⟨روي عن ابن عباس⟩
ما ليس له بأهل قام هاتفا على المنبر لعجزه عن القيام بأمر الأمة، ومستقيلا مما قلدوه لقصور معرفته على تأويل ما كان يسأل عنه، وجهله بما يأتي ويذر.ثم أقام على ظلمه، ولم يرض باحتقاب عظيم الوزر في ذلك حتى عقد الأمر من بعده لغيره، فأتى التالي بتسفيه رأيه، والقدح والطعن على أحكامه، ورفع السيف عمن كان صاحبه وضعه عليه، ورد النساء اللاتي كان سباهن إلى أزواجهن وبعضهن حوامل، وقوله: " قد نهيته عن قتال أهل القبلة فقال لي: إنك لحدب على أهل الكفر وكان هو في ظلمه لهم أولى باسم الكفر منهم ".ولم يزل يخطئه، ويظهر الأرزاء عليه، ويقول على المنبر: " كانت بيعة أبي بكر فلتة، وقى الله شرها، فمن دعاكم إلى مثلها فاقتلوه " وكان يقول: قبل ذلك قولا ظاهرا ليته حسنة من حسناته، ويود أنه كان شعرة في صدره، وغير ذلك من القول المتناقض المؤكد لحجج الدافعين لدين الإسلام.وأتى من أمر الشورى وتأكيده بها: عقد الظلم والإلحاد، والغي والفساد، حتى تقرر على إرادته ما لم يخف - على ذي لب موضع ضرره -.ولم تطق الأمة الصبر على ما أظهره الثالث من سوء الفعل، فعاجلته بالقتل فاتسع بما جنوه من ذلك لمن وافقهم على ظلمهم وكفرهم ونفاقهم: محاولة مثل ما أتوه من الاستيلاء على أمر الأمة.كل ذلك لتتم النظرة التي أوحاها الله تعالى لعدوه إبليس، إلى أن يبلغ الكتاب أجله، ويحق القول على الكافرين، ويقترب الوعد الحق، الذي بينه في كتابه بقوله: " ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات﴾ لنستخلفنهم ﴿في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم﴾ " وذلك: إذا لم يبق من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه، وغاب صاحب الأمر بإيضاح الغدر له في ذلك، لاشتمال الفتنة على القلوب حتى يكون أقرب الناس إليه أشدهم عدواة له.وعند ذلك يؤيده الله بجنود لم تروها، ويظهر دين نبيه (صلى الله وعليه وآله) - على يديه - ﴿على الدين كله ولو كره المشركون﴾.وأما ما ذكرته من الخطاب الدال على تهجين النبي (صلى الله وعليه وآله)، والأرزاء به، والتأنيب له، مع ما أظهره الله تعالى في كتابه من تفضيله إياه على سائر أنبيائه فإن الله عز وجل جعل لكل نبي عدوا من المشركين، كما قال في كتابه، وبحسب جلالة منزلة نبينا (صلى الله وعليه وآله) عند ربه، كذلك عظم محنته لعدوه الذي عاد منه في شقاقه ونفاقه كل أذى ومشقة لدفع نبوته، وتكذيبه إياه، وسعيه في مكارهه، وقصده لنقض كل ما أبرمه، واجتهاده ومن مالأه على كفره، وعناده، ونفاقه، وإلحاده في إبطال دعواه، وتغيير ملته، ومخالفته سنته، ولم ير شيئا أبلغ في تمام كيده من تنفيرهم من موالاة وصيه، وإيحاشهم منه، وصدهم عنه، وإغرائهم بعداوته،النور: 55. والقصد لتغيير الكتاب الذي جاء به، وإسقاط ما فيه من فضل ذوي الفضل، وكفر ذوي الكفر، منه وممن وافقه على ظلمه، وبغيه، وشركه، ولقد علم الله ذلك منهم فقال: " ﴿إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا﴾ " وقال: " ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾ " ولقد أحضروا الكتاب كملا مشتملا على التأويل، والتنزيل.والمحكم، والمتشابه، والناسخ، والمنسوخ، لم يسقط منه: حرف ألف ولا لام، فلما وقفوا على ما بينه الله من: أسماء أهل الحق والباطل، وأن ذلك إن أظهر نقص ما عهدوه قالوا: لا حاجة لنا فيه، نحن مستغنون عنه بما عندنا، وكذلك قال: " ﴿فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون﴾ ".دفعهم الاضطرار بورود المسائل عليهم عما لا يعلمون تأويله، إلى جمعه، وتأليفه، وتضمينه من تلقائهم ما يقيمون به دعائم كفرهم، فصرخ مناديهم: من كان عنده شئ من القرآن فليأتنا به، ووكلوا تأليفه ونظمه إلى بعض من وافقهم على معادات أولياء الله، فألفه على اختيارهم، وما يدل للمتأمل له على اختلال تمييزهم، وافترائهم، وتركوا منه ما قدروا أنه لهم، وهو عليهم، وزادوا فيه ما ظهر تناكره وتنافره، وعلم الله أن ذلك يظهر ويبين، فقال، " ذلك مبلغهم من العلم " وانكشف لأهل الاستبصار عوارهم، وافترائهم.والذي بدا في الكتاب من الازراء على النبي (صلى الله وعليه وآله) من فرقة الملحدين ولذلك قال: " ويقولون منكرا من القول وزورا " ويذكر جل ذكره لنبيه (صلى الله وعليه وآله) ما يحدثه عدوه في كتابه من بعده بقوله: " ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته﴾ " يعني: أنه ما من نبي تمنى مفارقة ما يعاينه من نفاق قومه، وعقوقهم، والانتقال عنهم إلى دار الإقامة، إلا ألقى الشيطان المعرض لعداوته عند فقده في الكتاب الذي أنزل عليه، ذمه، والقدح فيه، والطعن عليه، فينسخ الله ذلك من قلوب المؤمنين فلا تقبله، ولا تصغي إليه غير قلوب المنافقين، والجاهلين، ويحكم الله آياته بأن:يحمي أوليائه من الضلال والعدوان، ومشايعة أهل الكفر والطغيان، الذين لم يرض الله أن يجعلهم كالأنعام حتى قال: " بل هم أضل سبيلا ".فافهم هذا واعلمه، واعمل به، واعلم أنك ما قد تركت مما يجب عليك السؤال عنه أكثر مما سألت عنه، وأني قد اقتصرت على تفسير يسير من كثير لعدم حملة العلم، وقلة الراغبين في التماسه، وفي دون ما بينت لك بلاغ لذوي الألباب.قال السائل: حسبي ما سمعت يا أمير المؤمنين، شكرا لله لك على استنقاذي من عماية الشرك، وطخية الإفك، وأجزل على ذلك مثوبتك، إنه على كل شئ قدير، وصلى الله أولا وآخرا على أنوار الهدايات، وأعلام البريات، محمد وآله أصحاب الدلالات الواضحات، وسلم تسليما كثيرا.عن الأصبغ بن نباتة قال: لما بويع أمير المؤمنين (عليه السلام)، خرج إلى المسجد متعمما بعمامة رسول الله (صلى الله وعليه وآله)، لابسا بردته، منتعلا بنعل رسول الله، ومتقلدا بسيف رسول الله (صلى الله وعليه وآله)، فصعد المنبر، فجلس متمكنا، ثم شبك بين أصابعه فوضعها أسفل بطنه، ثم قال:يا معشر الناس سلوني قبل أن تفقدوني: وهذا سفط العلم، هذا لعاب رسول الله (صلى الله وعليه وآله)، هذا ما زقني رسول الله زقا زقا، سلوني فإن عندي علم الأولين والآخرين.أما والله لو ثنيت لي الوسادة فجلست عليها، لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم وأهل الإنجيل بإنجيلهم، وأهل الزبور بزبورهم، وأهل القرآن بقرآنهم، حتى ينطق كل كتاب من كتب الله فيقول: " صدق علي لقد أفتاكم بما أنزل الله في " وأنتم تتلون القرآن ليلا ونهارا فهل فيكم أحد يعلم: ما أنزل الله فيه، ولولا آية في كتاب الله لأخبرتكم: بما كان، وما يكون، وما هو كائن إلى يوم القيامة وهي هذه الآية: " ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ ".ثم قال: سلوني قبل أن تفقدوني، فوالذي فلق الحبة وبرئ النسمة، لو سألتموني عن: آية آية في ليل نزلت أم في نهار نزلت، مكيها ومدنيها، سفريها وحضريها، وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وتأويلها وتنزيلها لأنبأتكم.فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك؟فأجابه بما تقدم ذكرنا إياه.قال: فسلوني قبل أن تفقدوني.فقام إليه رجل من أقصي المجلس فقال: يا أمير المؤمنين دلني على عمل ينجيني الله به من النار، ويدخلني الجنة!قال: اسمع، ثم افهم، ثم استيقن، قامت الدنيا بثلاث: بعالم ناطق مستعمل لعلمه، وبغني لا يبخل بماله على أهل دين الله، وبفقير صابر.فإذا كتم العالم علمه، وبخل الغني بماله، ولم يصبر الفقير على فقره، فعندها الويل والثبور، وكادت الأرض أن ترجع إلى الكفر بعد الإيمان.أيها السائل لا تغترن بكثرة المساجد، وجماعة أقوام أجسادهم مجتمعة وقلوبهم متفرقة، فإنما الناس ثلاث: زاهد، وراغب، وصابر.أما الزاهد فلا يفرح بالدنيا إذا أتته، ولا يحزن عليها إذا فاتته.وأما الصابر فيتمناها بقلبه، فإن أدرك منها شيئا صرف عنها نفسه لعلمه بسوء العاقبة.وأما الراغب فلا يبالي من حل أصابها أم من حرام.ثم قال: يا أمير المؤمنين فما علامة المؤمن في ذلك الزمان؟قال ينظر إلى ولي الله فيتولاه، وإلي عدو الله فيتبرأ منه وإن كان حميما قريبا.قال: صدقت والله يا أمير المؤمنين ثم غاب فلم ير.فقال: هذا أخي الخضر (عليه السلام) تمام الخبر.وعن الأصبغ بن نباتة قال: خطبنا أمير المؤمنين (عليه السلام) على منبر الكوفة فحمد الله وأثني عليه، ثم قال: أيها الناس سلوني فإن بين جوانحي علما جما.فقام إليه ابن الكوا فقال: يا أمير المؤمنين ما الذاريات ذروا؟قال: الرياح.قال: فما الحاملات وقرا؟قال: السحاب.قال: فما الجاريات يسرا؟قال: السفن.قال: فما المقسمات أمرا.قال: الملائكة.قال: يا أمير المؤمنين وجدت كتاب الله ينقض بعضه بعضا.قال: ثكلتك أمك يا بن الكوا كتاب الله يصدق بعضه بعضا، ولا ينقض بعضه بعضا، فسل عما بدا لك.قال: يا أمير المؤمنين سمعته يقول: " رب المشارق والمغارب " وقال في آية أخرى: " رب المشرقين ورب المغربين " وقال في آية أخرى: " رب المشرق والمغرب ".قال: ثكلتك أمك يا بن الكوا، هذا المشرق وهذا المغرب، وأما قوله: رب المشرقين ورب المغربين، فإن مشرق الشتاء على حدة، ومشرق الصيف على حدة أما تعرف ذلك من قرب الشمس وبعدها؟ وأما قوله: رب المشارق والمغارب، فإن لها ثلثمائة وستين برجا، تطلع كل يوم من برج، وتغيب في آخر، فلا تعود إليه إلا من قابل في ذلك اليوم.قال: يا أمير المؤمنين كم بين موضع قدمك إلى عرش ربك؟قال: ثكلتك أمك يا بن الكوا سل متعلما، ولا تسأل متعنتا، من موضع قدمي إلى عرش ربي أن يقول قائل مخلصا: " لا إله إلا الله ".قال: يا أمير المؤمنين فما ثواب من قال: لا إله إلا الله؟قال: من قال لا إله إلا الله مخلصا طمست ذنوبه، كما يطمس الحرف الأسود من الرق الأبيض، فإن قال ثانية لا إله إلا الله مخلصا خرقت أبواب السماوات وصفوف الملائكة حتى يقول الملائكة بعضها لبعض: اخشعوا لعظمة الله فإذا قال ثالثة لا إله إلا الله مخلصا، تنته دون العرش، فيقول الجليل: " اسكني فوعزتي وجلالي لأغفرن لقائلك بما كان فيه " ثم تلا هذه الآية: " ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ " يعني إذا كان عمله صالحا ارتفع قوله وكلامه.قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن قوس قزح.قال: ثكلتك أمك لا تقل: قوس قزح فإن قزحا اسم شيطان، ولكن قل:قوس الله، إذا بدت يبدو الخصب والريف.قال: أخبرني يا أمير المؤمنين عن المجرة التي تكون في السماء.قال: هي شرج في السماء، وأمان لأهل الأرض من الغرق، ومنه غرق الله قوم نوح بماء منهمر قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن المحو الذي يكون في القمر.قال: (عليه السلام): الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، رجل أعمى يسأل عن مسألة عمياء، أما سمعت الله تعالى يقول: " ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة﴾ ".قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن أصحاب رسول الله (صلى الله وعليه وآله).قال: عن أي أصحاب رسول الله تسألني؟قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن أبي ذر الغفاري.قال: سمعت رسول الله (صلى الله وعليه وآله) يقول: " ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر ".قال: يا أمير المؤمنين فاخبرني عن سلمان الفارسي.قال: بخ بخ سلمان منا أهل البيت، ومن لكم بمثل لقمان الحكيم، علم علم الأول والآخر. قال يا أمير المؤمنين أخبرني عن حذيفة بن اليماني.قال: ذاك امرء علم أسماء المنافقين، أن تسألوه عن حدود الله تجدوه بها عالما.قال: يا أمير المؤمنين فاخبرني عن عمار بن ياسر.قال: ذاك امرء حرم الله لحمه ودمه على النار أن تمس شيئا منها.قال: يا أمير المؤمنين فاخبرني عن نفسك.قال: كنت إذا سألت أعطيت، وإذا سكت ابتدئت.قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن قول الله عز وجل: " ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا﴾ " الآية.قال: كفرة أهل الكتاب، اليهود والنصارى، وقد كانوا على الحق فابتدعوا في أديانهم، ﴿وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾.ثم نزل عن المنبر وضرب بيده على منكب ابن الكوا.ثم قال: يا بن الكوا وما أهل النهروان منهم ببعيد.فقال: يا أمير المؤمنين ما أريد غيرك، ولا أسأل سواك.قال: فرأينا ابن الكوا يوم النهروان فقيل له: ثكلتك أمك، بالأمس تسأل أمير المؤمنين عما سألته، وأنت اليوم تقاتله فرأينا رجلا حمل عليه فطعنه فقتله وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) عن علي (عليه السلام) قال: سلوني عن كتاب الله عز وجل، فوالله ما نزلت آية من كتاب الله في ليل ونهار، ولا مسير ولا مقام، إلا وقد أقرأنيها رسول الله (صلى الله وعليه وآله)، وعلمني تأويلها.فقام إليه ابن الكوا فقال: يا أمير المؤمنين فما كان ينزل عليه وأنت غائب عنه؟قال: كان رسول الله (صلى الله وعليه وآله) ما كان ينزل عليه من القرآن وأنا غائب عنه حتى أقدم عليه، فيقرأنيه ويقول لي: يا علي أنزل الله علي بعدك كذا وكذا، وتأويله كذا وكذا فيعلمني تنزيله وتأويله.وجاء في الآثار: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يخطب فقال في خطبته: سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله لا تسألوني عن فتنة تضل مائة وتهدي مائة إلا أنبأتكم بناعقها، وسائقها إلى يوم القيامة.فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني كم في رأسي ولحيتي من طاقة شعر.فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): والله لقد حدثني خليلي رسول الله (صلى الله وعليه وآله) بما سألت عنه، وإن على كل طاقة شعر في رأسك ملكا يلعنك، وعلى كل طاقة شعر في لحيتك شيطانا يستفزك، وإن في بيتك لسخلا يقتل ابن رسول الله، ذلك مصداق ما أخبرتك به ولولا أن الذي سألت يعسر برهانه لأخبرتك به، ولكن آية ذلك ما نبأتك به من لعنك، وسخلك الملعون، وكان ابنه في ذلك الوقت صبيا صغيرا يحبو فلما كان من أمر الحسين (عليه السلام) ما كان تولي قتله، وكان الأمر كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام).* * *إحتجاجه (عليه السلام) على من قال بالرأي في الشرع والاختلاف في الفتوى وأن يتعرض للحكم بين الناس من ليس لذلك بأهل وذكر الوجه لاختلاف من أختلف في الدين والرواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
[الاحتجاج] · موسوعة الغيبة والظهور