⟨و روى الجنابذي مرفوعا إلى يحيى بن أبي بكر عن بعض مشيخته⟩
ما هذا يا رسول اللّه؟ فقال: حجر ألقي في النّار منذ سبعين خريفا فالآن حين استقرّ في قعرها،و قد كان مات في تلك الساعة يهودي عمره سبعون سنة، فكنّى عنه بالحجر، لعدم انتفاعه بما بلغه من الدعوة، و كنّى عن مدة حياته يهويه في النّار لأنّ سعيه مدّة حياته سعى أهل النّار فكأنّه فيها هاو، و كنّى عن موته باستقراره فيها، و كذا حال هذا الشقي كان يسعى دائما سعي من هذا خاتمته و عاقبته، و إلى العذاب الدائم مصيره و النّار غايته، فتبّا له محلّا عن موارد الأبرار، و بعدا له و سحقا في هذه الدار و تلك الدار، فلقد أوغل في تمرّده، و بالغ في و خامة كسب يده، و ترك الحقّ وراء ظهره، و دبّر أذنه إذ لم ينظر في يومه لغده، و عرف الصراط المستقيم فنكب طوعا عن سننه و جدده، و صدع قلب الرسول بما صنعه بولده، و أبكى الأرض و السماء بجنايته، و أحزن الملائكة الكرام و الأنبياء (عليهم السلام) ببشاعة فعلته و قبح ملكته، و جاء بها شوهاء عقراء جذعاء تشهد بسوء ظفره، و تنطق برديّ أثره، و لؤم مخبره، و فساد اختياره و نظره، كافلة له بالعذاب الأليم، ضامنة له الخلود في نار الجحيم، مقيما فيها أبدا إن شاء اللّه مع الشيطان الرجيم، طعامه فيها الزقوم و الغسلين، و شرابه الحميم، مخصوصا بمقت اللّه ربّ العالمين، قريبا للعتاة المتمرّدين و الطغاة الكافرين، مصاحبا من شايعه و تابعه و رضي بفعله من الجنّة و النّاس أجمعين.هذا و هو مع فعله الذي أوبقه، و شرهه الذي قيّده بالخزي و أوثقه، و صنيعه الذي أراق دماء وجهه و أخلقه، يدّعي أنّه من أهل الإسلام و من تابعي النبي عليه الصلاة و السلام، و ممّن يرجو السلامة في دار السلام، مع سفكه الدم الحرام في الشهر الحرام، و إسخاطه اللّه و النبي و الإمام، و إقدامه على ما يحمد في مثله الأحجام.دم حرام للأخ المسلم في * * * شهر حرام يا لنعم كيف حلنعوذ باللّه من سوء الخاتمة.و من العجب أنّ السيّد و العاقب و من كان معهم لمّا دعاهم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى المباهلة، و ندبهم إلى المساجلة، و جاء (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بعلي و فاطمة و الحسن و الحسين ضرع النجرانيّون إلى الاستسلام، و خاموا بعد الإقدام، و أعطوا الجزية عن يد لما شاهدوا أولئك النفر الكرام، و أذعنوا حين رأوا وجوها تجلو جنح الظلام، و قالوا: لو دعى اللّه الخريف: السنة و العام. بهذه الوجوه لأزال الجبال،و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لو باهلوني لتأجّج الوادي عليهم نارا.و كما قال: و هؤلاء المسلمون على ظنّهم عرفوا هذا الخبر، فبالغوا في طمس ذلك الأثر، و ما دلّهم كما دلّ السيّد و العاقب النظر، و أقدموا مع العلم إقدام ذوي الغرر، فوقعوا في هوة الخطر، و ما أصدق قولهم: إذا نزل القضاء عمي البصر.قال كمال الدين: فلمّا تيقّن الحسين (عليه السلام) أنّ القوم مقاتلوه أمر أصحابه فاحتفروا حفيرة شبيهة بالخندق، و جعلوا لها جهة واحدة يكون القتال منها، و ركب عسكر ابن سعد و أحدقوا بالحسين (عليه السلام) و زحفوا و قتلوا، و لم يزل يقتل من أهل الحسين و أصحابه واحدا بعد واحد إلى أن قتل من أهله و أصحابه ما ينيف على خمسين رجلا.فعند ذلك ضرب الحسين بيده على لحيته و صاح: أ ما مغيث يغيثنا لوجه اللّه، أ ما ذابّ يذبّ عن حرم رسول اللّه، و إذا بالحرّ بن يزيد الرياحي- الذي تقدّم ذكره- قد أقبل بفرسه إليه و قال: يا بن رسول اللّه إنّي كنت أوّل من خرج عليك و أنا الآن في حزبك، فمرني أن أكون أوّل مقتول في نصرتك، لعلّي أنال شفاعة جدّك غدا، ثمّ كرّ على عسكر عمر بن سعد فلم يزل يقاتلهم حتّى قتل، و التحم القتال حتّى قتل أصحاب الحسين (عليه السلام) بأسرهم، و ولده و إخوته و بنو عمّه و بقي وحده و بارز بنفسه إلى أن أثخنته الجراحات، و السهام تأخذه من كلّ جانب، و الشمر لعنه اللّه في قبيلة عظيمة يقاتله، ثمّ حال بينه (عليه السلام) و بين رحله و حرمه، فصاح الحسين (عليه السلام): و يحكم يا شيعة الشيطان إن لم يكن لكم دين و لا تخافون المعاد فكونوا أحرارا و ارجعوا إلى أنسابكم إن كنتم أعرابا كما تزعمون، أنا الذي أقاتلكم فكفّوا سفهاءكم وجها لكم عن التعرّض لحرمي، فإنّ النساء لم يقاتلنّكم، فقال الشمر لأصحابه: كفّوا عن النساء و حرم الرجل و اقصدوه في نفسه.ثمّ صاح الشمر لعنه اللّه بأصحابه، و قال: ويلكم ما تنتظرون بالرجل و قد أثخنته الجراح و توالت عليه السهام و الرماح، فسقط على الأرض فوقف عليه عمر بن سعد و قال لأصحابه: انزلوا فجزّوا رأسه، فنزل إليه نضر بن خرشنة الضبابي ثمّ جعل يضرب بسيفه مذبح الحسين (عليه السلام)، فغضب عمر بن سعد و قال لرجل عن يمينه: ويلك أنزل إلى الحسين فأرحه، فنزل إليه خولي بن يزيد لعنه اللّه فاجتزّ رأسه و سلبوه، و دخلوا على حرمه و استلبوا بزّتهنّ.ثمّ إنّ عمر بن سعد أرسل بالرأس إلى ابن زياد مع بشر بن مالك، فلمّا وضع الرأس بين يدي عبيد اللّه بن زياد قال: املأ ركابي فضّة و ذهبا * * * أنا قتلت الملك المحجّباو من يصلّي القبلتين في الصبى * * * و خيرهم إذ يذكرون النسباقتلت خير الناس أمّا و أبافغضب عبيد اللّه من قوله ثمّ قال له: إذا علمت أنّه كذلك فلم قتلته؟ و اللّه لا نلت منّي خيرا و لألحقنّك به، ثمّ قدّمه و ضرب عنقه.قلت: صدق اللّه، و كذلك ﴿نولّي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون﴾، و على هذا مضى من شايع على الحسين (عليه السلام) أمّا بيد أعداء اللّه أو بيد أوليائه، فما منهم من فاز بحمد اللّه بمراد و لا أمل، و لا انتفع بقول و لا عمل، بل مزّقوا كلّ ممزّق، و فرّقوا كلّ مفرّق، و استولى عليهم الحمام و عوجلوا بالعقاب و الانتقام، و أبيدوا بالاستئصال و الاصطلام، و باءوا بعاجل عذاب الدنيا و على اللّه التمام.قال: ثمّ إنّ القوم استاقوا الحرم كما تساق الأسارى حتّى أتوا الكوفة، فخرج الناس فجعلوا ينظرون و يبكون و ينوحون، و كان علي بن الحسين زين العابدين قد نهكه المرض، فجعل يقول: ألا إنّ هؤلاء يبكون و ينوحون من أجلنا، فمن قتلنا؟و كان اليوم الذي قتل فيه (عليه السلام) قيل: الجمعة و هو يوم عاشوراء من المحرم سنة إحدى و ستّين من الهجرة، و دفن بالطف من كربلاء من العراق، و مشهده (عليه السلام) معروف يزار من الجهات و الآفاق.و هذه الوقائع أوردها صاحب كتاب الفتوح، فهي مضافة إليه و عهدتها لمن أراد تتبّعها عند مطالعتها عليه، فهذا تلخيص ما نقلته الأذهان و العقول، ممّا أهداه إليها المروي و المنقول، و قد ألبس القلوب ثوب حداد ما لصبغته نصول، و على الجملة فأقول:ألا أيّها العادون إنّ أمامكم * * * مقام سؤال و الرسول سئولو موقف حكم و الخصوم محمّد * * * و فاطمة الزهراء و هي ثكولو إنّ عليّا في الخصام مؤيّد * * * له الحقّ فيما يدّعي و يقولفما ذا تردّون الجواب عليهم * * * و ليس إلى ترك الجواب سبيلو قد سؤتموهم في بنيهم بقتلهم * * * و وزر الذي أحدثتموه ثقيل نهكت الحمى فلانا: هزلته و جهدته. و لا يرتجى في ذلك اليوم شافع * * * سوى خصمكم و الشرح فيه يطولو من كان في الحشر الرسول خصيمه * * * فإنّ له نار الجحيم مقيلو كان عليكم واجبا في اعتمادكم * * * رعايتهم أن تحسنوا و تنيلوافإنّهم آل النبي و أهله * * * و نهج هداهم بالنجاة كفيلمناقبهم بين الورى مستنيرة * * * لها غرر ملجوّة و حجولمناقب جلّت أن يحاط بحصرها * * * نمتها فروع قد زكت و أصولمناقب وحي اللّه أثبتها لهم * * * بما قام منهم شاهد و دليلمناقب من خلق النبي و خلقه * * * ظهرن فما يغتالهنّ أفولو لمّا وصل القلم في ميدان البيان إلى هذا المقام، أبدت الأيّام من إلمام الآلام ما منع من إتمام المرام على أتمّ الأقسام، و لم ير حزم نظام الكلام دون موقف الاختتام، فاختصر مضمون الأبواب، و اقتصر منه على اللباب، و قصر من إطناب الأطناب، و قصر أسباب الإسهاب، فجاء محصول فصوله ملخّصا في معانيه، و مدلول أصوله ملخّصا من تطويل مبانيه، اقتصارا يستغني بمحصّله عن النهاية فيه، و إرشادا يكتفي بمختصره عن بسيطه و حاويه (انتهى كلامه رحمه اللّه) و قد كنّى في هذا الفصل الأخير عن أسماء كتب و حيل بها.قلت: فأمّا تفاصيل ما جرى للحسين (عليه السلام) و صورة ما جرى بينه و بين أعداء اللّه و رسوله و محاربتهم إيّاه، و قتلهم من قتلوه من أولاده و إخوته، و بني أخيه و بني عمّه و أصحابه، و صورة موقفه (عليه السلام) و ما ظهر من نجدته و شجاعته و بأسه و بسالته، و انقياده إلى أمر اللّه، و شدّته على أعداء اللّه، و صبره على ما دفع إليه من فقد الأهل و الولد، و قلّة الناصر و العدد، و إزهاق نفسه الشريفة فلها موضع غير هذا الكتاب، فإنّه موضوع لذكر مآثرهم و عدّ مفاخرهم، و إن كان قتله (عليه السلام) ممّا اكتسب به فخرا مضافا إلى فخره، و حوى به قدرا زائدا على شريف قدره، فإنّه نال بذلك مرتبة الشهادة، و اختصّ بما بلغ به غاية الطلب و منتهى الإرادة، و حصل له بذلك ما لا يحصل بدوام الذكر و طول العبادة، و كان في الحياة سعيدا و كملت له في الممات السعادة، و أوجب اللّه له بسابق وعده الحسنى و زيادة، و أذكر الآن شيئا ممّا يتعلّق بأخباره، و أنت أيّدك اللّه لا تسأم من إعادة الشيء و تكراره، فإنّي أكرّر مرّة لاختلاف الناقل و مرّة لاختلاف الرواة، و في كثرة طرق الأخبار ما يؤنس بتصديقها و يقطع بتحقيقها، لا سيّما و قد التزمت بالنقل من كتب الجمهور، و مرّة لأنّه يعرض لي سهو و أكتب الشيء و أنا أظنّ أنّي لم أكتبه، و ربّما عرفت فذكرت أنّه مكرّر، و ربّما لم أعرف، و لأنّ هذه هي نسخة الأصل و ما عاودتها و لا راجعتها و وقتي يضيق عن مناقشتها، لأنّي منيت في زمان جمع هذا الكتاب بأمور تشيب الوليد، و تذيب الحديد، و تعجز الجليد، و نهبت لي كتب كنت قد أعددتها لأنقل منها في هذا الكتاب، و الوقت يضيق عن الشكوى، و الرجوع إلى عالم السرّ و النجوى، و الحمد للّه على ما ساء و سر، و الشكر له سبحانه على ما نفع و ضر، فأنعمه تعالى لا تعد، و عوارفه لا تحصى و لا تحد.له أياد عليّ سابقة * * * أعدّ منها و لا أعددهاقال الحافظ عبد العزيز الجنابذي في كتاب معالم العترة الطاهرة: الحسين بن علي بن أبي طالب، و أمّه فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، ولد في ليال خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة، و قتل بالطف يوم عاشوراء سنة إحدى و ستّين، و هو ابن خمس و خمسين سنة و ستّة أشهر، و حمل رأسه إلى يزيد بن معاوية، و كان قبره بكربلاء من سواد الكوفة، و قتله سنان بن أنس،قال الشاعر:و أيّ رزيّة عدلت حسينا * * * غداة تبيره كفّا سنانو يقال: قتله شمر بن ذي الجوشن الضبابي، و الذي اجتزّ رأسه ابن جوان اليمامي، و كان أمير الجيش الذي سار إلى الحسين عمر بن سعد، أمّره عليهم عبيد اللّه ابن زياد.و قال يرفعه إلى أشياخ قالوا: غزونا أرض الروم فإذا كتاب في كنيسة من كنائسهم بالعربيّة:أ ترجو أمّة قتلت حسينا * * * شفاعة جدّه يوم الحسابفقلنا للروم: من كتب هذا؟ قالوا: لا ندري.قال ابن سعد: قال الواقدي: قتل الحسين بن علي في صفر سنة إحدى و ستين و هو ابن خمس و خمسين سنة.و قال محمّد بن عمر عن أبي معشر: قتل الحسين بن علي لعشر خلون من المحرم سنة إحدى و ستين، قال الواقدي: و هذا أثبت.
[كشف الغمة في معرفة الأئمة] · موسوعة الغيبة والظهور