقل عنه (عليه السلام) أنّه كان يكرم الضيف، و يمنح الطالب، و يصل الرحم، و ينيل الفقير، و يسعف السائل، و يكسو العاري، و يشبع الجائع، و يعطي الغارم، و يشدّ من الضعيف، و يشفق على اليتيم، و يعين ذا الحاجة، و قلّ أن وصله مال إلّا فرّقه.و روي أنّ معاوية لمّا قدم مكّة وصله بمال كثير و ثياب وافرة و كسوات وافية، فردّ الجميع عليه و لم يقبل منه، و هذه سجيّة الجواد و شنشنة الكريم و سمة ذي السماحة، و صفة من قد حوى مكارم الأخلاق فأفعاله المتلوّة شاهدة له بصفة الكرم، ناطقة بأنّه متّصف بمحاسن الشيم، و قد كان في العبادة مقتديا بمن تقدّم، حتّى نقل عنه (عليه السلام) أنّه حجّ خمسا و عشرين حجة إلى الحرم، و نجائبه تقاد معه و هو ماش على القدم (آخر كلامه رحمه اللّه).قال الفقير إلى اللّه تعالى علي بن عيسى عفى اللّه عنه: اعلم أيّدك اللّه بتوفيقه، و هداك إلى سبيله و طريقه، إنّ الكرم كلمة جامعة لأخلاق محمودة، تقول كريم الأصل، كريم النفس، كريم البيت، كريم المنصب، إلى غير ذلك من صفات الشرف، و يقابله اللؤم فإنّه جامع لمساوئ الأخلاق، تقول: لئيم الأصل و النفس و البيت و غيرها.فإذا عرفت هذا فاعلم أنّ الكرم الذي الجود من أنواعه، كامل في هؤلاء القوم، ثابت لهم محقق فيهم متعيّن لهم و لا يعدوهم، و لا يفارق أفعالهم و اقوالهم، بل هو لهم على الحقيقة و في غيرهم كالمجاز، و لهذا لم ينسب الشح إلى أحد من بني هاشم، و لا نقل عنهم لأنّهم يجارون الغيوث سماحة، و يبارون الليوث حماسة، و يعدلون الجبال الشنشنة: الطبيعة و العادة. حلما و رجاحة، فهم البحور الزاخرة، و السحب الهامية الهامرة.فما كان من خير أتوه فإنّما * * * توارثه آباء آبائهم قبلو هل ينبت الخطيّ إلّا وشيجه * * * و تغرس إلّا في منابتها النخل و لهذاقال علي (عليه السلام) و قد سئل عن بني هاشم و بني أميّة؟ فقال: نحن أمجد و أنجد و أجود، و هم أغدر و أمكر و أنكر،و لقد صدق (عليه السلام)، فإنّ الذي ظهر من القبيلتين في طول الوقت دالّ على ما قاله (عليه السلام).و لا ريب أنّ الأخلاق تظهر على طول الأيّام، و هذه الأخلاق الكريمة اتّخذوها شريعة و جعلوها إلى بلوغ غايات الشرف ذريعة لشرف فروعهم و أصولهم و ثبات عقولهم، لأنّهم لا يشينون مجدهم بما يصمّه، و لا يشوّهون وجوه سيادتهم بما يخلقها، و لأنّهم مقتدى الامّة و رءوس هذه الملّة و سروات الناس و سادات العرب و خلاصة بني آدم، و ملوك الدنيا و الهداة إلى الآخرة و حجة اللّه على عباده و أمناؤه على بلاده، فلا بدّ أن تكون علامات الخير فيهم ظاهرة، و سمات الجلال بادية باهرة، و أمثال الكرم العام سايرة، و إن كلّ متّصف بالجود من بعدهم بهم اقتدى، و على منوالهم نسج، و بهم اهتدى.و كيف لا يجود بالمال من يجود بنفسه النفيسة في مواطن النزال؟ و كيف لا يسمح بالعاجل من همّه في الآجل؟ و لا ريب عند العقلاء أنّ من جاد بنفسه في القتال فهو بالمال أجود، و من زهد في الدنيا المحبوبة فهو في الحطام الفاني أزهد، و قد عرفت زهدهم فاعرف به وفدهم، فإنّ الزاهد من زهد في حطامها و خاف من آثامها و رغب عن حلالها و حرامها، و لعلّك سمعت بما أتى في هل أتى من إيثارهم على أنفسهم، أ ليسوا الذين أطعموا الطعام على حبّه و رغب كلّ واحد منهم في الطوى لإرضاء ربّه، و عرضوا تلك الأنفس الكريمة لمرارة الجوع، و أسهروا تلك العيون الشريفة من الخوى، فلم تذق حلاوة الهجوع، و جعلوها لما وجدوه من الرقّة على المسكين و اليتيم و الأسير غرقى من الدموع و تكرّر عليهم ألم فقد الغذاء غدوا الخطى: الرماح المنسوبة إلى خط و هو مرفا السفن ببحرين. و الوشيج: شجر الرماح و قيل هو ما نبت من القنا و القصب معترضا. الخوى: خلو الجوف من الطعام. الهجوع: النوم. و بكورا، و أضرم السغب في قلوب أهل الجنّة سعيرا، و آمنوا حين قالوا: ﴿‏إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً. فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ‏﴾ وَ لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً و شكّرهم من أنعموا عليه فقالوا: ﴿‏إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً‏﴾ وَ لا شُكُوراً.و الحسين (عليه السلام) و إن كان فرعا للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و علي و فاطمة (عليهما السلام)، فهو أصل لولده من بعده، و كلّهم أجواد كرام.كرموا و جاد قبيلهم من قبلهم * * * و بنوهم من بعدهم كرماءفالناس أرض في السماحة و الندى * * * و هم إذا عدّ الكرام سماءلو أنصفوا كانوا لآدم وحدهم * * * و تفرّدت بولادهم حوّاءو قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قد جاءته أم هاني يوم الفتح تشكو أخاها عليا (عليه السلام): للّه درّ أبي طاب، لو ولد الناس كلّهم كانوا شجعانا.و كان علي (عليه السلام) يقول في بعض حروبه: أملكوا عنّي هذين الغلامين فإنّي أنفس بهما عن القتل لئلّا ينقطع نسل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).و قيل لمحمّد بن الحنفيّة رحمة اللّه عليه: أبوك يسمح بك في الحرب و يشحّ بالحسن و الحسين (عليهما السلام) ؟ فقال: هما عيناه و أنا يده، و الإنسان يقي عينيه بيده.(و قال) مرّة أخرى و قد قيل له ذلك: أنا ولده و هما ولدا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).و الحماسة و السماحة رضيعتا لبان، و قد تلازما في الجود فهما توأمان، فالجواد شجاع و الشجاع جواد، و هذه قاعدة كليّة لا تنخرم، و لو خرج منها بعض الآحاد، و من خاف الوصمة في شرفه جاد بالطريف و التلاد، و قد قال أبو تمام في الجمع بينهما فأجاد:و إذا رأيت أبا يزيد في ندى * * * و وغى و مبدي غارة و معيداأيقنت أنّ من السماح شجاعة * * * تدنى و أنّ من الشجاعة جوداو قال أبو الطيب:قالوا أ لم تكفه سماحته حتّى * * * بنى بيته على الطّرقفقلت إنّ الفتى شجاعته * * * تريه في الشح صورة الفرق السغب: الجوع. كن لجّة أيّها السّماح فقد * * * آمنه سيفه من الغرقو لهذا قال القائل:يجود بالنفس إن ضنّ الجواد بها * * * و الجود بالنفس أقصى غاية الجودو قيل: الكريم شجاع القلب، و البخيل شجاع الوجه، و لمّا وصفهم معاوية وصف بني هاشم بالسخاء، و آل الزبير بالشجاعة، و بني مخزوم بالتيه، و بني أميّة بالحلم، فبلغ ذلك الحسن بن علي (عليهما السلام) فقال: قاتله اللّه أراد أن يجود بنو هاشم بما في أيديهم فيحتاجوا إليه، و أن يشجّع آل الزبير فيقتلون، و أن يتيّه المخزوميّون فيمقتوا، و أن تحلم بنو أميّة فيحبّهم الناس.و قد تقدم هذا الكلام آنفا بألفاظ و هي المروية، و لعمري لقد صدق في بعض مقاله و إن كان الصدق بعيدا من أمثاله، و لكن الكذوب قد يصدق، فإنّ السماحة في بني هاشم كما قال، و الشجاعة و الحلم فيهم في كلّ الأحوال، و الناس في ذلك تبع لهم فهم عليهم كالعيال، فقد حازوا قصبات السبق لمّا جمعوه من شرف الخلال، فإذا تفرّقت في الناس خصال الخير اجتمعت فيهم تلك الخصال، و هذا القول هو الحق و ما بعد الحق إلّا الضلال.فإذا عرفت حقيقة هذا التقرير فاحكم لهم بالصفات المحمودة على كلّ تقدير، فإنّ أضدادها من الصفات المذمومة رجس، و قد طهّرهم اللّه من الرجس تطهيرا، و اختارهم من تربته، و اصطفاهم من عباده، و كان اللّه سميعا بصيرا.الثامن: في ذكر شيء من كلامه (عليه السلام) قال كمال الدين رحمه اللّه تعالى: كانت الفصاحة لديه خاضعة، و البلاغة لأمره متّبعة سامعة طائعة، و قد تقدّم آنفا من نثره في الفصل السادس في ذلك المقام الذي لا تفوّه فيه الأفواه من الفرق، و لا تنطق الألسنة من الوجل و القلق، ما فيه حجّة بالغة على أنّه في ذلك أفصح من نطق، و أمّا نظمه فيعد من الكلام جوهر عقد منظوم و مشهر برد مرقوم.فمنهقطعة نقلها صاحب كتاب الفتوح و أنّه (عليه السلام) لمّا أحاط به جموع ابن زياد و قتلوا من قتلوا من أصحابه، و منعوهم الماء، كان له (عليه السلام) ولد صغير فجاءه سهم منهم فقتله، فزمله الحسين (عليه السلام) و حفر له بسيفه و صلّى عليه و دفنه، و قال:غدر القوم و قدما رغبوا * * * عن ثواب اللّه ربّ الثقلينقتلوا قدما عليّا و ابنه * * * حسن الخير كريم الطرفين حسدا منهم و قالوا أجمعوا * * * نقبل الآن جميعا بالحسينيا لقوم لاناس رذّل * * * جمعوا الجمع لأهل الحرمينثمّ ساروا و تواصوا كلّهم * * * لاجتياحي للرضا بالملحدين لم يخافوا اللّه في سفك دمي * * * لعبيد اللّه نسل الفاجرينو ابن سعد قد رماني عنوة * * * بجنود كوكوف الهاطلين لا لشيء كان منّي قبل ذا * * * غير فخري بضياء الفرقدينبعلي خير من بعد النبي * * * و النبي القرشي الوالدينخيرة اللّه من الخلق أبي * * * ثمّ أمّي فأنا ابن الخيرتينفضّة قد صفيت من ذهب * * * و أنا الفضّة و ابن الذهبينمن له جدّ كجدّي في الورى * * * أو كشيخي فأنا ابن القمرينفاطم الزهراء أمّي و أبي * * * قاصم الكفر ببدر و حنينو له في يوم أحد وقعة * * * شفت الغل بفضّ العسكرين ثمّ بالأحزاب و الفتح معا * * * كان فيها حتف أهل القبلتينفي سبيل اللّه ما ذا صنعت * * * أمّة السوء معا في العترتينعترة البر النبي المصطفى * * * و علي الورد بين الجحفلين و قال- و قد التقاه و هو متوجّه إلى الكوفة الفرزدق ابن غالب الشاعر و قال له:يا بن رسول اللّه كيف تركن إلى أهل الكوفة و هم الذين قتلوا ابن عمّك مسلم بن عقيل زمل الشيء- بالتخفيف-: حمله. و زمله بثوبه و غيره- بتشديد الميم-: لفّه. و في نسخة «كريم الأبوين». الاجتياح: الإهلاك و الاستئصال. العنوة: القهر. و الوكوف: السيلان. و هطل المطر: مطر متتابعا متفرّقا عظيم القطر. و في بعض النسخ «قد خلصت» مكان «قد صفيت». الغل: الحقد، و فض القوم: فرقهم. الورد: الأسد. و الجحفل: الجيش الكثير. و شيعته، فترحّم على مسلم، و قال: صار إلى روح اللّه و رضوانه-: أمّا إنّه قضى ما عليه و بقي ما علينا، و أنشده:و إن تكن الدنيا تعدّ نفيسة * * * فدار ثواب اللّه أعلى و أنبلو إن تكن الأبدان للموت أنشئت * * * فقتل امرئ و اللّه بالسيف أفضلو إن تكن الأرزاق قسما مقدّرا * * * فقلّة حرص المرء في الكسب أجملو إن تكن الأموال للترك جمعها * * * فما بال متروك به المرء يبخل(هذا آخر كلام كمال الدين بن طلحة رحمه اللّه في هذا الفصل).أقول: إنّهم (عليهم السلام) رجال الفصاحة و فرسانها، و حماة البلاغة و شجعانها، عليهم تهدّلت أغصانها، و منهم تشعّبت أفنانها، و لهم انقادت معانيها و هم معانها، و لرياضتهم أطاع عاصيها و أصحب جرانها، إذا قالوا بذو الفصحاء، و إذا ارتجلوا سبقوا البلغاء، و إذا نطقوا أذعن كلّ قائل و أقرّ لهم كلّ حاف و ناعل:تركت و الحسن تأخذه * * * تنتقي منه و تنتخبفاصطفت منه محاسنه * * * و استزادت فضل ما تهببألفاظ تجاري الهواء رقّة، و الصخر متانة، و حلم يوازي السماء ارتفاعا، و الجبال رزانة، أذعنت لهم الحكم، و أجابت نداءهم الكلم، و أطاعهم السيف و القلم، و صابوا و أصابوا فما صوب الديم ورثوا البيان كابرا عن كابر، و تسنّموا قلل الفضائل تسنّمهم متون المنابر، و تساووا في مضمار المعارف فالآخر يأخذ عن الأوّل و الأوّل يملي على الآخر.شرف تتابع كابرا عن كابر * * * كالرمح أنبوبا على أنبوب يفوح أرج النبوّة من كلامهم، و يعبق نشر الرسالة من نثرهم و نظامهم، و تعجز الأوائل و الأواخر عن مقالهم، في كلّ موطن و مقامهم، فهم سادات الناس و قادتهم في و الذي يظهر من رواية المفيد رحمه اللّه و غيره من أرباب السير أنّ التقائه (عليه السلام) الفرزدق إنّما هو قبل مجيء نعى مسلم بن عقيل بل و قبل قتله في الكوفة، لأنّ الالتقاء وقع قبل العرفة خارج المكة بعد ما دخل الفرزدق في الحرم و قد قتل مسلم بن عقيل يوم الأربعاء لتسع خلون من ذي الحجة يوم عرفة و أتاه (عليه السلام) خبر قتله بالثعلبية بعد ما قضى الناس حجّهم بأيّام. الديم: مطر يدوم في سكون بلا رعد و لا برق. الأنبوب: ما بين الكعبين من القصب و الرمح. جاهليّتهم و إسلامهم، فما ساجلهم في منقبة إلّا مغلب و ما شابهم ماجد إلّا قيل أطمع من أشعب شنشنة معروفة في السلف و الخلف، و عادة شريفة ينكرها من أنكر و يعرفها من عرف.و من كلامه (عليه السلام) لمّا عزم على الخروج إلى العراق قام خطيبا فقال:الحمد للّه و ما شاء اللّه و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه، صلّى اللّه على رسوله و سلّم، خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيدة الفتاة، و ما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، و خيّر لي مصرع أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس و كربلاء فيملأنّ منّي أكراشا جوفا، و أجربة سغبا، لا محيص عن يوم خطّ بالقلم، رضي اللّه رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه و يوفّينا أجور الصابرين، لن يشذّ عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لحمته، و هي مجموعة له في حظيرة القدس تقرّ بهم عينه، و ينتجز لهم وعده، من كان فينا باذلا مهجته و موطنا على لقاء اللّه نفسه فليرحل فإنّي راحل مصبحا إن شاء اللّه.و خطب (عليه السلام) فقال:يا أيها الناس نافسوا في المكارم، و سارعوا في المغانم، و لا تحتسبوا بمعروف لم تعجلوا، و اكسبوا الحمد بالنجح، و لا تكتسبوا بالمطل ذما، فمهما يكن لأحد عند أحد صنيعة له رأي أنّه لا يقوم بشكرها فاللّه له بمكافاته فإنّه أجزل عطاء و أعظم أجرا، و اعلموا أنّ حوائج الناس إليكم من نعم اللّه عليكم، فلا تملّوا النعم فتحور نقما.و اعلموا أنّ المعروف مكسب حمدا، و معقب أجرا، فلو رأيتم المعروف رجلا رأيتموه حسنا جميلا يسرّ الناظرين، و لو رأيتم اللؤم رأيتموه سمجا مشوّها أشعب اسم رجل من أهل المدينة كان مولى لعثمان بن عفان و كان شديد الطمع يضرب به المثل. الأوصال: المفاصل و قيل مجتمع العظام. و العسلان: عدو الذئب بسرعة و اضطراب، و أراد (عليه السلام) بالعسلان الذئاب. الأكراش جمع الكرش و هو لذي الخف و الظلف بمنزلة المعدة للإنسان. و جوف جمع الأجوف. السغب: الجوع. نافس في الشيء: بالغ فيه و رغب على وجه المباراة في الكرم. حار حورا: رجع. السمج: القبيح. تنفر منه القلوب، و تغضّ دونه الأبصار.أيها الناس من جاد ساد، و من بخل رذل، و إنّ أجود الناس من أعطى من لا يرجو، و إنّ أعفى الناس من عفى عن قدرة، و إنّ أوصل الناس من وصل من قطعه، و الأصول على مغارسها بفروعها تسمو، فمن تعجّل لأخيه خيرا وجده إذا قدم عليه غدا، و من أراد اللّه تبارك و تعالى بالصنيعة إلى أخيه كافأه بها في وقت حاجته، و صرف عنه من بلاء الدنيا ما هو أكثر منه، و من نفّس كربة مؤمن فرّج اللّه عنه كرب الدنيا و الآخرة، و من أحسن أحسن اللّه إليه و اللّه يحبّ المحسنين.قلت: هذا الفصل من كلامه (عليه السلام) و إن كان دالّا على فصاحته و مبيّنا على بلاغته فإنّه دالّ على كرمه و سماحته و جوده و هبته، مخبر عن شرف أخلاقه و سيرته و حسن نيّته و سريرته، شاهد بعفوه و حلمه و طريقته، فإنّ هذا

[كشف الغمة في معرفة الأئمة] · موسوعة الغيبة والظهور

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.