⟨و عن الوشاء قال: حدّثني محمّد بن يحيى عن وصي علي بن السري⟩
قد علم أنّي ميّت و أنّي لا ألحق بالكوفة، فإذا أنا متّ فافعل بي كذا و تقدم في كذا، فمات أبو بصير بزبالة.و منها إنّ إسماعيل بن سالم قال: بعث إليّ علي بن يقطين و إسماعيل بن أحمد فقالا لي: خذ هذه الدنانير فأت الكوفة فألق فلانا فاستصحبه و اشتريا راحلتين و امضيا بالكتب و ما معكما من مال فادفعاه إلى موسى بن جعفر (عليهما السلام)، فسرنا حتّى إذا كنّا ببطن الرملة، و قد اشترينا علفا و وضعناه بين الراحلتين، و جلسنا نأكل فبينما نحن كذلك إذ طلع علينا موسى بن جعفر على بغلة له أو بغل و خلفه شاكريّ، فلمّا رأيناه و ثبنا له و سلّمنا عليه، فقال: هاتا ما معكما فأخرجناه و دفعناه إليه و أخرجنا الكتب و دفعناها إليه، فأخرج كتبا من كمّه فقال: هذه جوابات كتبتكم فانصرفوا في حفظ اللّه تعالى، فقلنا: قد فنى زادنا و قد قربنا من المدينة، فلو أذنت لنا فزرنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و تزوّدنا زادا، فقال: أبقي معكما من زاد كما شيء؟فقلنا: نعم، قال: ائتوني به، فأخرجناه إليه فقبضه بيده و قال: هذه بلغتكم إلى الكوفة امضيا في حفظ اللّه، فرجعنا و كفانا الزاد إلى الكوفة.777قال ابن الجوزي رحمه اللّه في صفوة الصفوة: موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن الحسن الهاشمي صلوات اللّه عليهم كان يدعى العبد الصالح لأجل عبادته و اجتهاده و قيامه بالليل، و كان كريما حليما إذا بلغه عن رجل أنّه يؤذيه بعث إليه بمال.و حدّثني أحمد بن إسماعيل قال: بعث موسى بن جعفر (عليهما السلام) إلى الرشيد من الحبس برسالة كانت أنّه لن يقضى عنّي يوم من البلاء إلّا انقضى عنك معه يوم من الرخاء حتّى نقضي جميعا إلى يوم إلى ليس له انقضاء، يخسر فيه المبطلون.قال المصنّف: ولد موسى بن جعفر بالمدينة في سنة ثمان و عشرين، و قيل:تسع و عشرين و مائة، و أقدمه المهدي بغداد ثمّ ردّه إلى المدينة، فأقام بها إلى أيّام الرشيد، فقدم الرشيد المدينة فحمله معه و حبسه ببغداد إلى أن توفي بها لخمس بقين من رجب سنة ثلاث و ثمانين و مائة (آخر كلام ابن الجوزي) بعد أن حذفت منه ما نقلته من كتب غيره، كقصة شقيق البلخي رحمه اللّه و غيرها و اللّه حسبي و نعم الوكيل.و قال الآبي في كتابه نثر الدر: موسى بن جعفر ذكر له أنّ الهادي قد همّ به، فقال لأهل بيته: بما تشيرون؟ قالوا: نرى أن نتباعد عنه، و أن تغيب شخصك فإنّه لا يؤمن شرّه، فتبسّم ثمّ قال:زعمت سخينة أن ستغلب ربّها * * * و لتغلبنّ مغالب الغلّاب ثمّ رفع يده إلى السماء فقال: إلهي كم من عدوّ شحذ لي ظبة مديته، و داف لي قواتل سمومه، و لم تنم عنّي عين حراسته، فلمّا رأيت ضعفي عن احتمال الفوادح، و عجزي عن ملمّات الحوائج، صرفت ذلك عنّي بحولك و قوّتك لا بحولي و قوّتي، فألقيته في الحفيرة التي احتفر لي خائفا ممّا أمله في دنياه، متباعدا ممّا رجاه في آخرته، فلك الحمد على قدر استحقاقك، سيّدي اللهمّ فخذه بعزّتك، و افلل حدّه عنّي بقدرتك، و اجعل له شغلا فيما يليه، و عجزا عمّن يناويه، اللهمّ و أعدني عليه عدوّي حاضرة تكون من غيظي شفاء، و من حقّي عليه وفاء، و صل اللّهمّ دعائي بالإجابة،778و انظم شكايتي بالتغيير و عرّفه عمّا قليل ما وعدت الظالمين، و عرّفني ما وعدت في إجابة المضطرّين، إنّك ذو الفضل العظيم، و المنّ الكريم، ثمّ تفرّق القوم، فما اجتمعوا إلّا لقراءة الكتاب الوارد بموت موسى الهادي، ففي ذلك يقول بعضهم في وصف دعائه:و سارية لم تسر في الأرض تبتغي * * * محلّا و لم يقطع بها السير قاطعو هي أبيات مليحة ما قيل في وصف الدعاء المستجاب أحسن منها.و سأله الرشيد فقال: لم زعمتم أنّكم أقرب إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) منّا، فقال (عليه السلام): يا أمير المؤمنين لو أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نشر فخطب إليك كريمتك هل كنت تجيبه؟ فقال:سبحان اللّه فكنت أفتخر بذلك على العرب و العجم فقال: لكنّه لا يخطب إليّ و لا أزوّجه، لأنّه ولدنا و لم يلدكم.و روي أنّه قال: هل كان يجوز له أن يدخل على حرمك و هنّ متكشّفات؟ فقال:لا، فقال: و لكنّه كان يدخل على حرمي كذلك و كان يجوز له.و قيل: إنّه سأله أيضا لم قلتم إنّا ذريّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و جوّزتم أن ينسبوكم إليه؟فيقولوا: يا بني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أنتم بنو علي و إنّما ينسب الرجل إلى أبيه دون جدّه، فقال: أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم بسم اللّه الرحمن الرحيم وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ وَ مُوسى وَ هارُونَ وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. وَ زَكَرِيَّا وَ يَحْيى وَ عِيسى وَ إِلْياسَ، و ليس لعيسى أب و إنّما ألحق بذريّة الأنبياء من قبل أمّه، و كذلك ألحقنا بذريّة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من قبل أمّنا فاطمة (عليها السلام)، و أزيدك يا أمير المؤمنين، قال اللّه تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا﴾ وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ و لم يدع (عليه السلام) عند مباهلة النصارى غير علي و فاطمة و الحسن و الحسين و هما الأبناء (عليهما السلام).و مات في حبس الرشيد، و قيل: سعى به جماعة من أهل بيته منهم محمّد بن جعفر بن محمّد أخوه، و محمّد بن إسماعيل بن جعفر بن أخيه و اللّه أعلم.و سمع موسى (عليه السلام) رجلا يتمنّى الموت، فقال له: هل بينك و بين اللّه قرابة779يحابيك لها؟ قال: لا، قال: فهل لك حسنات قدمتها تزيد على سيّئاتك؟ قال: لا، قال: فأنت إذا تتمنّى هلاك الأبد! و قال: من استوى يوماه فهو مغبون، و من كان آخر يوميه شرّهما فهو ملعون، و من لم يعرف الزيادة في نفسه فهو في النقصان، و من كان إلى النقصان فالموت خير له من الحياة.و روي عنه أنّه قال: اتّخذوا القيان فإنّ لهنّ فطنا و عقولا ليست لكثير من النساء، و كأنّه أراد النجابة في أولادهنّ.[الدعاء الذي كان يقوله ع في سجدة الشكر و ما قيل فيه]فائدة سنيّة: كنت أرى الدعاء الذي يقوله أبو الحسن موسى (عليه السلام) في سجدة الشكر و هو: ربّ عصيتك بلساني و لو شئت و عزّتك لأخرستني، و عصيتك ببصري و لو شئت و عزّتك لأكمهتني، و عصيتك بسمعي و لو شئت و عزّتك لأصممتني، و عصيتك بيدي و لو شئت و عزّتك لكنعتني، و عصيتك بفرجي و لو شئت و عزّتك لأعقمتني، و عصيتك برجلي و لو شئت و عزّتك لجذمتني، و عصيتك بجميع جوارحي التي أنعمت بها علي و لم يكن هذا جزاك منّي.بخط عميد الرؤساء لعقمتني و المعروف عقمت المرأة و عقمت و أعقمها اللّه- فكنت أفكّر في معناه و أقول: كيف يتنزّل على ما تعتقده الشيعة من القول بالعصمة، و ما اتّضح لي ما يدفع التردّد الذي يوجبه، فاجتمعت بالسيّد السعيد النقيب رضي الدين أبي الحسن علي بن موسى بن طاوس العلوي الحسيني رحمه اللّه و ألحقه بسلفه الطاهر فذكرت له ذلك، فقال: إنّ الوزير السعيد مؤيد الدين العلقمي رحمه اللّه تعالى سألني عنه فقلت: كان يقول هذا ليعلم الناس ثمّ إنّي فكّرت بعد ذلك فقلت: هذا كان يقوله في سجدته في الليل و ليس عنده من يعلمه.ثمّ إنّه سألني عنه السعيد الوزير مؤيد الدين محمّد بن العلقمي رحمه اللّه فأخبرته بالسؤال الأول و الذي قلت و الذي أوردته عليه، و قلت: ما بقي إلّا أن يكون يقوله على780سبيل التواضع و ما هذا معناه، فلم تقع منّي هذه الأقوال بموقع، و لا حلت من قلبي في موضع، و مات السيّد رضي الدين رحمه اللّه فهداني اللّه إلى معناه و وفّقني على فحواه، فكان الوقوف عليه و العلم به و كشف حجابه بعد السنين المتطاولة و الأحوال المحرمة، و الأدوار المكرّرة، من كرامات الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) و معجزاته، و لتصحّ نسبة العصمة إليه (عليه السلام)، و تصدق على آبائه و أبنائه البررة الكرام، و تزول الشبهة التي عرضت من ظاهر هذا الكلام.و تقريره أنّ الأنبياء و الأئمّة (عليهم السلام) تكون أوقاتهم مشغولة باللّه تعالى، و قلوبهم مملوة به، و خواطرهم متعلّقة بالملإ الأعلى، و هم أبدا في المراقبة كما قال (عليه السلام): أعبد اللّه كأنّك تراه فإن لم تره فإنّه يراك، فهم أبدا متوجّهون إليه و مقبلون بكلّهم عليه، فمتى انحطّوا عن تلك الرتبة العالية، و المنزلة الرفيعة، إلى الاشتغال بالمأكل و المشرب، و التفرّغ إلى النكاح و غيره من المباحات عدوّه ذنبا، و اعتقدوه خطيئة و استغفروا منه، أ لا ترى أنّ بعض أبناء الدنيا لو قعد و أكل و شرب و نكح و هو يعلم أنّه بمرأى من سيّده و مسمع لكان ملوما عند الناس، و مقصرا فيما يجب عليه من خدمة سيّده و مالكه، فما ظنّك بسيّد السادات، و ملك الأملاك.و إلى هذا أشار (عليه السلام): إنّه ليران على قلبي و إنّي لأستغفر بالنهار سبعين مرّة، و لفظة السبعين إنّما هي لعدّ الاستغفار لا إلى الرين، و قوله: حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين، و نظيره إيضاحا من لفظه ليكون أبلغ من التأويل.و يظهر من قوله: أعقمتني و العقيم الذي لا يولد له، و الذي يولد من السفاح لا يكون ولدا، فقد بان بهذا أنّه كان يعدّ اشتغاله في وقت ما بما هو ضرورة للأبدان معصية، يستغفر اللّه منها و على هذا فقس البواقي، و كلّما يرد عليك من أمثالها.تقريره: إنّ للعبادة مقامات و لكن مقام لذة للعابد لا تدرك تلك اللذة بالوصف و البيان بل لا بدّ لطالب دركها الوقوف دونه أو الدخول فيه و هذا نظير توصيف حديقة ذات أشجار كثيرة بأن فيها ما تشتهيه الأنفس و تلذّ الأعين، من أنواع الفواكه و الثمار و الأنهار و الأزهار، فإنّه لا توجد في نفس المستمع إلّا صورة خيالية من الحديقة قوامها في الوجود بتوجه النفس و انعدامها بقطع ذلك التوجه، و هذا و هو أنّ لكلّ781و هذا معنى شريف يكشف بمدلوله حجاب الشبهة، و يهدي به اللّه من حسر عن بصره و بصيرته رين العمى و العمة، و ليت السيّد كان حيّا لأهدي هذه العقيلة إليه، و أجلو عرائسها عليه، فما أظنّ أنّ هذا المعنى اتّضح من لفظ الدعاء لغيري، و لا أنّ أحدا سار في إيضاح مشكله و فتح مقفله مثل سيري، و قد ينتج الخاطر العقيم فيأتي بالعجائب، و قديما ما قيل: مع الخواطئ سهم صائب.و قال ابن حمدون في تذكرته: قال موسى بن جعفر (عليهما السلام): وجدت علم الناس في أربع: أوّلها أن تعرف ربّك، و الثانية أن تعرف ما صنع بك، و الثالثة أن تعرف ما أراد منك، و الرابعة أن تعرف ما يخرجك من دينك.معنى هذه الأربع: الاولى وجوب معرفة اللّه تعالى التي هي اللطف، الثانية معرفة ما صنع بك من النعم التي يتعيّن عليك لأجلها الشكر و العبادة، الثالثة أن تعرف ما أراد منك فيما أوجبه عليك و ندبك إلى فعله لتفعله على الحد الذي أراده منكمرتبة من مراتب الوجود خصوصية و حالة لا تدرك إلّا بالدخول في تلك المرتبة و لا توجد كمالها إلّا بعد الوصول إلى تلك الحالة و ذلك مثل التفرج في البساتين و المزارع في أول الربيع فإنّه قد يدرك بالتوصيف و البيان شعرا و نثرا من متكلم فصيح فيمكن له توصيفها بحيث يرى المستمع نفسه في وسط تلك البستان الخيالي مثلا و لكن ليست إلّا أوصاف تنتقش منها صورة خيالية يكون قوامها في الوجود بتوجه النفس و انعدامها بقطع ذلك التوجه، و أمّا الدرك الحقيقي فهو لا يوجد إلّا لمن دخل تلك البساتين و المزارع و وجد لذة التفرج و أكل الثمار و الانتفاع من الأنهار و الأزهار عيانا، و قد ثبت في علم الفلسفة أيضا أنّ درك لذات العالم بتشخص الوجود لا الماهية، و لعلّ هذا أحد أسرار قصة المعراج و سيره (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) جميع العوالم، فإنّه لا بدّ لهذا النبي إذا أراد أن يصير واجدا لجميع الكمالات السير في جميع العوالم و استكمال جهة الملكوتية و اللاهوتية الكائنة في وجوده (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أنسه و ارتباطه مع كلّ من سكنها حتّى تحصل السنخية و يدرك لذّة مراتب الوجود بأسرها و تمامها.إذا عرفت هذا فنقول: إنّ العبد الكامل من عبد اللّه في جميع مراتب العبودية و حيث كانت العبادة على أقسام فقسم منها عبادة المخلصين الراجين، و قسم منها عبادة الخائفين العاصين، و كان الإمام (عليه السلام) طالبا لأن يعبد اللّه بالعبودية الكاملة و السير في جميع مراحلها ففي بعض الأحيان نزل نفسه منزلة المذنب العاصي و يذكر في دعائه ما يقوله المرتكب لجميع المعاصي و ليس ذلك إلّا لما ذكر من درك ملاذ العبادة بجميع أقسامها و الوصول إلى كمال العبودية من طرقها بأسرها.و يشهد لما ذكرنا بل يدلّ عليه قول الإمام زين العابدين (عليه السلام) في دعائه في التذلل للّه (على ما في الصحيفة الكاملة- الدعاء الثالث و الخمسون) قال (عليه السلام) بعد كلام له... قد أوقفت نفسي موقف الأذلّاء المذنبين، موقف الأشقياء المتبحّرين عليك، المستخفين بوعدك... الدعاء. و هذا هو المراد في جميع ما ورد في الأدعية من الاعتراف بالذنب و المعصية من هؤلاء المعصومين (عليهم السلام).782فتستحق بذلك الثواب، الرابع أن تعرف الشيء الذي يخرجك عن طاعة اللّه فتجتنبه.قال الفقير إلى اللّه تعالى عبد اللّه علي بن عيسى غفر اللّه له ذنوبه بكرمه و أجراه على عوايد ألطافه و نعمه: مناقب الكاظم (عليه السلام) و فضائله و معجزاته الظاهرة، و دلائله و صفاته الباهرة و مخائله، تشهد أنّه افترع قبّه الشرف و علاها، و سما إلى أوج المزايا فبلغ أعلاها، و ذلّلت له كواهل السيادة فركبها و امتطاها، و حكم في غنائم المجد فاختار صفاياها و اصطفاها.تركت و الحسن تأخذه * * * تصطفى منه و تنتجبفانتفت منه أحاسنه * * * و استزادت فضل ما تهبطالت أصوله فسمت إلى أعلى رتب الجلال، و طابت فروعه فعلت إلى حيث لا تنال، يأتيه المجد من كلّ أطرافه، و يكاد الشرف يقطر من أعطافه.أتاه المجد من هنا و هنّا * * * و كان له بمجتمع السيولالسحاب الماطر قطرة من كرمه، و العباب الزاخر نغبة من نغبه، و اللباب الفاخر من عدّ من عبيده و خدمه، كأنّ الشعرى علقت في يمينه، و لا كرامة للشعرى العبور، و كأنّ الرياض أشبهت خلايقه و لا نعمى لعين الروض الممطور، و هو (عليه السلام) غرّة في وجه الزمان، و ما الغرر و الحجول، و هو أضوأ من الشمس و القمر، و هذا جهد من يقول بل هو و اللّه أعلى مكانة من هذه الأوصاف و أسمى، و أشرف عرقا من هذه النعوت و أنمى، فكيف تبلغ المدائح كنه مقداره، أو ترتقي همّة البليغ إلى نعت فخاره، أو تجري جياد الأقلام في جلباب صفاته، أو يسري خيال الأوهام في ذكر حالاته.كاظم الغيظ، و صائم القيظ، عنصره كريم، و مجده حادث و قديم، و خلق سؤدده و سيم، و هو بكلّ ما يوصف به زعيم، الآباء عظام، و الأبناء كرام، و الدين متين، و الحق ظاهر مبين، و الكاظم في أمر اللّه قوي أمين، و جوهر فضله عال ثمين، و واصفه لا يكذب و لا يمين، قد تلقى راية الإمامة باليمين فسما (عليه السلام) إلى الخيرات منقطع القرين، و أنا أحلف على ذلك فيه و في آبائه و أبنائه (عليه السلام) باليمين.كم له من فضيلة جليلة، و منقبة بعلوّ شأنه كفيلة، و هي و إن بلغت الغاية بالنسبة إليه قليلة، و مهما عدّ من المزايا و المفاخر فهي فيهم صادقة، و في غيرهم مستحيلة، إليهم ينسب العظماء، و عنهم يأخذ العلماء، و منهم يتعلّم الكرماء، و هم الهداة إلى اللّه فبهداهم اقتده، و هم الأدلّاء على اللّه فلا تحل عنهم و لا تنشده، و هم الامناء على أسرار783الغيب، و هم المطهّرون من الرجس و العيب، و هم النجوم الزواهر في الظلام، و هم الشموس المشرقة في الأيّام، و هم الذين أوضحوا شعار الإسلام، و عرفوا الحلال و الحرام، من تلق منهم تقل لاقيت سيّدا، و متى عددت منهم واحدا كان بكلّ الكمالات منفردا، و من قصدت منهم حمدت قصدت مقصدا، و رأيت من لا يمنعه جوده اليوم أن يجود غدا، و متى عدت إليه عاد كما بدأ، المائدة و الأنعام يشهدان بحالهم، و المائدة و الأنعام يخبران بنوالهم، فلهم كرم الابوّة و البنوّة، و هم معادن الفتوّة و المروّة، و السماح في طبائعهم غريزة، و المكارم لهم شنشنة و نحيزة، و الأقوال في مدحهم و إن طالت وجيزة، بحور علم لا تنزف، و أقمار عزّ لا يخسف، و شموس مجد لا تكسف، مدح أحدهم يصدق على الجميع، و هم متعادلون في الفخار، فكلّهم شريف رفيع بذوا الأمثال بطريفهم و تالدهم و لا مثيل، و نالوا النجوم بمفاخرهم و محامدهم فانقطع دون شأوهم العديل و لا عديل، فمن الذي ينتهي في السير إلى أمدهم و قد سدّ دونه السبيل، أمّن لهم يوم كيومهم أو غد كغدهم، و لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم صلّى اللّه عليه صلاة نامية الأمداد، باقية على الآباد، مدّخرة ليوم المعاد، إنّه جواد كريم.و قد اتّبعت العادة في مدحه (عليه السلام) و أنا معتذر كعذري في ما تقدّم من الكلام، فإنّ شرفه يعلو عن الأقوال، و من نطق بمدحه الكتاب العزيز فما عسى أن يقال: و لكن اتّباع العوائد يوسع المجال، و من اعترف بتقصيره كان كمن بلغ الكمال (و هذا الشعر).مدائحي وقف على الكاظم * * * فما على العاذل و اللائمو كيف لا أمدح مولى غدا * * * في عصره خير بني آدمو من كموسى أو كآبائه * * * أو كعلي و إلى القائمإمام حقّ يقتضي عدله * * * لو سلم الحكم إلى الحاكمإفاضة العدل و بذل الندى * * * و الكف من عادية الظالميبسم للسائل مستبشرا * * * أفديه من
[كشف الغمة في معرفة الأئمة] · موسوعة الغيبة والظهور