⟨و روى معاوية بن وهب عن سعيد السمان⟩
قال: كنت عند أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد (عليه السلام) إذ دخل عليه رجلان من الزيديّة، فقالا: أ فيكم إمام مفترض الطاعة؟ قال:فقال: لا، قال: فقالا: قد أخبرنا عنك الثقات أنّك تقول به، و سمّوا قوما و قالوا: هم أصحاب ورع و تشمير و هم ممّن لا يكذب، فغضب أبو عبد اللّه و قال: ما أمرتهم بهذا، فلمّا رأيا الغضب في وجهه خرجا، فقال لي: أ تعرف هذين؟ قلت: نعم و هما من أهل سوقنا و هما من الزيديّة و هما يزعمان أنّ سيف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عند عبد اللّه بن الحسن، فقال: كذبا لعنهما اللّه، و اللّه ما رآه عبد اللّه بن الحسن بعينيه و لا بواحدة من عينيه و لا رآه أبوه، اللهمّ إلّا أن يكون رآه عند علي بن الحسين (عليه السلام)، فإن كانا صادقين فما علامة في مقبضه و ما أثر في موضع مضربه، فإنّ عندي لسيف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و إنّ عندي لراية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و درعه و لامته و مغفره، فإن كانا صادقين فما علامة في درع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟و إنّ عندي لراية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المغلبة، و إنّ عندي ألواح موسى و عصاه، و إنّ عندي لخاتم سليمان، و إنّ عندي الطست التي كان يقرب موسى فيها القربان، و إنّ عندي الاسم الذي كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إذا وضعه بين706المسلمين و المشركين لم يصل من المشركين إلى المسلمين نشابة، و إنّ عندي لمثل الذي جاءت به الملائكة، و مثل السلاح فينا كمثل التابوت في بني إسرائيل، كان أيّ بيت وجد فيه التابوت على بابهم أوتوا النبوّة، و من صار السلاح إليه منّا أوتي الإمامة، و لقد لبس أبي درع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فخطت عليه الأرض خطيطا، و لبستها أنا فكانت و كانت، و قائمنا إذا لبسها ملأها إن شاء اللّه تعالى.و روى عمرو بن أبان قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عمّا يتحدّث الناس أنّه دفع إلى أم سلمة رحمة اللّه عليها صحيفة مختومة، فقال: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لمّا قبض و ورث أمير المؤمنين علي (عليه السلام) علمه و سلاحه ما هناك، ثمّ صار إلى الحسن، ثمّ صار إلى الحسين (عليهما السلام)، قال: فقلت: ثمّ صار إلى علي بن الحسين ثمّ إلى ابنه ثمّ انتهى إليك؟قال: نعم.و الأخبار في هذا المعنى كثيرة، و فيما أثبتناه منها كفاية في الغرض الذي نؤمّه إن شاء اللّه.و قال الشيخ المفيد رحمه اللّه تعالى: باب ذكر طرف من أخبار أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) و كلامه.قيل: إنّ جماعة من بني هاشم اجتمعوا بالأبواء و فيهم إبراهيم بن محمّد بن علي ابن عبد اللّه بن عباس و أبو جعفر المنصور، و صالح بن علي و عبد اللّه بن الحسن و ابناه محمّد و إبراهيم، و محمّد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان، فقال صالح بن علي: قد علمتم أنّكم الذين يمدّ الناس إليهم أعينهم، و قد جمعكم اللّه في هذا الموضع فاعقدوا لرجل منكم بيعة تعطونه إيّاها من أنفسكم و تواثقوا على ذلك حتّى اللّه و هو خير الفاتحين، فحمد اللّه عبد اللّه بن الحسن و أثنى عليه ثمّ قال: قد علمتم أنّ ابني هذا هو المهدي فهلمّ فلنبايعه، و قال أبو جعفر: لأيّ شيء تخدعون أنفسكم؟و اللّه لقد علمتم ما الناس إلى أحد أصور أعناقا و لا أسرع إجابة منهم إلى هذا الفتى- يريد محمّد بن عبد اللّه- قالوا: قد و اللّه صدقت، إنّ هذا الذي نعلم فبايعوا محمّدا جميعا و مسحوا على يده.707قال عيسى بن عبد اللّه بن محمّد: و جاء رسول عبد اللّه بن حسن إلى أبي أن آتنا فإنّا مجتمعون لأمر، و أرسل بذلك إلى جعفر بن محمّد (عليه السلام)، و قال غير عيسى: إنّ عبد اللّه بن الحسن قال لمن حضر: لا تريدوا جعفرا فإنّا نخاف أن يفسد عليكم أمركم، قال عيسى بن عبد اللّه بن محمّد: فأرسلني أبي أنظر ما اجتمعوا له، فجئتهم و محمّد بن عبد اللّه يصلّي على طنفسة رحل مثنية، فقلت لهم: أرسلني أبي إليكم أسألكم لأيّ شيء اجتمعتم؟ فقال عبد اللّه: اجتمعنا لنبايع المهدي محمّد بن عبد اللّه.قال: و جاء جعفر بن محمّد فأوسع له عبد اللّه بن حسن إلى جنبه فتكلّم بمثل كلامه، فقال جعفر بن محمّد: لا تفعلوا فإنّ هذا الأمر لم يأت بعد، إن كنت ترى أنّ ابنك هذا هو المهدي فليس به و لا هذا أوانه، و إن كنت إنّما تريد أن تخرجه غضبا للّه تعالى و ليأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر فإنّا و اللّه لا ندعك و أنت شيخنا و نبايع ابنك في هذا الأمر. فغضب عبد اللّه و قال: لقد علمت خلاف ما تقول، و و اللّه ما اطّلعك اللّه على غيبه، و لكنّك يحملك على هذا الحسد لا بني، فقال: و اللّه ما ذلك يحملني و لكن هذا و إخوته و أبناؤهم دونكم، و ضرب بيده على ظهر أبي العباس، ثمّ ضرب بيده على كتف عبد اللّه بن حسن و قال: إيها و اللّه ما هي إليك و لا إلى ابنك و لكنّها لهم، و إنّ ابنيك لمقتولان، ثمّ نهض و توكّأ على يد عبد العزيز بن عمران الزهري و قال: أ رأيت صاحب الرداء الأصفر- يعني أبا جعفر؟فقال له: نعم، فقال: إنّا و اللّه نجده يقتله، فقال له عبد العزيز: أ يقتل محمّدا؟ قال: نعم، قال: فقلت في نفسي: حسده و ربّ الكعبة، قال:ثمّ و اللّه ما خرجت من الدنيا حتّى رأيته قتلهما، قال: فلمّا قال جعفر ذلك و نهض القوم و افترقوا تبعه عبد الصمد و أبو جعفر فقالا: يا أبا عبد اللّه تقول هذا؟ قال: نعم أقوله و اللّه و أعلمه.و عن بجاد العابد قال: كان جعفر بن محمّد (عليهما السلام) إذا رأى محمّد بن عبد اللّه بن حسن تغرغرت عيناه ثمّ يقول: بنفسي هو إنّ الناس ليقولون فيه و إنّه لمقتول، ليس هو في كتاب علي من خلفاء هذه الامّة.708فصل: و هذا حديث مشهور كالذي قبله لا يختلف العلماء بالأخبار في صحّتهما، و هما ممّا يدلّان على إمامة أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام) و أنّ المعجزات كانت تظهر على يده لإخباره بالغائبات و الكائنات قبل كونها، كما كان يخبر الأنبياء (عليهم السلام)، فيكون ذلك من آياتهم و علامات نبوّتهم و صدقهم على ربّهم عزّ و جلّ.عن يونس بن يعقوب قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فورد عليه رجل من أهل الشام فقال له: إنّي رجل صاحب كلام وفقه و فرائض و قد جئت لمناظرة أصحابك، فقال له أبو عبد اللّه: كلامك هذا من كلام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو من عندك؟ فقال: من كلام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بعضه و من عندي بعضه، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): فأنت إذا شريك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟قال: لا، قال: فسمعت الوحي عن اللّه؟ قال: لا، قال: فتجب طاعتك كما تجب طاعة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟ قال: لا، فالتفت أبو عبد اللّه (عليه السلام) إليّ و قال: يا يونس ابن يعقوب، هذا رجل قد خصم نفسه قبل أن يتكلّم، ثمّ قال: يا يونس لو كنت تحسن الكلام كلّمته، قال يونس: فيا لها من حسرة، فقلت: جعلت فداك سمعتك تنهي عن الكلام و تقول: ويل لأصحاب الكلام يقولون: هذا ينقاد و هذا لا ينقاد، و هذا ينساق و هذا لا ينساق، و هذا نعقله و هذا لا نعقله، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّما قلت: ويل لقوم تركوا قولي و ذهبوا إلى ما يريدون، ثمّ قال: اخرج إلى الباب فانظر من ترى من المتكلّمين فأدخله.قال: فخرجت فوجدت حمران بن أعين و كان يحسن الكلام، و محمّد بن النعمان الأحول، و كان متكلّما، و هشام بن سالم، و قيس الماصر، و كانوا متكلّمين، فأدخلتهم عليه، فلمّا استقرّ بنا المجلس و كنّا في خيمة لأبي عبد اللّه (عليه السلام) على طرف جبل بالحرم و ذلك قبل أيام الحج بأيام، أخرج أبو عبد اللّه رأسه من الخيمة فإذا هو ببعير يخب، فقال: هشام و ربّ الكعبة، قال: فظننّا أنّ هشاما رجل من ولد عقيل كان شديد المحبّة لأبي عبد اللّه (عليه السلام)، فإذا هشام بن الحكم قد ورد و هو أوّل ما اختطّت لحيته، و ليس فينا إلّا هو أكبر سنّا منه، قال: فوسّع له أبو عبد اللّه (عليه السلام) و قال: ناصرنا بقلبه و لسانه709و يده، ثمّ قال لحمران: كلّم الرجل- يعني الشامي- فكلّمه حمران فظهر عليه، ثمّ قال:يا طاقي كلّمه، فكلّمه فظهر عليه محمّد بن النعمان، ثمّ قال: يا هشام بن سالم كلّمه، فتعارفا، ثمّ قال لقيس الماصر، كلّمه، فكلّمه.و أقبل أبو عبد اللّه (عليه السلام) يتبسّم من كلامهما و قد استخذل الشامي في يده، ثمّ قال للشامي: كلّم هذا الغلام- يعني هشام بن الحكم- فقال له: نعم، ثمّ قال الشامي لهشام: يا غلام سلني في إمامة هذا- يعني أبا عبد اللّه (عليه السلام) - فغضب هشام حتّى أرعد، ثمّ قال: يا هذا ربّك أنظر لخلقه أم هم لأنفسهم؟ فقال الشامي: بل ربّي أنظر لخلقه، قال: ففعل لهم بنظره في دينهم ما ذا؟ قال: كلّفهم و أقام لهم حجّة و دليلا على ما كلّفهم، و أزاح في ذلك عللهم، فقال له هشام: فما هذا الدليل الذي نصبه لهم؟قال الشامي: هو رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، قال له هشام: فبعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من؟ قال: الكتاب و السنّة، فقال له هشام: فهل نفعنا اليوم الكتاب و السنّة فيما اختلفنا فيه حتّى رفعا عنّا الاختلاف و مكّنانا من الاتّفاق؟ قال: الشامي نعم، قال له هشام: فلم اختلفنا نحن و أنت و جئتنا من الشام تخالفنا، و تزعم أنّ الرأي طريق الدين و أنت مقرّ بأنّ الرأي لا يجمع على القول الواحد المختلفين، فسكت الشامي كالمفكّر.فقال له أبو عبد اللّه: ما لك لا تتكلّم؟ قال: إن قلت إنّا ما اختلفنا كابرت، و إن قلت إنّ الكتاب و السنّة ترفعان بيننا الاختلاف أبطلت لأنّهما يحتملان الوجوه، و لكن لي عليه مثل ذلك، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام) سله تجده مليّا، فقال الشامي لهشام: من أنظر للخلق، ربّهم أم أنفسهم؟ قال هشام: بل ربّهم أنظر لهم، فقال الشامي: فهل أقام لهم من يجمع كلمتهم و يرفع اختلافهم و يبيّن لهم حقّهم من باطلهم؟ قال هشام: نعم، قال:من هو؟ قال هشام: أمّا في ابتداء الشريعة فرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و أمّا بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فغيره، قال الشامي: و من هو غير النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) القائم مقامه في حجّته؟ قال هشام: في وقتنا هذا أم قبله؟ قال الشامي: بل في وقتنا هذا، قال هشام: هذا الجالس- يعني أبا عبد اللّه (عليه السلام) الذي تشدّ إليه الرحال، و يخبرنا بأخبار السماء وارثة عن أب عن جد، قال الشامي: و كيف لي بعلم ذلك؟ قال له هشام: سله عمّا بدا لك، قال الشامي: قطعت عذري فعليّ السؤال.فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): أنا أكفيك المسألة يا شامي، أخبرك عن مسيرك و سفرك، خرجت يوم كذا و كان مسيرك على طريقك كذا، و مرّ بك كذا، و مررت على كذا، فأقبل710الشامي و كلّما وصف له شيئا من أمره يقول له: صدق و اللّه، ثمّ قال: أسلمت للّه الساعة، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): بل آمنت باللّه الساعة لأنّ الإسلام قبل الإيمان، و عليه يتوارثون و يتناكحون و الإيمان عليه يثابون. قال الشامي: صدقت فأنا الساعة أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه و أنّك وصيّ الأوصياء.و هذا الخبر مع ما فيه من إثبات حجّة النظر و دلالة الإمامة يتضمّن من المعجز لأبي عبد اللّه (عليه السلام) بالخبر عن الغائب، مثل الذي يتضمّنه الخبران المتقدّمان، و يوافقهما في معنى البرهان.و روي أنّه اجتمع نفر من الزنادقة فيهم ابن أبي العوجاء و ابن طالوت و ابن الأعمى و ابن المقفّع و أصحابهم كانوا مجتمعين في الموسم بالمسجد الحرام، و أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام) إذ ذاك يفتي الناس و يفسّر لهم القرآن و يجيب عن المسائل بالحجج و البيّنات، فقال القوم لابن أبي العوجاء: هل لك في تغليط هذا الجالس و سؤاله عمّا يفضحه عند هؤلاء المحيطين به؟ فقد ترى فتنة الناس به و هو علامة زمانه، فقال لهم ابن أبي العوجاء: نعم، ثمّ تقدّم ففرّق الناس و قال: يا أبا عبد اللّه إنّ المجالس أمانات، و لا بدّ لكلّ من كان به سعال أن يسعل، أ فتأذن في السؤال؟فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): سل إن شئت، فقال له ابن أبي العوجاء: إلى كم تدوسون هذا البيدر، و تلوذون بهذا الحجر، و تعبدون هذا البيت المرفوع بالطين و المدر، و تهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر؟ من فكّر في هذا و قدر علم أنّه فعل غير حكيم و لا ذي نظر، فقال:إنّك رأس هذا الأمر و سنامه، و أبوك أسّه و نظامه.فقال له الصادق (عليه السلام): إنّ من أضلّه اللّه و أعمى قلبه استوخم الحق فلم يستعذ به، و صار الشيطان وليّه و ربّه يورده مناهل الهلكة، و هذا بيت استعبد اللّه به خلقه ليختبر طاعتهم في إتيانه، فحثّهم على تعظيمه و زيارته، و جعله قبلة للمصلّين له فهو شعبة من رضوانه، و طريق يؤدّي إلى غفرانه، منصوب على استواء الكمال و مجمع العظمة و الجلال، خلقه اللّه قبل دحو الأرض بألفي عام، فأحق من أطيع كما أمر، و انتهى عمّا زجر اللّه المنشئ للأرواح و الصور، فقال ابن أبي العوجاء: ذكرت أبا عبد اللّه فأحلت على غائب.فقال الصادق (عليه السلام): كيف يكون يا ويلك غائبا من هو مع خلقه شاهد (و شهيد) و إليهم أقرب من حبل الوريد، يسمع كلامهم و يعلم أسرارهم و لا يخلو منه مكان، و لا711يشتغل به مكان، و لا يكون من مكان أقرب من مكان، تشهد له بذلك آثاره، و تدلّ عليه أفعاله، و الذي بعثه بالآيات المحكمة و البراهين الواضحة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) جاءنا بهذه العبادة فإن شككت في شيء من أمره فاسأل عنه أوضحه لك، قال: فأبلس ابن أبي العوجاء، و لم يدر ما يقول، فانصرف من بين يديه فقال لأصحابه: سألتكم أن تلتمسوا لي خمرة فألقيتموني على جمرة، فقالوا له: أسكت فو اللّه لقد فضحتنا بحيرتك و انقطاعك، و ما رأينا أحقر منك اليوم في مجلسه، فقال: ألي تقولون هذا؟ إنّه ابن من حلّق رءوس من ترون، و أومأ بيده إلى أهل الموسم.و روى أنّ أبا شاكر الديصاني وقف ذات يوم على مجلس أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال له: إنّك لأحد النجوم الزواهر، و كان آباؤك بدور بواهر، و أمّهاتك عقيلات عباهر، و عنصرك من أكرم العناصر، و إذا ذكر العلماء فعليك تثنى الخناصر، فخبّرنا أيّها البحر الزاخر، ما الدليل على حدوث العالم؟ فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّ أقرب الدليل على ذلك ما أذكره لك، ثمّ دعا ببيضة فوضعها في راحته، و قال: هذا حصن ملموم، داخله غرقئ رقيق، يطيف به كالفضّة السائلة، و الذهبة المائعة، أ تشك في ذلك؟قال أبو شاكر: لا شك فيه، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ثمّ إنّه ينفلق عن صورة كالطاووس، أدخله شيء غير ما عرفت؟ قال: لا، قال: فهذا دليل على حدوث العالم.فقال أبو شاكر: دللت أبا عبد اللّه فأوضحت، و قلت فأحسنت، و ذكرت فأوجزت، و قد علمت إنّا لا نقبل إلّا ما أدركناه بأبصارنا، و سمعناه بآذاننا، أو ذقناه بأفواهنا، أو شممناه بأنوفنا، أو لمسناه ببشرنا، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ذكرت الحواس الخمس و هي لا تنفع في الاستنباط إلّا بدليل، كما لا تقطع الظلمة بغير مصباح.يريد (عليه السلام) أنّ الحواس بغير عقل لا توصل إلى معرفة الغائبات، و إنّ الذي أراه من حدوث الصورة معقول بنى العلم به على محسوس.و ممّا حفظ عنه (عليه السلام) في وجوب المعرفة باللّه عزّ و جلّ و بدينه قوله: وجدت علم الناس كلّهم في أربع:712أوّلها أن تعرف ربّك.و الثاني أن تعرف ما صنع بك.و الثالث أن تعرف ما أراد منك.و الرابع أن تعرف ما يخرجك من دينك.و هذه أقسام تحيط بالمفروض من المعارف، لأنّه أوّل ما يجب على العبد معرفة ربّه جلّ جلاله، فإذا علم أنّ له إلها وجب أن يعرف صنعه إليه، فإذا عرف صنعه عرف به نعمته، فإذا عرف نعمته وجب عليه شكره، فإذا أراد تأدية شكره وجب عليه معرفة مراده ليطيعه بفعله، فإذا وجبت طاعته وجب عليه معرفة ما يخرجه من دينه ليجتنبه فتخلص لربّه طاعته و شكر إنعامه.و ممّا حفظ عنه (عليه السلام) في التوحيد و نفي التشبيه قوله لهشام بن الحكم: إنّ اللّه لا يشبه شيئا و لا يشبهه شيء، و كلّ ما وقع في الوهم فهو بخلافه.و ممّا حفظ عنه (عليه السلام) من موجز القول في العدل قوله لزرارة بن أعين: يا زرارة أعطيك جملة في القضاء و القدر؟ قال: نعم جعلت فداك، قال: إنّه إذا كان يوم القيامة و جمع اللّه الخلائق سألهم عمّا عهد إليهم و لم يسألهم عمّا قضى عليهم.و ممّا حفظ عنه (عليه السلام) في الحكمة و الموعظة قوله: ما كلّ من نوى شيئا قدر عليه، و لا كلّ من قدر على شيء وفّق له، و لا كلّ من وفّق أصاب له موضعا، فإذا اجتمعت النيّة و القدرة و التوفيق و الإصابة فهنالك تمّت السعادة.و ممّا حفظ عنه (عليه السلام) في الحثّ على النظر في دين اللّه عزّ و جلّ و المعرفة لأولياء اللّه عزّ و جلّ قوله (عليه السلام): أحسنوا النظر فيما لا يسعكم جهله، و انصحوا لأنفسكم و جاهدوها في طلب معرفة ما لا عذر لكم في جهله، فإنّ لدين اللّه أركانا لا ينفع من جهلها شدّة اجتهاده في طلب ظاهر عبادته، و لا يضرّ من عرفها، فدان حسن اقتصاده و لا سبيل لأحد إلى ذلك إلّا بعون من اللّه تعالى.و ممّا حفظ عنه (عليه السلام) في الحثّ على التوبة قوله (عليه السلام): تأخير التوبة اغترار، و طول التسويف حيرة، و الاعتلال على اللّه هلكة، و الإصرار على الدنيا أمن لمكر اللّه، و لا ﴿يأمن مكر اللّه إلّا القوم الخاسرون﴾.و الأخبار فيما حفظ عنه (عليه السلام) من العلم و الحكمة و البيان و الحجّة و الزهد و الموعظة و فنون العلم كلّه أكثر من أن يحصى بالخطاب، أو يحوى بالكتاب، و فيما713أثبتناه منه كفاية في الغرض الذي قصدناه و اللّه الموفّق للصواب.و فيه (عليه السلام) يقول السيّد ابن محمّد الحميري، و قد رجع عن قوله بمذهب الكيسانيّة لمّا بلغه إنكار أبي عبد اللّه مقاله، و دعاؤه له إلى القول بنظام الإمامة.أيا راكبا نحو المدينة جسرة * * * عذافرة تطوى له كلّ سبسب إذا ما هداك اللّه عاينت جعفرا * * * فقل لوليّ اللّه و ابن المهذّبألا يا ولي اللّه و ابن وليّه * * * أتوب إلى الرحمن ثمّ تأوّبيإليك من الذنب الذي كنت مطنبا * * * أجاهد فيه دائبا كلّ معربو ما كان قولي في ابن خولة دائبا * * * معاندة منّي لنسل المطيّبو لكن روينا عن وصيّ محمّد * * * و لم يك فيما قال بالمتكذّببأنّ وليّ اللّه يفقد لا يرى * * * سنين كفعل الخائف المترقّبفتقسم أموال الفقيد كأنّما * * * نغيبه بين الصفيح المنصب فإذ قلت لا فالحق قولك فالذي * * * تقول فحتم غير ما متعصّببأنّ وليّ اللّه و القائم الذي * * * تطلع نفسي نحوه و تطرّبيله غيبة لا بدّ أن سيغيبها * * * فصلّى عليه اللّه من متغيّبو في هذا الشعر دليل على رجوع السيّد رحمه اللّه عن مذهب الكيسانيّة و قوله بإمامة الصادق جعفر بن محمّد (عليه السلام)، و وجود الدعوة ظاهر من الشيعة في أيّام أبي عبد اللّه (عليه السلام) إلى إمامته، و القول بإمامة صاحب الزمان و غيبته (عليه السلام) و إنّها إحدى علاماته و هو صريح قول الإماميّة الاثنى عشرية.قلت: رجوع السيّد عن كيسانيّته بقول الصادق (عليه السلام) أمر مشهور، و بألسنة الرواة و نقلة الآثار مذكور، في ديوان شعره مثبت مسطور، و في صحائف الدهر مرقوم مزبور، و كفى قوله شاهدا على صحّة هذه الدعوى (تجعفرت باسم اللّه و اللّه أكبر)، و هي مشهورة منقولة.714و قال المفيد رحمه اللّه:) باب ذكر أولاد أبي عبد اللّه (عليه السلام) و عددهم و أسمائهم و طرف من أخبارهم: و كان لأبي عبد اللّه (عليه السلام) عشرة أولاد: إسماعيل، و عبد اللّه، و أم فروة و أمّهم فاطمة بنت الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، و موسى (عليه السلام) و إسحاق و محمّد لام ولد، و العباس و علي و أسماء و فاطمة لامّهات أولاد شتّى.و كان إسماعيل أكبر إخوته و كان أبوه (عليه السلام) شديد المحبّة له و البرّ به و الإشفاق عليه، و كان قوم من الشيعة يظنّون أنّه القائم بعد أبيه، و الخليفة له من بعد إذ كان أكبر إخوته سنّا، و لميل أبيه إليه و إكرامه له، فمات في حياة أبيه (عليه السلام) بالعريض، و حمل على رقاب الرجال إلى أبيه بالمدينة حتّى دفن بالبقيع، و روي أنّ أبا عبد اللّه (عليه السلام) جزع عليه جزعا شديدا، و حزن عليه حزنا عظيما، و تقدم سريره بغير حذاء و لا رداء، و أمر بوضع سريره على الأرض قبل دفنه مرارا كثيرة، و كان يكشف عن وجهه و ينظر إليه يريد بذلك تحقيق أمر وفاته عند الظانّين خلافته له من بعده، و إزالة الشبهة عنهم في حياته.و لمّا مات إسماعيل رحمه اللّه انصرف عن القول بإمامته بعد أبيه من كان يظنّ ذلك فيعتقده من أصحاب أبيه (عليه السلام)، و أقام على حياته شر ذمة لم تكن من خاصّة أبيه، و لا من الرواة عنه، و كانوا من الأباعد و الأطراف.فلمّا مات الصادق (عليه السلام) انتقل فريق منهم إلى القول بإمامة موسى (عليه السلام) بعد أبيه، و افترق الباقون فرقتين: فرقة منهم رجعوا عن حياة إسماعيل و قالوا بإمامة ابنه محمّد ابن إسماعيل لظنّهم أنّ الإمامة كانت في أبيه و أنّ الابن أحقّ بمقام الإمامة من الأخ، و فريق ثبتوا على حياة إسماعيل، و هم اليوم شذاذ لا يعرف اليوم منهم أحد يومئ إليه، و هذان الفريقان يسمّيان الإسماعيليّة، و المعروف منهم الآن يقولون: إنّ الإمامة في إسماعيل، و من بعده في ولده و ولد ولده إلى آخر الزمان.و كان عبد اللّه بن جعفر أكبر إخوته بعد إسماعيل، و لم تكن منزلته عند أبيه منزلة غيره من ولده في الإكرام، و كان متّهما بالخلاف على أبيه في الاعتقاد، و يقال: إنّه كان يخالط الحشويّة و يميل إلى المرجئة، و ادّعى بعد أبيه الإمامة، و احتج بأنّه أكبر إخوته715الباقين فأتبعه على قوله جماعة من أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام)، ثمّ رجع أكثرهم بعد ذلك إلى القول بإمامة أخيه موسى (عليه السلام) لمّا تبيّنوا ضعف دعواه، و قوّة أمر أبي الحسن (عليه السلام) و دلائل حقّه، و براهين إمامته، و أقام نفر يسير منهم على أمرهم و دانوا بإمامة عبد اللّه و هم الفطحيّة، و إنّما لزمهم هذا اللقب لقولهم بإمامة عبد اللّه و كان أفطح الرجلين أي عريضهما، و يقال: إنّهم إنّما لقّبوا بذلك لأنّ داعيتهم إلى إمامة عبد اللّه كان يقال له عبد اللّه بن أفطح، و كان إسحاق بن جعفر من أهل الفضل و الصلاح و الورع و الاجتهاد.و روى عنه الناس الحديث و الآثار، و كان ابن كاسب إذا حدّث عنه يقول:حدّثني ثقة الرضا إسحاق بن جعفر، و كان إسحاق يقول بإمامة أخيه موسى (عليه السلام)، و روى عن أبيه النص بالإمامة على أخيه موسى (عليه السلام)، و كان محمّد بن جعفر سخيّا شجاعا، و كان يصوم يوما و يفطر يوما، و رأى رأي الزيديّة في الخروج بالسيف.
[كشف الغمة في معرفة الأئمة] · موسوعة الغيبة والظهور