⟨و عن علقمة عن عبد اللّه⟩
قال: أصاب فاطمة (عليها السلام) صبيحة العرس رعدة، فقال لها النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): زوّجتك سيّدا في الدنيا و إنّه في الآخرة لمن الصالحين، يا فاطمة إنّي لمّا أردت أن أملكك بعلي أمر اللّه شجر الجنان فحملت حليا و حللا، و أمرها فنثرته على الملائكة، فمن أخذ منه يومئذ شيئا أكثر ممّا أخذ منه صاحبه أو أحسن افتخر به على صاحبه إلى يوم القيامة، قالت أم سلمة: فلقد كانت فاطمة تفتخر على النساء لأنّ أوّل من خطب عليها جبرئيل.قال: هذا حديث حسن رزقناه عاليا و فيه مناقب كثيرة لعلي بن أبي طالب:منها: إنّ اللّه عزّ و جلّ زوّجه من السماء و كان هو وليّه.و منها: إنّ جبرئيل (عليه السلام) خطب لعقدة نكاحه.و منها: شهود الملائكة إملاكه.و منها: تخصيصه بنثار شجر الجنّة على عرسه.و منها: شهادة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) له بالسيادة في الدنيا و الآخرة.و منها: إنّه في الآخرة لمن الصالحين و مع الصالحين، و هم الأنبياء و المرسلون، و قد دعا الأنبياء و المرسلون بمثل ذلك، كما قال اللّه تعالى: وَ أَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ.و روي أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) دخل على فاطمة (عليها السلام) ليلة عرسها بقدح من لبن، قد اختلفت النسخ في اسم الوادي ففي بعضها «الأفتيح» و في أخرى «الأقبح» و المختار هو عين ما في نسخة الأصل. النمل: 19. فقال: اشربي هذا، فداك أبوك، ثمّ قال لعلي (عليه السلام): اشرب فداك ابن عمّك.و روي أنّه لمّا زفّت فاطمة إلى علي (عليهما السلام) نزل جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل و هم سبعون ألف ملك، و قدمت بغلة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الدلدل، و عليها فاطمة (عليها السلام) مشتملة، قال: فأمسك جبرئيل باللجام، و أمسك إسرافيل بالركاب، و أمسك ميكائيل بالثفر، و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يسوى عليها الثياب، فكبّر جبرئيل و كبّر إسرافيل، و كبّر ميكائيل، و كبّرت الملائكة، و جرت السنة بالتكبير في الزفاف إلى يوم القيامة.و عن جعفر بن محمّد عن آبائه (عليهم السلام) إنّ أبا بكر أتى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: يا رسول اللّه زوّجني فاطمة، فأعرض عنه، فأتاه عمر فقال مثل ذلك، فأعرض عنه، فأتيا عبد الرحمن بن عوف فقالا: أنت أكثر قريش مالا فلو أتيت إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فخطبت إليه فاطمة زادك اللّه مالا إلى مالك و شرفا إلى شرفك، فأتى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال له ذلك، فأعرض عنه، فأتاهما فقال: قد نزل بى مثل الذي نزل بكما، فأتيا علي بن أبي طالب و هو يسقي نخلا، فقالا: قد عرفنا قرابتك من رسول اللّه و قدمتك في الإسلام فلو أتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فخطبت إليه فاطمة لزادك اللّه فضلا إلى فضلك، و شرفا إلى شرفك، فقال: لقد نبّهتماني فانطلق فتوضّأ ثمّ اغتسل و لبس كساء قطريا، و صلّى ركعتين، ثمّ أتى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: يا رسول اللّه زوّجني فاطمة.قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إذا زوّجتكها فما تصدّقها؟ قال: أصدّقها سيفي و فرسي و درعي و ناضحي، قال: أمّا ناضحك و سيفك و فرسك فلا غناء بك عنهما، تقاتل المشركين، و أمّا درعك فشأنك بها، فانطلق علي و باع درعه بأربعمائة و ثمانين درهما قطرية فصبّها بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فلم يسأله عن عددها و لا هو أخبره.فأخذ منها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قبضة فدفعها إلى المقداد بن الأسود فقال: ابتع من هذا ما تجهّز به فاطمة، و أكثر لها من الطيب، فانطلق المقداد فاشترى لها رحا و قربة و وسادة من أدم، و حصيرا قطريا، فجاء به فوضعه بين يدي النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أسماء بنت عميس معه، فقالت: يا رسول اللّه خطب إليك ذووا الأسنان و الأموال من قريش و لم الثفر- بالتحريك و قد يسكن-: السير الذي في مؤخر السرج. قطر: بلد بأرض بحرين. تزوّجهم فزوّجتها هذا الغلام؟ فقال: يا أسماء أمّا إنّك ستزوّجين بهذا الغلام و تلدين له غلاما.[هذا مع ما روي أنّها كانت بالحبشة غريب فإنّها تزوّجت بأمير المؤمنين (عليه السلام) و ولدت منه كما ذكر (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).]فلمّا كان الليل قال لسلمان: ائتني ببغلتي الشهباء فأتاه بها، فحمل عليها فاطمة (عليها السلام)، فكان سلمان يقودها و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقوم بها، فبينا هو كذلك إذ سمع حسّا خلف ظهره، فالتفت فإذا جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل في جمع كثير من الملائكة (عليهم السلام)، فقال: يا جبرئيل ما أنزلكم؟ قال: نزلنا نزفّ فاطمة (عليها السلام) إلى زوجها، فكبّر جبرئيل، ثمّ كبّر ميكائيل، ثمّ كبّر إسرافيل، ثمّ كبّرت الملائكة، ثمّ كبّر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، ثمّ كبّر سلمان الفارسي، فصار التكبير خلف العرائس سنّة من تلك الليلة، فجاء بها فأدخلها على علي (عليهما السلام) فأجلسها إلى جنبه على الحصير القطري، ثمّ قال: يا علي هذه بنتي فمن أكرمها فقد أكرمني و من أهانها فقد أهانني، ثمّ قال: اللهمّ بارك لهما و عليهما و اجعل منهما ﴿ذريّة طيّبة إنّك سميع الدعاء﴾، ثمّ وثب فتعلّقت به و بكت، فقال لها: ما يبكيك؟فلقد زوّجتك أعظمهم حلما و أكثرهم علما.و عن ابن عباس و قد كتبته قبل هذا و لكن اختلف الروايات فحسن عندي إثباته و كتب الحديث لأتعرى من التكرار لاختلاف الطريق و الروايات، و كلّما كثرت رواتها و تشعّبت طرقها كان أدلّ على صحّتها، و توفّر الدواعي على قبولها، قال: كانت فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) تذكر فلا يذكرها أحد لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلّا أعرض عنه، فقال سعد بن معاذ الأنصاري لعلي بن أبي طالب (عليه السلام): إنّي و اللّه ما أرى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يريد بها غيرك، فقال علي: أ ترى ذلك و ما أنا بواحد من الرجلين، ما أنا بذي دنيا يلتمس ما عندي لقد علم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه مالي حمراء و لا بيضاء، فقال سعد: لتفرجنّها عنّي أعزم عليك لتفعلنّ، قال: فقال له علي: فأقول ما ذا؟قال: تقول له: جئتك خاطبا إلى اللّه تعالى و إلى رسوله فاطمة بنت محمّد، فإنّ لي في ذلك فرحا، فانطلق عليّ حتّى تعرّض لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): كأنّ لك حاجة؟ فقال: أجل، فقال: هات، قال:جئتك خاطبا إلى اللّه و إلى رسوله فاطمة بنت محمّد، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): مرحبا و حبّا و لم يزده على ذلك، ثمّ تفرّقا.فلقى عليّا سعد بن معاذ فقال له سعد: ما صنعت؟ فقال: قد فعلت الذي كلّفتني، فما زاد عليّ أن رحّب بي، فقال له سعد: ما أرفعه و أبركه لقد أنكحك و الذي بعثه بالحق، إنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا يخلف و لا يكذب، أعزم عليك لتلقينه غدا و لتقولنّ له: يا رسول اللّه متى تبيّن لي؟ فقال له: هذه أشدّ عليّ من الأولى أو لا أقول حاجتي؟ فقال له:لا، فانطلق حتّى لقى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال له:لا، فانطلق حتّى لقى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال له: يا رسول اللّه متى تبيّن لي؟ فقال: الليلة إن شاء اللّه تعالى، ثمّ انصرف.فدعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بلالا فقال: إنّي قد زوّجت فاطمة ابنتي بابن عمّي، و أنا أحبّ أن يكون من أخلاق أمّتي الطعام عند النكاح، اذهب يا بلال إلى الغنم و خذ شاتا و خمسة أمداد شعيرا و اجعل لي قصعة فلعلّي أجمع عليها المهاجرين و الأنصار، قال:ففعل ذلك و أتاه بها حين فرغ فوضعها بين يديه، قال: فطعن في أعلاها ثمّ تفل فيها و برك ثمّ قال: يا بلال ادع الناس إلى المسجد و لا تفارق رفقة إلى غيرها، فجعلوا يردّون عليه رفقة رفقة كلّما وردت رفقة نهضت أخرى حتّى تتابعوا ثمّ كفت و فضل منها فتفل عليه و برك ثمّ قال: يا بلال احملها إلى أمّهاتك، فقل لهنّ: كلن و أطعمن من غشيكنّ، ففعل ذلك بلال.ثمّ إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) دخل على النساء فقال لهنّ: إنّي قد زوّجت ابنتي لابن عمّي و قد علمتنّ منزلتها منّي، و إنّي دافعها إليه ألا فدونكنّ ابنتكنّ، فقمن إلى الفتاة فعلّقن عليها من حليهنّ و طيّبنها و جعلن في بيتها فراشا حشوه ليف، و وسادة و كساء خيبريّا و مخضبا و هو المركن، و اتّخذت أم أيمن بوابة.ثمّ إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) جاء فهتف بفاطمة و هي في بعض البيوت فأقبلت فلمّا رأت زوجها مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حصرت و بكت فقال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ادني منّي فدنت منه فأخذ بيدها و يد علي، فلمّا أراد أن يجعل كفّها في كفّ علي حصرت و دمعت عيناها، فرفع رسول اللّه رأسه إلى علي و أشفق أن يكون بكاؤها من أجل أنّه ليس له شيء، فقال لها: ما ألوتك من نفسي و لقد أصبت بك القدر، و زوّجتك خير أهلي و أيم اللّه لقد زوّجتك سيّدا في الدنيا و إنّه في الآخرة لمن الصالحين.قال: فلان منها و أمكنته من كفّها، فقال لهما: اذهبا إلى بيتكما بارك اللّه لكما و أصلح بالكما فلا تهيّجا شيئا حتّى آتيكما، فأقبلا حتّى جلسا (عليهما السلام) مجلسهما، حصر حصرا: ضاق صدره. و عند هما أمّهات المؤمنين، و بينهنّ و بين علي حجاب، و فاطمة مع النساء، ثمّ أقبل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حتّى دقّ الباب، فقالت أمّ أيمن: من هذا؟ فقال: أنا رسول اللّه، ففتحت له الباب و هي تقول: بأبي أنت و أمّي، فقال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أثم أخي يا أمّ أيمن؟فقلت له: و من أخوك؟ فقال: علي بن أبي طالب. فقالت: يا رسول اللّه هو أخوك و زوّجته ابنتك؟ فقال: نعم، فقالت: إنّما نعرف الحلال و الحرام بك، فدخل و خرج النساء مسرعات و بقيت أسماء بنت عميس.فلمّا بصرت برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مقبلا تهيّأت للخروج، فقال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):على رسلك من أنت؟ فقالت: أنا أسماء بنت عميس، بأبي أنت و أمّي إنّ الفتاة ليلة بنائها لا غنى بها عن امرأة إن حدثت لها حاجة أفضت بها إليها، فقال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ما أخرجك إلّا ذلك؟ فقالت: إليّ و الذي بعثك بالحق ما أكذب و الروح الأمين يأتيك، فقال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): فأسأل إلهي أن يحرسك من فوقك و من تحتك و من بين يديك و من خلفك و عن يمينك و عن شمالك من الشيطان الرجيم، ناوليني المخضب و املئيه ماء.قال: فنهضت أسماء فملأت المخضب ماء و أتته به، فملأ فاه ثمّ مجّه فيه ثمّ قال: اللهمّ إنّهما منّي و أنا منهما، اللهمّ كما أذهبت عنّي الرجس و طهّرتني تطهيرا فأذهب عنهما الرجس و طهّرهما تطهيرا، ثمّ دعا فاطمة فقامت إليه و عليها النقبة و أزارها، فضرب كفّا من ماء بين يديها و بأخرى على عاتقها و بأخرى على هامتها ثمّ نضح جيدها و جيده ثمّ التزمها و قال: اللهمّ إنّهما منّي و أنا منهما، اللهمّ فكما أذهبت عنّي الرجس و طهّرتني تطهيرا فطهّرهما، ثمّ أمرها أن تشرب بقيّة الماء و تتمضمض و تستنشق و تتوضّأ، ثمّ دعا بمخضب آخر فصنع به كما صنع بالأوّل، و دعا عليّا فصنع به كما صنع بصاحبته، و دعا له كما دعا لها، ثمّ أغلق عليهما الباب و انطلق، فزعم عبد اللّه ابن عباس عن أسماء بنت عميس أنّه لم يزل يدعو لهما خاصة حتّى توارى في حجرته ما شرك معهما في دعائه أحدا.قال محمّد بن يوسف الكنجي: هكذا رواه ابن بطة العكبري الحافظ و هو حسن عال، و ذكر أسماء بنت عميس في هذا الحديث غير صحيح لأنّ أسماء هذه امرأة جعفر بن أبي طالب (عليه السلام)، و تزوّجها بعده أبو بكر فولدت له محمّدا و ذلك بذي الحليفة، فخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى مكّة في حجّة الوداع، فلمّا مات أبو بكر تزوّجها علي ابن أبي طالب (عليه السلام) فولدت له، و ما أرى نسبتها في هذا الحديث إلّا غلطا وقع من بعض الرواة، لأنّ أسماء التي حضرت في عرس فاطمة (عليها السلام) إنّما هي أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصاري، و أسماء بنت عميس كانت مع زوجها جعفر بن أبي طالب بالحبشة هاجر بها الهجرة الثانية، و قدم بها يوم فتح خيبر سنة سبع،و قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ما أدري بأيّهما أسرّ: بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟و كان زواج فاطمة (عليها السلام) بعد وقعة بدر بأيّام يسيرة، فصحّ بهذا أنّ أسماء المذكورة في هذا الحديث إنّما هي أسماء بنت يزيد، و لها أحاديث عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، روى عنها شهر بن حوشب و غيره من التابعين، حقّق ذلك محمّد بن يوسف الكنجي في الوجهة قبل هذا.و روى الحافظ أبو محمّد عبد العزيز بن أخضر الجنابذي قال: لمّا كانت ليلة أهديت فاطمة إلى علي (عليه السلام)، قال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لا تحدث شيئا حتّى آتيك، فلم يلبث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أن أتبعهما، فقام على الباب فاستأذن فدخل، فإذا عليّ منتبذ منها، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّي قد علمت أنّك تهاب اللّه و رسوله، فدعا بماء فتمضمض به ثمّ أعاده في الإناء ثمّ نضح به صدرها و صدره.قال: و روي أنّ عليّا (عليه السلام) قال: لمّا أردت أن أخطب إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ابنته فقلت: و اللّه ما عندي من شيء، ثمّ ذكرت وصلته فخطبتها إليه، فقال لي: عندك شيء؟فقلت: لا، قال: أين درعك الحطمية التي أعطيتكها يوم بدر، قال: قلت: هي عندي، فزوّجني عليها، و قال: لا تحدثنّ شيئا حتّى آتيكما، قال: فجاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و نحن نيام، فقال: مكانكما، فقعد بيننا، فدعا بماء فرشّه علينا، قال: فقلت: يا رسول اللّه أنا أحبّ إليك أم هي؟ قال: هي أحبّ إليّ منك، و أنت أعزّ عليّ منها.و روى النّجاد في أماليه أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) دخل على فاطمة بعد ما بنى بها بأيام، فصنعت كما تصنع الجارية إذا رأت بعض أهلها، فبكت، فقال لها: ما يبكيك يا بنية لقد زوّجتك خير من أعلم؟قال علي بن عيسى بن أبي الفتح عفى اللّه عنه: قد ثبت لعلي (عليه السلام) بما تقدم في هذا الكتاب من المزايا ما بذّ به الأمثال، و تقرّر له من شرف السجايا ما فات به الأصحاب و الآل، و ظهر له من علوّ الشأن ما توحّد به و تفرّد، و عرف له من سموّ انتبذ عن الشيء: اعتزل و تنحّى عنه. المكان ما ثبت به فضله و توطّد، و صرّح النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بما يجب له على الامّة بما هو أشهر من النهار، و كنّى و عرّض و أشار فما قبلوا ما أشار، فقامت حجّته (عليه السلام) بالدليل، و دحض اللّه بما شاع من شرفه ما اختلق من الأباطيل، و شهد بفضله النبي فحكم به حاكم التنزيل، و أتمّ اللّه شرفه بفاطمة (عليها السلام) و ناهيك بهذا التمام، و نظمت عقود فضائله فازدان العقد بالنظام، فإنّها العقيلة الكريمة، و الدرّة اليتيمة، و الموهبة العظيمة، و المنحة الجسيمة، و العطيّة السنيّة، و السيّدة السريّة، و البضعة النبويّة، و الشمس المنيرة المضيئة، و البتول الطاهرية المحمّديّة، سيّدة النساء المخصوصة بالثناء و السناء، المؤيّدة بعناية ربّ السماء، أمّ أبيها صلّى اللّه عليه و عليها و على بعلها و بنيها، فإنّها زادته شرفا إلى شرفه القديم، و كسته حلّة مجد أوجبت له مزيّة التقديم، و رفعت له منار سؤدد ظاهر الترحيب و التعظيم، و كانت هذه الكريمة صالحة لذلك الكريم.أتاه المجد من هنّا و هنّا* و كان له بمجتمع السيول اتّصل بها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من جهة تزيد على اتّصاله، و اختصّ بسببها به اختصاصا رفعه على أصحابه و إله، فلهذا جعل نفسه نفسه، و نساءه نساءه، و أبناءه أبناءه، حين قدم النجرانيّون لمباهلته و جداله، و كفاك بها مناقب سمت على النجوم الظاهرة، و مراتب يغبطها أهل الدنيا و الآخرة، لا يدفعها إلّا من يدفع الحقّ بعد ظهوره، و لا ينكرها إلّا من ادّعى أنّ الليل يغلب النهار بنوره، و سيظهر لك أيّدك اللّه عند ذكرها ما تعرف به حقيقة أمرها، و تستدلّ به على شرف قدرها.فصل في ذكر مناقب شتّى و أحاديث متفرّقة أوردها الرواة و المحدّثون و أخبار و آثار دالّة على ما نحن بصدده من ذكر فضله
[كشف الغمة في معرفة الأئمة] · موسوعة الغيبة والظهور