⟨و عن الوشاء قال: حدّثني محمّد بن يحيى عن وصي علي بن السري⟩
قال: قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام): إنّ علي بن السري توفي و أوصى إليّ، فقال: رحمه اللّه، فقلت: و إنّ ابنه جعفرا وقع على أم ولد له و أمرني أن أخرجه من الميراث، فقال لي: أخرجه و إن كان صادقا فسيصيبه خبل، قال: فرجعت فقدمني إلى أبي يوسف القاضي، فقال له: أصلحك اللّه أنا جعفر بن علي بن السري و هذا وصي أبي، فمره أن يدفع إليّ ميراثي من أبي، فقال: ما تقول؟ قلت: نعم هذا جعفر و أنا وصي أبيه، قال:فادفع إليه ماله، فقلت له: أريد أن أكلّمك، فقال: أدنه، فدنوت حيث لا يسمع أحد كلامي، فقلت: هذا وقع على أم ولد لأبيه فأمرني أبوه و أوصاني أن أخرجه من الميراث و لا أورّثه شيئا، فأتيت موسى بن جعفر (عليهما السلام) بالمدينة فأخبرته و سألته فأمرني أن أخرجه من الميراث و لا أورّثه شيئا، قال: فقال: اللّه! إنّ أبا الحسن أمرك بذلك؟ قلت:نعم، فاستحلفني ثلاثا و قال: أنفذ ما أمرك به، فالقول قوله، قال الوصي: و أصابه الخبل بعد ذلك، قال الحسن بن علي الوشاء: رأيته على ذلك.و عن عيسى المدائني قال: خرجت سنة إلى مكة فأقمت بها ثمّ قلت: أقيم بالمدينة مثل ما أقمت بمكة، فهو أعظم لثوابي، فقدمت المدينة فنزلت طرف المصلّى إلى جنب دار أبي ذر، فجعلت أختلف إلى سيّدي، فأصابنا مطر شديد بالمدينة،769فأتينا أبا الحسن (عليه السلام) يوما فسلّمنا عليه و إنّ السماء تهطل، فلمّا دخلت ابتدأني فقال لي: و عليك السلام يا عيسى ارجع فقد انهدم بيتك على متاعك، فانصرفت فإذا البيت قد انهدم على المتاع، فاكتريت قوما يكشفون عن متاعي فاستخرجته فما ذهب لي شيء و لا افتقدته غير سطل كان لي، فلمّا أتيته من الغد مسلّما عليه، قال: هل فقدت شيئا من متاعك فندعو اللّه لك بالخلف؟ فقلت: ما فقدت شيئا غير سطل كان لي أتوضّأ فيه فقدته، فأطرق مليّا ثمّ رفع رأسه إليّ فقال لي: قد ظننت أنّك أنسيته فسل جارية ربّ الدار و قل لها: أنت رفعت السطل فردّيه فإنّها ستردّه عليك، فلمّا انصرفت أتيت جارية ربّ الدار فقلت لها: إنّي أنسيت سطلا في الخلاء و دخلت فأخذتيه فردّيه أتوضّأ فيه، قال: فردّته.قال علي بن أبي حمزة: كنت عند أبي الحسن (عليه السلام) جالسا إذ أتاه رجل من الري يقال له جندب، فسلّم عليه ثمّ جلس فسأل أبا الحسن فأكثر السؤال ثمّ قال له: يا جندب ما فعل أخوك؟ فقال: الخير و هو يقرئك السلام، فقال له: أعظم اللّه أجرك في أخيك، فقال له: ورد إليّ كتابه من الكوفة لثلاثة عشر يوما بالسلامة؟ فقال له: يا جندب و اللّه مات بعد كتابه إليك بيومين، و دفع إلى امرأته مالا و قال لها: ليكن هذا المال عندك فإذا قدم أخي فادفعيه إليه و قد أودعته في الأرض في البيت الذي كان يسكنه فإذا أنت أتيتها فتلطف لها و أطمعها في نفسك، فإنّها ستدفعه إليك، قال عليّ: و كان جندب رجلا جميلا، قال علي: فلقيت جندبا بعد ما فقد أبو الحسن (عليه السلام) فسألته عمّا كان قال أبو الحسن، فقال: يا علي صدق و اللّه سيّدي ما زاد و لا نقص لا في الكتاب و لا في المال.و عن خالد قال: خرجت و أنا أريد أبا الحسن (عليه السلام) فدخلت عليه و هو في عرصة داره جالس، فسلّمت عليه و جلست و قد كنت أتيته لأسأله عن رجل من أصحابنا كنت سألته حاجة فلم يفعل، فالتفت إليّ و قال: ينبغي لأحدكم إذا لبس الثوب الجديد أن يمرّ يده عليه و يقول: الحمد للّه الذي كساني ما أواري به عورتي، و أتجمّل به بين الناس، و إذا أعجبه شيء فلا يكثر ذكره، فإنّ ذلك ممّا يهدّه، و إذا كانت لأحدكم إلى770أخيه حاجة أو وسيلة لا يمكنه قضاؤها فلا يذكره إلّا بخير فإنّ اللّه يوقع ذلك في صدره فيقضي حاجته، قال: فرفعت رأسي و أنا أقول: لا إله إلّا اللّه، فالتفت إليّ و قال: يا خالد اعمل ما أمرتك.و عن إسحاق بن عمّار قال: سمعت العبد الصالح ينعى إلى رجل نفسه، فقلت في نفسي: و إنّه ليعلم متى يموت الرجل من شيعته! فالتفت إليّ شبه المغضب فقال: يا إسحاق قد كان رشيد الهجري و كان من المستضعفين يعلم علم المنايا و البلايا، فالإمام أولى بذلك، يا إسحاق اصنع ما أنت صانع فعمرك قد فني و أنت تموت إلى سنتين و إخوتك و أهل بيتك لا يلبثون من بعد إلّا يسيرا حتّى تفترق كلمتهم، و يخون بعضهم بعضا و يصيرون لإخوانهم و من يعرفهم رحمة حتّى يشمت بهم عدوّهم.قال إسحاق: فإنّي أستغفر اللّه ممّا عرض في صدري، فلم يلبث إسحاق بعد هذا المجلس إلّا سنتين حتّى مات، ثمّ ما ذهبت الأيّام حتّى قام بنو عمّار بأموال الناس و أفلسوا أقبح إفلاس رآه الناس، فجاء ما قال أبو الحسن (عليه السلام) فيهم، ما غادر قليلا و لا كثيرا.قال هشام بن الحكم: أردت شراء جارية بمنى، و كتبت إلى أبي الحسن أشاوره فلم يرد عليّ جوابا، فلمّا كان في الطواف مرّ بي يرمي الجمار على حمار فنظر إليّ و إلى الجارية من بين الجواري ثمّ أتاني كتابه لا أرى بشرائها بأسا إن لم يكن في عمرها قلّة، قلت: لا و اللّه ما قال لي هذا الحرف إلّا و هاهنا شيء، لا و اللّه لا أشتريها، قال: فما خرجت من مكّة حتّى دفنت.قلت: و ظاهر المعنى أنّه كان ضعيفا في العلم و الإيمان و غير ذلك بالنسبة إلى الإمام و يفهم ذلك من قوله (عليه السلام): فالإمام أولى بذلك.771و عن الوشاء قال: حدّثني الحسن بن علي قال: حججت أنا و خالي إسماعيل ابن إلياس فكتبت إلى أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) و كتب خالي إنّ لي بنات و ليس لي ذكر، و بقد قتل رجالنا و قد خلفت امرأتي حاملا فادع اللّه أن يجعله غلاما و سمّه، فوقع في الكتاب: قد قضى اللّه حاجتك فسمّه محمّدا، فقدمنا إلى الكوفة و قد ولد له غلام قبل وصولنا إلى الكوفة بستّة أيّام، و دخلنا يوم سابعه فقال أبو محمّد: هو و اللّه اليوم رجل و له أولاد.حدّث إسماعيل بن موسى قال: كنّا مع أبي الحسن (عليه السلام) في عمرة فنزلنا بعض قصور الامراء و أمر بالرحيل، فشدّت المحامل و ركب بعض الغلمان، و كان أبو الحسن (عليه السلام) في بيت فخرج فقام على بابه فقال: حطّوا حطّوا، قال إسماعيل: و هل ترى شيئا؟ فقال: إنّه ستأتيكم ريح سوداء مظلمة ترمح بعض الإبل فحطّوا، و جاءت ريح سوداء.قال إسماعيل بن موسى: فأشهد لقد رأيت جملا كان لي عليه كنيسة كنت أركب فيها أنا و أحمد أخي و لقد قام ثمّ سقط على جنبه بالكنيسة.و عن زكريّا بن آدم قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: كان أبي ممّن تكلّم في المهد.و عن الأصبغ بن موسى قال: بعث معي رجل من أصحابنا إلى أبي إبراهيم (عليه السلام) بمائة دينار، و كانت معي بضاعة لنفسي و بضاعة له، فلمّا دخلت المدينة صببت عليّ الماء و غسلت بضاعتي و بضاعة الرجل و ذررت عليها مسكا، ثمّ إنّي عددت بضاعة الرجل فوجدتها تسعة و تسعين دينارا، فأعدت عدّها و هي كذلك، فأخذت دينارا آخر لي فغسّلته و ذررت عليه المسك و أعدتها في صرّة كما كانت و دخلت عليه في الليل، فقلت له: جعلت فداك إنّ معي شيئا أتقرّب به إلى اللّه تعالى، فقال: هات، فناولته دنانيري و قلت له: جعلت فداك إنّ فلانا مولاك بعث إليك معي بشيء، فقال: هات، فناولته الصرّة، قال: صبّها، فصببتها فنثرها بيده و أخرج ديناري، ثمّ قال: إنّما بعث إلينا و زنا و لا عددا.و روى هشام بن أحمر أنّة ورد تاجر من المغرب و معه جوار فعرضهنّ على772أبي الحسن (عليه السلام) فلم يختر منهنّ، و قال: أرنا، فقال: عندي أخرى و هي مريضة، فقال: ما عليك أن تعرضها، فأبى، فانصرف ثمّ إنّه أرسلني من الغد إليه و قال: قل له: كم غايتك فيها؟ قال: ما أنقصها من كذا و كذا، فقلت: قد أخذتها و هو لك، فقال: و هي لك، و لكن من الرجل؟ فقلت: رجل من بني هاشم، فقال: من أي بني هاشم؟ فقلت: ما عندي أكثر من هذا، فقال: أخبرك عن هذه الوصيفة أنّي اشتريتها من أقصى المغرب، فلقيتني امرأة من أهل الكتاب فقالت: ما هذه الوصيفة معك؟ فقلت: اشتريتها لنفسي، فقالت:ما ينبغي أن تكون هذه عند مثلك، إنّ هذه الجارية ينبغي أن تكون عند خير أهل الأرض، و لا تلبث عنده إلّا قليلا حتّى تلد منه غلاما ما يولد بشرق الأرض و لا غربها مثله، يدين له شرق الأرض و غربها، قال: فأتيته بها فلم تلبث إلّا قليلا حتّى ولدت عليّا الرضا (عليه السلام).و عن أبي حمزة قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: لا و اللّه لا يرى أبو جعفر بيت اللّه أبدا، فقدمت الكوفة فأخبرت أصحابنا (بذلك ظ) فلم يلبث أن خرج، فلمّا بلغ الكوفة قال لي أصحابنا في ذلك، فقلت: لا و اللّه لا يرى بيت اللّه أبدا، فلمّا صار في البستان اجتمعوا إليّ أيضا و قالوا: بقي بعد هذا شيء؟ فقلت: لا و اللّه لا يرى بيت اللّه أبدا، فلمّا نزل بئر ميمون أتيت أبا الحسن (عليه السلام) فوجدته قد سجد و أطال السجود ثمّ رفع رأسه إليّ فقال: أخرج فانظر ما يقول الناس: فخرجت فسمعت الواعية على أبي جعفر، فرجعت فأخبرته فقال: اللّه أكبر ما كان ليرى بيت اللّه أبدا.و عن عثمان بن عيسى قال: قال أبو الحسن (عليه السلام) لإبراهيم بن عبد الحميد و لقيه سحرا و إبراهيم ذاهب إلى قبا و ابو الحسن داخل المدينة، قال: يا إبراهيم، قلت: لبيك، قال: إلى أين؟ قلت: إلى قبا، قال: في أي شيء؟ قلت: إنّا كنّا نشتري في كلّ سنة هذا التمر، فأردت أن آتي رجلا من الأنصار لأشتري من التمر، قال: و قد أمنتم الجراد؟ ثمّ دخل و مضيت أنا، فأخبرت أبا الأعز و قلت: و اللّه لا أشتري العام نخلة، فما مرّت بنا خامسة حتّى بعث اللّه جرادا فأكل عامة ما في النخيل.و عن إبراهيم بن مفضل بن قيس قال: سمعت أبا الحسن الأوّل (عليه السلام) و هو773يحلف أنّه لا يكلّم محمّد بن عبد اللّه الأرقط أبدا، فقلت في نفسي: هذا يأمر بالبر و الصلة و يحلف أن لا يكلّم ابن عمّه، قال: فقال: هذا من بري به و هو لا يصبر أن يذكرني و يعيبني، فإذا علم الناس أنّي لا أكلّمه لا يقبلون منه، أمسك عن ذكري و كان خيرا له.و عن محمّد بن سنان قال: قبض أبو الحسن (عليه السلام) و هو ابن خمس و خمسين سنة في عام ثلاث و ثمانين و مائة، عاش بعد أبيه خمسا و ثلاثين سنة.[ما ذكره الراوندي من معجزاته ع]قال الراوندي رحمه اللّه تعالى: الباب الثامن في معجزات موسى بن جعفر (عليهما السلام):عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: قال أبي موسى بن جعفر (عليهما السلام) لعلي بن أبي حمزة مبتدئا: إنّك لتلقى رجلا من أهل المغرب يسألك عنّي، فقل: هو الإمام الذي قال لنا أبو عبد اللّه الصادق (عليه السلام)، فإذا سألك عن الحلال و الحرام فأجبه، قال: فما علامته؟قال (عليه السلام): رجل طويل جسيم اسمه يعقوب بن يزيد و هو رائد قومه، و إن أراد الدخول إليّ فأحضره عندي. قال علي بن أبي حمزة: فو اللّه إنّي لفي الطواف إذ أقبل رجل جسيم طويل فقال لي: عن موسى بن جعفر (عليهما السلام)، قلت: فما اسمك؟ قال: يعقوب بن يزيد، قلت: من أين أنت؟ قال: من المغرب، قلت: من أين عرفتني؟ قال: أتاني آت في منامي فقال لي: ألق علي بن أبي حمزة فسله عن جميع ما تحتاج إليه، فسألت عنك فدللت عليك، فقلت: أقعد في هذا الموضع حتّى أفرغ من طوافي و أعود إليك.فطفت ثمّ أتيته فكلّمته فرأيته رجلا عاقلا فطنا، فالتمس منّي الوصول إلى موسى بن جعفر (عليهما السلام)، فأوصلته، فلمّا رآه قال: يا يعقوب بن يزيد قدمت أمس و وقع بينك و بين أخيك خصومة في موضع كذا حتّى تشاتمتما، و ليس هذا من ديني و لا من دين آبائي، فلا نأمر بهذا أحدا من شيعتنا، فاتّق اللّه فإنّكما ستفترقان عن قريب بموت، فأمّا أخوك فيموت في سفرته هذه قبل أن يصل إلى أهله، و تندم أنت على ما كان منك إليه فإنّكما تقاطعتما و تدابرتما، فقطع اللّه عليكما أعماركما.فقال الرجل: يا بن رسول اللّه فأنا متى يكون أجلي؟ قال: كان قد حضر أجلك، فوصلت عمّتك بما وصلتها في منزل كذا و كذا، فنسأ اللّه في أجلك عشرين حجة. قال علي بن أبي حمزة: فلقيت الرجل من قابل بمكة فأخبرني أنّ أخاه توفي و دفنه في الطريق قبل أن يصل إلى أهله.774و منها أنّ المفضل بن عمر قال: لمّا مضى الصادق كانت وصيّته إلى موسى الكاظم (عليهما السلام)، فادّعى أخوه عبد اللّه الإمامة و كان أكبر ولد جعفر في وقته ذلك و هو المعروف بالأفطح، فأمر موسى بجمع حطب كثير في وسط داره و أرسل إلى أخيه عبد اللّه يسأله أن يصير إليه، فلمّا صار إليه و مع موسى جماعة من الإماميّة، فلمّا جلس موسى أمر بطرح النار في الحطب فاحترق و لا يعلم الناس السبب فيه حتّى صار الحطب كلّه جمرا، ثمّ قام موسى و جلس بثيابه في وسط النار و أقبل يحدّث الناس ساعة، ثمّ قام فنفض ثوبه و رجع إلى المجلس فقال لأخيه عبد اللّه: إن كنت تزعم أنّك الإمام بعد أبيك فاجلس في ذلك المجلس، قالوا: فرأينا عبد اللّه قد تغيّر لونه و قام يجرّ رداءه حتّى خرج من دار موسى (عليه السلام).و منها ما قال بدر مولى الرضا: إنّ إسحاق بن عمّار دخل على موسى بن جعفر (عليهما السلام) فجلس عنده إذ استأذن عليه رجل خراساني فكلّمه بكلام لم يسمع مثله كأنّه كلام الطير، قال إسحاق: فأجابه موسى بمثله و بلغته إلى أن قضى وطره من مساءلته و خرج من عنده، فقلت: ما سمعت بمثل هذا الكلام، قال: هذا كلام قوم من أهل الصين و ليس كل كلام أهل الصين مثله، ثمّ قال: أتعجب من كلامي؟ قلت: هو موضع العجب، قال: أخبرك بما هو أعجب منه، إنّ الإمام يعلم منطق الطير و نطق كلّ ذي روح خلقه اللّه و ما يخفى على الإمام شيء.و منها ما قال علي بن أبي حمزة: أخذ بيدي موسى بن جعفر يوما فخرجنا من المدينة إلى الصحراء فإذا نحن برجل مغربي على الطريق يبكي و بين يديه حمار ميّت، و رحله مطروح، فقال له موسى: ما شأنك؟ قال: كنت مع رفقائي نريد الحج فمات حماري هاهنا، و بقيت و مضى أصحابي و قد بقيت متحيّرا ليس لي شيء أحمل عليه، فقال له موسى: لعلّه لم يمت، قال: أ ما ترحمني حتّى تلهو بي؟ قال: إنّ عندي رقية جيدة، قال الرجل: ما يكفيني ما أنا فيه حتّى تستهزئ بي، فدنا موسى (عليه السلام) من الحمار و دعا بشيء لم أسمعه، و أخذ قضيبا كان مطروحا فنخسه به و صاح عليه، فوثب قائما صحيحا سليما، فقال: يا مغربي ترى هاهنا شيئا من الاستهزاء؟الحق بأصحابك؟و مضينا و تركناه.775قال علي بن أبى حمزة: فكنت واقفا يوما على زمزم و إذا المغربي هناك، فلمّا رآني عدا إليّ و قبّلني فرحا مسرورا، فقلت: ما حال حمارك؟ فقال: هو و اللّه صحيح سليم و لا أدري من أين منّ اللّه به علي فأحيا لي حماري بعد موته، فقلت له: قد بلغت حاجتك فلا تسأل عمّا لا تبلغ معرفته.و منها إنّ إسحاق بن عمّار قال: لمّا حبس هارون أبا الحسن (عليه السلام) دخل عليه أبو يوسف و محمّد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة فقال أحدهما للآخر: نحن على أحد أمرين: إمّا أن نساويه و إمّا أن نشكّكه، فجلسا بين يديه فجاء رجل كان موكّلا به من قبل السندي، فقال: إنّ نوبتي قد انقضت و أنا على الانصراف، فإن كانت لك حاجة فأمرني حتّى آتيك بها في الوقت التي تلحقني النوبة، فقال: مالي حاجة، فلمّا خرج قال لأبي يوسف و محمّد بن الحسن: ما أعجب هذا يسألني أن أكلّفه حاجة ليرجع و هو ميّت في هذه الليلة، قال: فغمز أبو يوسف محمّد بن الحسن فقاما، فقال أحدهما للآخر: إنّا جئنا لنسأله عن الفرض و السنّة و هو الآن جاء بشيء آخر كأنّه من علم الغيب، ثمّ بعثنا برجل مع الرجل فقالا: اذهب حتّى تلازمه و تنظر ما يكون من أمره في هذه الليلة و تأتينا بخبره من الغد.فمضى الرجل فنام في مسجد عند باب داره، فلمّا أصبح سمع الواعية و رأى الناس يدخلون داره، فقال: ما هذا؟ قالوا: مات فلان في هذه الليلة فجأة من غير علّة، فانصرف إليهما فأخبرهما، فأتيا أبا الحسن (عليه السلام) فقالا: قد علمنا أنّك أدركت العلم في الحلال و الحرام، فمن أين أدركت أمر هذا الرجل الموكّل أنّه يموت في هذه الليلة؟قال: من الباب الذي كان أخبر بعمله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فلمّا ورد عليهما هذا بقيا لا يحيران جوابا.و روي أنّ هارون الرشيد بعث يوما إلى موسى (عليه السلام) على يدي ثقة له طبقا من السرقين الذي هو على هيئة التين و أراد استخفافه، فلمّا رفع الإزار عنه فإذا هو من أحلى التين و أطيبه، فأكل (عليه السلام) و أطعم الحامل منه، و ردّ بعضه إلى هارون، فلمّا تناوله776هارون صار سرقينا في فيه، و كان في يده تينا جنيّا.قلت: عندي في هذا الخبر نظر، فإنّ الرشيد و إن كان يريد قتل أبي الحسن (عليه السلام) فإنّه كان يعرف شرفه و لا يصل به إلى هذا القدر من الهوان، و إن كان يخاف على الملك فلا يلزم طلبه إهانته إلى هذه الغاية، و موسى (عليه السلام) لم يكن يقابله بمثل فعله بإعادة الطبق إليه، بحيث يجعله في فيه فيعود إلى حاله، لا سيّما و هو في حبسه، و دينه التقيّة و هو مسمّى بالكاظم و اللّه أعلم.و منها ما قال إسحاق بن عمّار أيضا، قال: أقبل أبو بصير مع أبي الحسن موسى (عليه السلام) من المدينة يريد العراق فنزل زبالة، فدعا بعلي بن أبي حمزة البطائني و كان تلميذا لأبي بصير، فجعل يوصيه بحضرة أبي بصير و يقول: يا علي إذا صرنا إلى الكوفة تقدم في كذا، فغضب أبو بصير و خرج من عنده، فقال: لا و اللّه ما أرى هذا الرجل أنا أصحبه منذ حين ثمّ يتخطّاني بحوائجه إلى بعض غلماني، فلمّا كان من الغد حمّ أبو بصير بزبالة فدعا بعلي بن أبي حمزة فقال: استغفر اللّه ممّا حلّ في صدري من مولاي، و من سوء ظنّي به، كان
[كشف الغمة في معرفة الأئمة] · موسوعة الغيبة والظهور