الأقسامفضائل أهل البيت ومناقبهمفاطمة الزهراء عليها السلام
كشف الغمة في معرفة الأئمة · رقم ٢٤٧

و روى عبد اللّه بن إبراهيم عن زياد المخارقي

قال: لمّا حضرت الحسن (عليه السلام) الوفاة استدعى الحسين بن علي (عليهما السلام) فقال له: يا أخي إنّي مفارقك و لاحق بربّي عزّ و جلّ، و قد سقيت السمّ و رميت بكبدي في الطست، و إنّي لعارف بمن سقاني السمّ و من أين دهيت، و أنا أخاصمه إلى اللّه عزّ و جلّ، فبحقّي عليك إن تكلّمت في ذلك بشيء، فإذا قضيت نحبي فغمّضني و غسّلني و كفني و احملني على سريري إلى قبر جدّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لأجدّد به عهدا ثمّ ردّني إلى قبر جدّتي فاطمة رحمة اللّه عليها فادفنّي هناك، و ستعلم يا بن أم إنّ القوم يظنّون إنّكم تريدون دفني عند جدّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيجلبون في منعكم من ذلك، و باللّه أقسم عليكم أن تهريق في أمري محجمة دم، ثمّ وصّى إليه (عليهما السلام) بأهله و ولده و تركاته، و ما كان وصّى به إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) حين استخلفه و أهّله لمقامه، و دلّ شيعته على استخلافه و نصبه لهم علما من بعده، فلمّا مضى (عليه السلام) لسبيله غسله الحسين (عليه السلام) و كفنه و حمله على سريره فلم يشك مروان و من معه من بني أميّة أنّهم سيدفنونه عند جدّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فتجمّعوا له و لبسوا السلاح، فلمّا توجّه الحسين به إلى قبر جدّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ليجدّد به عهدا أقبلوا إليهم في جمعهم و لحقتهم عائشة على بغل و هي تقول: مالي و مالكم تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أحب؟و جعل مروان يقول: يا رب هيجا هي خير من دعة، أ يدفن عثمان في أقصى المدينة و يدفن الحسن مع النبي؟ لا يكون ذلك أبدا و أنا أحمل السيف، و كادت الفتنة تقع بين بني هاشم و بني أميّة.فبادر ابن عباس إلى مروان فقال له: ارجع يا مروان من حيث جئت فإنّا ما نريد دفن صاحبنا عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، لكنّا نريد أن نجدّد به عهدا و بزيارته ثمّ نردّه إلى جدّته فاطمة رحمة اللّه عليها فندفنه بوصيّته عندها، و لو كان وصّى بدفنه مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لعلمت أنّك أقصر باعا من ردّنا عن ذلك، و لكنّه كان أعلم باللّه و برسوله و بحرمة قبره من أن يطرق عليه هدما كما طرق ذلك غيره، و دخل بيته بغير إذنه، ثمّ أقبل على عائشة و قال: وا سوأتاه يوما على بغل و يوما على جمل، تريدين أن تطفئي نور اللّه و تقاتلي أولياء اللّه، ارجعي فقد كفيت الذي تخافين و بلغت ما تحبّين، و اللّه المحجمة: قارورة الدم و هي التي يقال لها كأس الحجامة. الهيجا: الحرب. و الدعة- اسم من الوداعة-: الراحة و الخفض. تعالى منتصر لأهل هذا البيت و لو بعد حين.و قال الحسين (عليه السلام): و اللّه لو لا عهد الحسن إليّ بحقن الدماء و أن لا أهريق في أمره محجمة دم لعلمتم كيف تأخذ سيوف اللّه منكم مأخذها و قد نقضتم العهد بيننا و بينكم، و أبطلتم ما اشترطنا عليكم لأنفسنا، و مضوا بالحسن (عليه السلام) فدفنوه بالبقيع عند جدّته فاطمة بنت أسد بن هاشم.قلت: في هذا الفصل موضعان يجب أن تحقّق، فإنّه قد تقدّم أنّ سعيد بن العاص صلّى على الحسن لأنّه كان واليا يومئذ على المدينة و في هذا الموضوع ذكر أنّ مروان خرج ليمنع من دفنه، فلعلّه لم يكن أميرا ليكون جمعا بين الأمرين.و الموضع الثاني: إنّي نقلت أنّ عبد اللّه بن عباس كان بدمشق و أخبره معاوية بموت الحسن (عليه السلام) و جرى بينهما كلام أغلظ فيه ابن عباس و قال له: أصبحت سيّد قومك؟ قال: أمّا و الحسين بن علي حيّ فلا، و قد أورد هاهنا أنّه حدث مروان و عائشة و قال لهما ما ذكرناه فيجب أن تحقّق و لا يجوز أن يكون القائل غير عبد اللّه فإنّ ابن عباس إذ أورد هكذا لم يرد به إلّا عبد اللّه.و روى الحافظ عبد العزيز بن الأخضر الجنابذي رحمه اللّه قال: لمّا حضرت الحسن الوفاة جعل يسترجع، فأكبّ عليه ابنه عبد اللّه فقال: يا أبة هل رأيت شيئا فقد غممتنا؟فقال: أي بني هي و اللّه نفسي التي لم أصب بمثلها.و قال: إنّه لمّا نزل بالحسن بن علي (عليه السلام) الموت فقال: أخرجوا فراشي إلى صحن الدار فأخرج فقال: اللهمّ إنّي أحتسب نفسي عندك فإنّي لم أصب بمثلها.و روي أنّه قال: لمّا حضرت الحسن بن علي (عليهما السلام) الوفاة كأنّه جزع عند الموت، فقال له الحسين (عليه السلام) كأنّه يعزّيه: يا أخي ما هذا الجزع؟! إنّك ترد على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و علي (عليه السلام) و هما أبواك، و على خديجة و فاطمة و هما أمّاك، و على القاسم و الطاهر و هما خالاك، و على حمزة و جعفر و هما عمّاك، فقال له الحسن (عليه السلام): أي أخي إنّي أدخل في أمر من أمر اللّه لم أدخل في مثله و أرى خلقا من خلق اللّه لم أر مثله قط، قال: فبكى الحسين (عليه السلام).قلت: مناقب الحسن (عليه السلام) و مزاياه، و صفات شرفه و سجاياه، و ما اجتمع فيه من الفضائل، و خصّ به من المآثر التي فاق بها على الأواخر و الأوائل، لا يقوم بإثباتها البنان، و لا ينهض بذكرها اللسان، لأنّه أرفع مكانة و محلّا، و أوفى شرفا و نبلا، و أزكى فرعا و أعلى أصلا من أن يقوم مثلي مع قصور ذرعه و جمود طبعه، بما يجب من عد مفاخره، و تخليد مآثره، و لكنّه (عليه السلام) من أهل بيت الكرم و الجود، و ناشري رمم السماح في الوجود، و لذلك يقبل اليسير و يجازي بالكثير، و قد قلت في مدحه معتذرا من التقصير:أيا ابن الأكرمين أقل عثاري * * * فتقصيري على الحالات بادو كيف أطيق أن أحصي مزايا * * * خصصت بهنّ من بين العبادلك الشرف الذي فاق البرايا * * * و جلّ علا على السبع الشدادسبقت إلى المفاخر و السجايا ال * * * كريمة و الندى سبق الجوادوجود يديك يقصر عن مداه * * * إذا عدّ الندى صوب الغواد و بيتك في العلى سام رحيب * * * بعيد الذكر مرتفع العمادأبوك شأى الورى شرفا و مجدا * * * فأمسى في العلى واري الزناد و جدّك أكرم الثقلين طرّا * * * أقرّ بفضله حتّى الأعاديإلى الحسن بن فاطمة أثيرت * * * بحقّ أينق المدح الجياد تؤمّ أبا محمّد المرجّى * * * حماد لها و من أمّت حمادأقرّ الحاسدون له بفضل * * * عوارفه قلائد في الهواد بكم نال الهداية ذو ضلال * * * و أنتم ناهجوا سبل الرشادو أنتم عصمة الراجي و غوث * * * يفوق الغيث في السنة الجماد محضتكم المودة غير و ان * * * و أرجو الأجر في صدق الودادو كم عاندت فيكم من عدوّ * * * و فيكم لا أخاف من العنادو من يك ذا مراد في أمور * * * فإنّ ولاءكم أقصى مراديأرجّيكم لآخرتي و أبغي * * * بكم نيل المطالب في معاديو ما قدّمت من زاد سواكم * * * و نعم الزاد يوم البعث زادي غواد جمع الغادية: السحابة تنشأ غدوة. شأى القوم: سبقهم. و ورى الزند: خرجت ناره. ثار: هاج. و أينق جمع الناقة. العوارف: العطايا. و الهواد: الأعناق. السنة الجماد: أي لم يصبها مطر. ذكر الإمام الثالث أبي عبد اللّه الحسين الزكي (عليه السلام) قال الشيخ كمال الدين رحمه اللّه: الباب الثالث في أبي عبد اللّه الحسين الزكي (عليه السلام) و فيه اثنى عشر فصلا: في ولادته، في نسبه، في تسميته، في كنيته و لقبه، فيما ورد في حقّه من النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و إمامته، في شجاعته و شرف نفسه، في كرمه، في كلامه، في أولاده، في عمره، في خروجه من المدينة إلى مكّة إلى العراق، في مصرعه و مقتله.الأوّل: في ولادته (عليه السلام) ولد بالمدينة بخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة، و كانت و الدته الطهر البتول فاطمة (عليها السلام)، علقت به بعد أن ولدت أخاه الحسن (عليه السلام) بخمسين ليلة هكذا صحّ النقل، فلم يكن بينه و بين أخيه (عليهما السلام) سوى هذه المدة المذكورة و مدّة الحمل، و لمّا ولد و أعلم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) به أخذه و أذّن في أذنه.قيل: أذّن في أذنه اليمنى و أقام في اليسرى.قال الشيخ المفيد رحمه اللّه: ولد بالمدينة في التاريخ المذكور.قال: و جاءت به أمّه فاطمة (عليها السلام) إلى جدّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فاستبشر به و سمّاه حسينا، و عقّ عنه كبشا، و كذلك قال الحافظ عبد العزيز الجنابذي رحمه اللّه تعالى.الثاني: في نسبه (عليه السلام) نسبه نسب أخيه الحسن (عليه السلام)، و قد تقدم ذكره، و هو النسب الذي افترع هام الكواكب شرفا و علا، و فاق النيّرات سنّا و سناء، فلا حاجة إلى إعادة ذكره.الثالث: في تسميته (عليه السلام) قال كمال الدين رحمه اللّه: هذا الاسم سمّاه به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فإنّه لمّا أعلم به أخذه و أذّن في أذنه اليمنى و أقام في اليسرى، و قال: سمّوه حسينا، فكانت تسمية أخيه افترع: علا. و الهام: رأس كلّ شيء. بالحسن و تسميته بالحسين صادرة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، ثمّ إنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عقّ عنه و ذبح عنه كبشا، و حلقت و الدته (عليها السلام) رأسه و تصدّقت بوزن شعره فضّة كما أمرها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)،و قد تقدّم ذلك في أخبار الحسن (عليه السلام).الرابع: في كنيته و ألقابهقال كمال الدين رحمه اللّه: كنيته أبو عبد اللّه لا غير، و أمّا ألقابه فكثيرة: الرشيد، و الطيّب، و الوفي، و السيّد، الزكي، و المبارك، و التابع لمرضاة اللّه، و السبط، فكلّ هذه كانت تقال له و تطلق عليه، و أشهرها الزكي، لكن أعلاها رتبة ما لقّبه به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في قوله عنه و عن أخيه: إنّهما سيّدا شباب أهل الجنّة، فيكون السيّد أشرفها، و كذلك السبط فإنّه صحّ عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال: حسين سبط من الأسباط،و سيأتي هذا الحديث في الفصل الخامس تلو هذا إن شاء اللّه تعالى.قال ابن الخشّاب رحمه اللّه: يكنّى بأبي عبد اللّه، لقبه: الرشيد، و الطيّب، و الوفي، و السيّد، و المبارك، و التابع لمرضاة اللّه، و الدليل على ذات اللّه عزّ و جلّ، و السبط.الخامس: في إمامته و ما ورد في حقّه من النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قولا و فعلاأمّا إمامته (عليه السلام) فدليلها النص من أبيه و جدّه (عليهما السلام)، و وصيّة أخيه الحسن (عليه السلام) إليه، فكانت إمامته بعد وفاة أخيه بما قدّمناه ثابتة و طاعته لجميع الخلق لازمة، و إن لم يدع إلى نفسه (عليه السلام) للتقية التي كان عليها، و الهدنة الحاصلة بينه و بين معاوية، و التزم الوفاء بها، و جرى في ذلك مجرى أبيه أمير المؤمنين و ثبوت إمامته بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مع الصموت، و إمامة أخيه الحسن (عليه السلام) بعد الهدنة مع الكف و السكوت، و كانوا في ذلك على سيرة نبي اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هو في الشعب محصور، و عند خروجه مهاجرا من مكة،فلمّا مات معاوية و انقضت مدّة الهدنة التي كانت تمنع الحسين بن علي (عليهما السلام) من الدعوة إلى نفسه أظهر أمره بحسب الإمكان، و أبان عن حقّه للجاهلين به حالا بحال، إلى أن اجتمع له في الظاهر الأنصار، فدعا (عليه السلام) إلى الجهاد و شمّر للقتال، و توجّه بولده و أهل بيته من حرم اللّه و حرم رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نحو العراق للاستنصار بمن دعاه من شيعته على الأعداء.و قدّم أمامه ابن عمّه مسلم بن عقيل و أرضاه للدعوة إلى اللّه و البيعة له، فبايعه أهل الكوفة على ذلك و عاهدوه، و ضمنوا له النصرة و النصيحة، و وثقوا له في ذلك و عاقدوه، ثمّ لم تطل المدّة بهم حتّى نكثوا بيعته و خذلوه و أسلموه، و قتل بينهم و لم يمنعوه، و خرجوا إلى الحسين (عليه السلام) فحصروه و منعوه المسير في بلاد اللّه، و اضطرّوه إلى حيث لا يجد ناصرا و لا مهربا منهم، و حالوا بينه و بين ماء الفرات حتّى تمكّنوا منه و قتلوه، فمضى (عليه السلام) ظمآنا مجاهدا صابرا محتسبا مظلوما، قد نكثت بيعته، و انتهكت حرمته، و لم يوف له بعهد، و لا رعيت فيه ذمّة عقد، شهيدا على ما مضى عليه أبوه و أخوه (عليهما السلام) و الصلاة و الرحمة.أقول: مناقب الحسين (عليه السلام) واضحة الظهور، و سنا شرفه و مجده مشرق النور، فله الرتبة العالية، و المكانة السامية في كلّ الامور، فما اختلف في نبله و فضله و اعتلاء محلّه أحد من الشيعة و لا الجمهور.عرف العالمون فضلك بالعلم * * * و قال الجهّال بالتقليدو كيف لا يكون كذلك و قد اكتنفه الشرف من جميع أكنافه، و ظهرت مخايل السؤدد على شمائله و أعطافه، و كاد الجلال يقطر من نواحيه و أطرافه، و هذا قول لا أخاف أن يقول مسلم بخلافه، الجدّ محمّد المصطفى، و الأب علي المرتضى، و الجدّة خديجة الكبرى، و الام فاطمة الزهراء، و الأخ الحسن ذو الشرف و الفخار، و العم جعفر الطّار، و البيت من هاشم الصفوة الأخيار، فهو و أخوه (عليهما السلام) صفوة الصفوة و نور الأنوار، و هو في نفسه السيّد الشريف، و الطود المنيف، و الشجاع الغطريف، و الأسد الهصور، و الفارس المذكور، و العلم المشهور.أتاه المجد من هنا و هنا * * * و كان له بمجتمع السيولو قد تقدم في أخبار أبيه و أخيه ما هو قسيمهما فيه، فما افترعا غارب مجد إلّا افترعه، و لا جمعا شمل سؤدد إلّا جمعه، و لا نالا رتبة علاء إلّا نالها، و لا طالا هضبة عزّ إلّا طالها، و أنا أذكر في هذا الفصل شيئا ممّا ورد في وصف فضائله، و ما ورد فيه التذاذا بتكرير مناقبه و مفاخره، و طربا بعدّ مزاياه و مآثره، و إن كان في تضاعيف هذا الغطريف: السيد. الهصور: الأسد. الغارب: أعلى كلّ شيء. الهضبة: ما ارتفع من الأرض. و قيل: الجبل الطويل الممتنع المنفرد. الكتاب من نعوته و صفاته، ما فيه غنية كافية لأولى الألباب، و اللّه الموفّق للصواب.قال يعلى بن مرّة: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: حسين منّي و أنا من حسين، أحبّ اللّه من أحبّ حسينا، حسين سبط من الأسباط.

[كشف الغمة في معرفة الأئمة] · موسوعة الغيبة والظهور

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.