⟨و عن أبي حمزة الثمالي عن الباقر عن آبائه (عليهم السلام) عن الحسين بن علي⟩
قال:دخلت أنا و أخي على جدّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فأجلسني على فخذه و أجلس أخي الحسن على فخذه الاخرى، ثمّ قال لنا: بأبي أنتما من إمامين صالحين اختاركما اللّه منّي و من أبيكما و أمّكما، و اختار من صلبك يا حسين تسعة أئمّة تاسعهم قائمهم كلّهم في الفضل و المنزلة سواء.قال محمّد بن عمران: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: نحن اثنا عشر محدّثا، فقال له أبو بصير: تاللّه لقد سمعت ذلك من أبي عبد اللّه (عليه السلام)؟ فحلف مرّة أو مرّتين أنّه سمعه منه، فقال أبو بصير: لكنّي سمعته من أبي جعفر (عليه السلام).قال: و أمثال هذه الاخبار كثيرة لا يحتمل هذا الكتاب أكثر ممّا ذكرناه، و قد ذكر كثيرا منها الشيخ أبو جعفر بن بابويه في كتاب كمال الدين و تمام النعمة في إثبات الغيبة و كشف الحيرة، فمن أراد الزيادة فليطلب من هناك، و قد صنّف الشيخ المفيد أبو عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان في ذلك كتابا مفردا ذكر فيه الأخبار الواردة في هذا المعنى بأسانيدها.1008الفصل الثالث من القسم الأوّل: في ذكر جمل من الدلائل على إمامة أئمّتنا (عليهم السلام) سوى ما ذكرناه فيما تقدّم من الكتاب:أحد الدلائل على إمامتهم (عليهم السلام) ما ظهر عنهم من العلوم التي تفرّقت في فرق العالم، فحصل في كلّ فرقة منهم فن و اجتمعت فنونها و سائر أنواعها في آل محمّد (عليهم السلام)، أ لا ترى إلى ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في أبواب التوحيد و الكلام الباهر المفيد من الخطب و علوم الدين، و أحكام الشريعة و تفسير القرآن و غير ذلك ما زاد على جميع كلام الخطباء و العلماء و الفصحاء و الحكماء و البلغاء، حتّى أخذ عنه المتكلّمون و الفقهاء و المفسّرون، و نقل عنه أهل العربية أصول الإعراب و معاني اللغات، و قال في الطب ما استفاد منه الأطبّاء، و في الحكم و الوصايا و الآداب ما أربى على جميع كلام الحكماء، و في النجوم و علم الآثار ما استفاده من جهته جميع أهل الملل و الآراء، ثمّ قد نقلت الطوائف عمّن ذكرناه من عترته و أبنائه (عليهم السلام) مثل ذلك من العلوم في جميع الأنحاء و لم يختلف في فضله و علوّ درجتهم في ذلك من أهل العلم اثنان، فقد ظهر عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) من الفتاوي في الحلال و الحرام و المسائل و الأحكام، و روى الناس عنهما من علوم الكلام و تفسير القرآن و قصص الأنبياء و المغازي و السير و أخبار العرب و ملوك الامم ما سمّي أبو جعفر (عليه السلام) لأجله باقر العلم.و روى عن الصادق (عليه السلام) من مشهوري أهل العلم أربعة آلاف إنسان و صنّف من جواباته في المسائل أربعمائة كتاب هي معروفة بكتب الاصول رواها أصحابه و أصحاب أبيه و أصحاب ابنه موسى (عليه السلام) و لم يبق فن من فنون العلم إلّا روي عنه (عليه السلام) فيه أبواب، و كذلك كانت حالة ابنه موسى من بعده في إظهار العلوم حتّى حبسه الرشيد، و منعه من ذلك، و قد انتشر للرضا (عليه السلام) و ابنه أبي جعفر من ذلك ما شهرة جملته تغني عن تفصيله، و كذلك كانت سبيل أبي الحسن و أبي محمّد العسكريين (عليهما السلام) و إنّما كانت الرواية عنهما أقل لأنّهما كانا محبوسين في عسكر السلطان، ممنوعين من الانبساط في الفتيا، و إن يلقاهما كلّ أحد من الناس.و إذا ثبت بما ذكرناه بينونة أئمّتنا (عليهم السلام) بما وصفناه عن جميع الأنام و لم يكن أحد أن يدّعي أنّهم أخذوا العلم عن رجال العامّة، أو يلقنوه من رواتهم و فقهائهم، لأنّهم لم يروا قط مختلفين إلى أحد من العلماء في تعلّم شيء من العلوم، و لأنّ ما نقل عنهم من العلوم فإنّ أكثره لا يعرف إلّا منهم و لم يظهر إلّا عنهم، فعلمنا أنّ هذه العلوم بأسرها قد1009انتشرت عنهم مع غناهم عن ساير الناس، و تيقنا زيادتهم في ذلك على كافتهم، و نقصان جميع العلماء عن رتبتهم.فثبت أنّهم أخذوها عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) خاصّة و أنّه أفردهم بها ليدلّ على إمامتهم و افتقار الناس إليهم فيما يحتاجون إليه، و غناهم عنهم ليكونوا مفزعا لامّته في الدين، و ملجأ لهم في الأحكام، و جروا في هذا التخصيص مجرى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في تخصيص اللّه سبحانه له بإعلامه أحوال الامم السالفة و إفهامه ما في الكتب المتقدّمة من غير أن يقرأ كتابا أو يلقى أحدا من أهله.هذا و قد ثبت في العقول أنّ الأعلم الأفضل أولى بالإمامة من المفضول و قد بيّن اللّه ذلك في كتابه بقوله: أَ فَمَنْ ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى﴾ و قوله: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ و دلّ بقوله سبحانه في قصّة طالوت: وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ و أنّ التقدم في العلم و الشجاعة موجب للتقدم في الرئاسة، و إذا كانت أئمّتنا (عليهم السلام) أعلم الامّة بما ذكرناه فقد ثبت أنّهم أئمّة الإسلام الذين استحقّوا الرئاسة على الأنام بما قلناه.دلالة أخرى: و ممّا يدلّ على إمامتهم (عليهم السلام) إجماع الامّة على طهارتهم، و ظاهر عدالتهم، و عدم التعلّق عليهم أو على أحد منهم بشيء يشينه في ديانته مع اجتهاد أعدائهم و ملوك أزمنتهم في الغض منهم و الوضع من أقدارهم و التطلّب لعثراتهم حتّى أنّهم كانوا يقربون من يظهر عداوتهم، و ينفقون و يقتلون من يتحقّق بولايتهم، و هذا أمر ظاهر عند من سمع بأخبار الناس فلولا أنّهم (عليهم السلام) كانوا على صفات الكمال من العصمة و التأييد من اللّه تعالى و أنّه سبحانه منع بلطفه كلّ أحد من أن يتحرّص عليهم باطلا أو يقول فيهم لمّا سمعوا (عليهم السلام) من ذلك على الوجه الذي شرحناه، لا سيّما و قد ثبت أنّهم لم يكونوا ممّن لا يؤبه بهم، و لا ممّن لا يدعو الداعي إلى البحث عن أخبارهم و انقطاع آثارهم، بل كانوا على مرتبة من تعظيم الخلق إيّاهم و في الرتبة العالية و الدرجة الرفيعة التي يحسدهم عليها الملوك و يتمنّونها لأنفسهم، لأنّ شيعتهم1010مع كثرتها في الخلق و غلبتها في أكثر البلاد اعتقدت فيهم الإمامة التي تشارك النبوّة، و ظهرت عليهم الآيات و المعجزات و العصمة عن الزلازل حتّى أنّ الغلاة قد اعتقدت فيهم النبوّة و الإلهيّة و كان أحد أسباب اعتقادهم ذلك فيهم حسن آثارهم و علوّ أحوالهم و كمالهم في صفاتهم، و قد جرت العادة فيمن حصل له جزء من هذه النباهة أن لا يسلم من ألسنة أعدائه و نسبتهم إيّاه إلى بعض العيوب القادحة في الديانة و الأخلاق، فإذا ثبت أنّ أئمّتنا (عليهم السلام) نزّههم اللّه عن ذلك ثبت أنّه سبحانه هو المتولّي لجميع الخلائق على ذلك بلطفه جميل صنعه ليدلّ على أنّهم حججه على عباده و السفراء بينه و بين خلقه، و الأركان لدينه و الحفظة لشرعه، و هذا واضح لمن تأمّله.دلالة أخرى: و ممّا يدلّ أيضا على إمامتهم (عليهم السلام) ما حصل من الاتّفاق على برّهم و عدالتهم، و علوّ قدرهم و طهارتهم، و قد ثبتت معرفتهم (عليهم السلام) بكثير ممّن يعتقد إمامتهم و يدين اللّه تعالى بعصمتهم و النص عليهم و يشهد بالمعجز لهم و وضع أيضا اختصاص هؤلاء بهم و ملازمتهم إيّاهم و نقلهم الأحكام و العلوم عنهم و حملهم الزكوات و الأخماس إليهم من أنكر هذا أو دفع كان مكابرا دافعا للعيان، بعيدا عن معرفة أخبارهم، و قد علم كلّ محصل بطريق الأخبار أنّ هشام بن الحكم و أبا بصير و زرارة بن أعين و حمران و بكر ابني أعين، و محمّد بن النعمان الذي يلقبه العامة شيطان الطاق، و بريد بن معاوية العجلي، و أبان بن تغلب، و محمّد بن مسلم الثقفي و معاوية بن عمّار الدهني و غير هؤلاء ممّن قد بلغوا الجمع الكثير و الجم الغفير من أهل العراق و الحجاز و خراسان و فارس كانوا في وقت جعفر بن محمّد (عليهم السلام) رؤساء الشيعة في الفقه و رواية الحديث و الكلام، و قد صنّفوا الكتب و جمعوا المسائل و الروايات و أضافوا أكثر ما اعتمدوه من الرواية إليه و إلى أبيه محمّد الباقر (عليهما السلام)، لكلّ إنسان منهم أتابع و تلامذة في المعنى الذي يتفرّدوا به و أنّهم كانوا يدخلون من العراق إلى الحجاز في كلّ عام إذا كثروا أو قلّوا، ثمّ يرجعون و يحكون عنه الأقوال و يسندون إليه الدلالات و كانت حالهم في وقت الكاظم و الرضا على هذه الصفة و كذلك إلى وقت وفاة أبي محمّد العسكري (عليه السلام)، و حصل العلم باختصاص هؤلاء بأئمّتنا (عليهم السلام)، كما يعلم اختصاص أبي يوسف و محمّد بن الحسن بأبي حنيفة، و كما يعلم اختصاص المزني و الربيع بالشافعي، و اختصاص النظّام بأبي الهذيل، و الجاحظ و الأسواري بالنظّام.و لا فرق بين من دفع الإمامة عمّا ذكرناه و بين من دفع من سمّيناه عمّن وصفناه1011في الجهل بالأخبار و العناد و الإنكار، و إذا كان الأمر على ما ذكرناه لم تخل الإماميّة في شهاداتها من أن تكون كاذبة أو صادقة؛ فإن كانت محقّة صادقة في نقل النص عنهم من خلفائهم (عليهم السلام) مصيبة فيما اعتقدته فيهم من العصمة و الكمال، فقد ثبتت إمامتهم على ما قلناه، و إن كانت كاذبة في شهاداتها مبطلة في عقيدتها، فإن يكون كذلك ألا و من سمّيناهم من أئمّة الهدى (عليهم السلام) ضالّون برضاهم بذلك فاسقون بترك النكير عليهم، مستحقّون للبراءة منهم من حيث تولّوا الكذّابين، مضلّون لتقريبهم إيّاهم و اختصاصهم بهم من بين الفرق كلّها ظالمون في أخذ الزكوات و الأخماس عنهم، و هذا ما لا يطلقه مسلم فيمن يقول بإمامته، و إذا كان الإجماع المقدم ذكره حاصلا على طهارتهم و عدالتهم و وجوب إمامتهم، ثبتت إمامتهم بتصديقهم لمن أثبت عندهم ذلك و بمن ذكرنا من اختصاصهم بهم و هذا واضح و المنّة للّه.دلالة أخرى: و ممّا يدلّ أيضا على إمامتهم (عليهم السلام) و أنّهم أفضل الخلق بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) - ذكر في هذا الفصل كلاما طويلا أنا ألخّصه و أذكر معناه، قال ما معناه:- إنّ اللّه غرس لهم في القلوب من الإجلال و التعظيم ما كان يعظمهم لأجله الولي و العدو مع اختلاف الأهواء و تباين الآراء، فلا يجحد عدوّهم شرفهم و علوّ مكانهم و عظم مقدارهم، هذا معاوية مع مبارزته لأمير المؤمنين (عليه السلام) و نصبه له العداوة و ما جرى بينهم من الوقائع لم يمكنه يوما أن يدفع شرفه و لا يضع منزلته و لا يقدح في حال من أحواله و أمر من أموره و قد كان يسمع من أصحابه (عليه السلام) و من ابن عباس و من الوافدين عليه و الوافدات ما يقذى عينه و يصمّ سمعه من تفضيل علي (عليه السلام) عليه و عدّ مناقبه و وصف خلاله و ذكر مآثره، فما نقل أنّه أنكر ذلك و لا أمكنه ردّه، و لا النكير على قائله مع محاربته له و منازعته إيّاه الخلافة و سبّه إيّاه على المنابر، فكان كما قيل: فأخرجه إلى السفه العياء.و قد أجاد مهيار في قوله:ما لقريش ما ذقتك عهدها * * * ودا محبّتك ودّها على دخلو طالبتك بقديم حقدها * * * بعد أخيك بالتراب و الذحلو كيف ضمّوا أمرهم و اجتمعوا * * * و استوردوا الرأي و أنت منعزلو ليس منهم قادح بريبة * * * فيك و لا فاض عليك بوهلو كذا كانت الحال مع ناكثي بيعته، فإنّهم لم يتمكّنوا من إنكار فضله و مجد1012شرفه، و كذا كانت أحوال الحسن و الحسين (عليهما السلام) بعده من تعظيم الناس لهم و اعترافهم لهم بعلوّ المنزلة حتّى أنّ يزيد بن معاوية لقّاه اللّه غب أفعاله الوخيمة و جزاه بما يستحقّه على أعماله الذميمة فلم يسعه أن يقول في الحسين (عليه السلام) ما يغضّ من شرفه أو يطعن في ثغرة مجده و لم يحفظ عنه ذمّة و لا استزادته و كان همّه الدنيا و طلب الولاية، فلها ترك الصواب و عليها دخل النار من كلّ الأبواب، و كان يظهر الحزن عليه و الندم على قتله و إنكار أنّه أمر بذلك أو رضي به و ما زال يعظم زين العابدين (عليه السلام)، و لمّا أنفذ مسلم بن عقبة و جرت وقعة الحرّة أوصاه باحترامه (عليه السلام) و إكرامه و صيانة جانبه معهم و معرفتهم بحقّه و قدره.و الصادق (عليه السلام) كان مكرما معظما عند بني مروان و بمثل ذلك عامله السفاح و المنصور.و موسى بن جعفر (عليهما السلام) كان مراعى الحال معروف القدر و المكانة رفيع المنزلة و المحل الذي جرى في حقّه من الرشيد كان ينكره و يعتذر منه، و ما زال في حال حياته في زمن الهادي و الرشيد على أتمّ ما ينبغي، إلى أن جرى له (عليه السلام) ما جرى و أحضر الرشيد الشهود يشهدون أنّه مات موتا، و لم يقتل كلّ ذلك تفصّيا من قتله، و إنكار أن يكون أمر به.و حال المأمون مع الرضا (عليه السلام) مشهورة فيما كان يعامله به من الإعزاز التام به و الإكرام البالغ حتّى زوّجه بابنته و أوصى له بولاية عهده، و أسخط لأجله أهل بيته و أولاده، و بني أبيه و بني عمّه، و بذلك عامل ابنه أبا جعفر (عليه السلام) مع صغر سنّه، حتّى زوّجه بابنته أم الفضل و عرف محلّه و كان يشيد بذكر أبيه و ذكره و يعلى ما أعلى اللّه من قدر ابيه و قدره، و يرفعه في مجلسه على أهله و بني عمّه و أولاده و قضاته.و كان المتوكّل يعظم علي بن محمّد (عليه السلام) مع عداوته لعلي أمير المؤمنين و مقته له، و طعنه على آل أبي طالب.و كذلك كان المعتمد مع أبي محمّد (عليه السلام) في إكرامه و المبالغة فيه، هذا و الأئمّة الذين عددناهم في قبضة من عددنا من الملوك على الظاهر، و تحت طاعتهم و قد اجتهدوا كلّ الاجتهاد في أن يعثروا لهم على عيب يتعلّقون به في الحط من منازلهم، و أمعنوا في البحث عن أسرارهم و أحوالهم في خلواتهم فعجزوا و لم يظفروا بشيء أصلا.1013فعلمنا أنّ تعظيمهم إيّاهم مع ظاهر عداوتهم لهم و شدّة محبّتهم للغض منهم و إجماعهم على ضدّ مرادهم من إكرامهم و تبجيلهم منحة من اللّه سبحانه لهم ليدلّ بذلك على اختصاصهم منه جلّت قدرته بالمعنى الذي يوجب طاعتهم على جميع الأنام و ما هذا إلّا كالامور الغير المألوفة و الأشياء الخارقة للعادة.و يؤيّد ما ذكرناه تسخير اللّه سبحانه الخلق لتعظيم من ذكرناه من الطوائف المختلفة و الفرق المتباينة في المذاهب و الآراء، و أجمعوا على تعظيم قبورهم و قصد مشاهدهم حتّى أنّهم يقصدونها من البلاد الشاسعة و يلمّون بها و يتقرّبون إلى اللّه بزيارتها و يستنزلون عندها من اللّه الأرزاق، و يستفتحون الأغلاق، و يطلبون ببركتها الحاجات و يستدفعون الملمّات، و هذا هو المعجز الخارق للعادة و إلّا فما الحامل للفرقة المنحازة عن هذه الجبهة المخالفة لها على ذلك و لم يفعلوا بعض ذلك بمن ذكرناه ممّن يعتقدون إمامته و فرض طاعته و هو موافق لهم مساعد غير مخالف.أ لا ترى أنّ ملوك بني أميّة و خلفاء بني العباس مع كثرة شيعتهم و كونهم أضعاف أضعاف شيعة أئمّتنا (عليهم السلام) و كون أكثر الدنيا في أيديهم ما حصل لهم من تعظيم الجمهور في حياتهم و السلطنة على العالمين، و الخطبة على المنابر في شرق الأرض و غربها لهم بإمرة المؤمنين لم يلم أحد من شيعتهم و أوليائهم فضلا عن أعدائهم بقبورهم بعد وفاتهم، و لا قصد أحد تربة لهم متقرّبا بذلك إلى ربّه و لا نشط لزيارتهم، و هذا لطف من اللّه سبحانه بخلقه في الإيضاح عن حقوق أئمّتنا (عليهم السلام)، و دلالة على علوّ منزلتهم منه أجل اسمه لا سيّما و دواعي الدنيا و رغباتها معدومة عند هذه الطائفة و موجودة عند أولئك، فمن المحال أن يكونوا فعلوا ذلك لداع من دواعي الدنيا، و لا يقال أنّهم فعلوه للتقيّة، لأنّ التقيّة ليست مذهبا لهم، و لا يخافونهم فيتّقونهم، فلم يبق إلّا دواعي الدين.و هذا هو الأمر العجيب الذي لا ينفذ فيه إلّا قدرة القادر القاهر الذي يذلّل الصعاب، و يسبّب الأسباب، ليوقظ به الغافلين، و يقطع عنه عذر المتجاهلين، و أيضا فقد شارك أئمّتنا (عليهم السلام) من غيرهم أولاد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في نسبهم و حسبهم و قرابتهم، و كان لكثير منهم عبادات ظاهرة و زهد و علم و لم يحصل من الإجماع على تعظيمهم و زيارة قبورهم ما وجدناه قد حصل لهم (عليهم السلام)، فإنّ من عداهم من صلحاء العترة يميل إليهم فريق من الامّة و يعرض عنهم فريق، و لا يبلغ بهم من التعظيم الغاية التي تعامل بها أئمّتنا (عليهم السلام)، و هذا يدلّ على أنّ اللّه سبحانه خرق في أئمّتنا (عليهم السلام) العادات، و قلّب1014الحالات للإبانة عن علوّ درجتهم، و التنبيه على شرف مرتبتهم، و الدلالة على إمامتهم.قال الفقير إلى اللّه تعالى علي بن عيسى أثابه اللّه تعالى: حكى لي بعض الأصحاب أنّ الخليفة المستنصر رحمه اللّه تعالى مشى مرّة إلى سرّ من رأى و زار العسكريّين (عليهما السلام) و خرج فزار التربة التي دفن فيها الخلفاء من آبائه و أهل بيته و هم في قبّة خربة يصيبها المطر و عليها زرق الطيور، و أنا رأيتها على هذه الحال، فقيل له: أنتم خلفاء الأرض و ملوك الدنيا و لكم الأمر في العالم و هذه قبور آبائكم بهذه الحال؛لا يزورها زائر و لا يخطر بها خاطر و ليس فيها أحد يميط عنها الأذى، و قبور هؤلاء العلويين كما ترونها بالستور و القناديل و الفرش و الزلالي و الفرّاشين و الشمع و البخور و غير ذلك؟! فقال: هذا أمر سماوي لا يحصل باجتهادنا و لو حملنا الناس على ذلك ما قبلوه و لا فعلوه، و صدق رحمه اللّه فإنّ الاعتقادات لا تحصل بالقهر و لا يتمكّن أحد من الإكراه عليها.[اسم المهدي ع و اسم أمه و كنيته و لقبه مولده]و قال: ذكر القسم الثاني من الركن الرابع و هو الكلام في إمامة صاحب الزمان الثاني عشر من الأئمّة أبي القاسم بن الحسن بن علي بن محمّد بن الرضا (عليهم السلام)، و تاريخ مولده و دلائل إمامته و ذكر طرف من أخباره و غيبته و علامات وقت قيامه و مدّة دولته و وصف سيرته و يشتمل على خمسة أبواب:الباب الأوّل: في ذكر اسمه و كنيته و لقبه و مولده (عليه السلام) و اسم أمّه و من شاهده و فيه ثلاثة فصول:الأوّل: في ذكر اسمه و كنيته و لقبه (عليه السلام):هو المسمّى باسم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المكنّى بكنيته، و قد جاء في الأخبار أنّه لا يحلّ لأحد أن يسمّيه باسمه، و لا أن يكنّيه بكنيته إلى أن يزيّن اللّه الأرض بظهور دولته، و يلقّب (عليه السلام) بالحجّة و القائم و المهدي و الخلف الصالح و صاحب الزمان و الصاحب، و كانت الشيعة في غيبته الاولى تعبّر عنه و عن جنبته بالناحية المقدسة، و كان ذلك رمزا بين الشيعة يعرفونه به، و كانوا أيضا يقولون على سبيل الرمز و التقيّة الغريم يعنونه (عليه السلام).قال أفقر عباد اللّه تعالى علي بن عيسى أثابه اللّه تعالى: من العجب أنّ الشيخ الطبرسي و الشيخ المفيد رحمهما اللّه تعالى قالا: أنّه لا يجوز ذكر اسمه و لا كنيته ثمّ يقولان: اسمه اسم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و كنيته كنيته عليه الصلاة و السلام و هما يظنّان أنّهما لم1015يذكرا اسمه و لا كنيته، و هذا عجيب، و الذي أراه أنّ المنع من ذلك إنّما كان للتقيّه في وقت الخوف عليه، و الطلب له، و السؤال عنه، فأمّا الآن فلا و اللّه أعلم.
[كشف الغمة في معرفة الأئمة] · موسوعة الغيبة والظهور