الأقسامالسيرة والتاريخ والاحتجاجات وجوامعالاحتجاجات والمناظرات
الأحتجاج · رقم ١٠٦٥

وروي: عن أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)

أنه قال: لما سمعت هذا البيت - وهو لمروان بن أبي حفصة -:أنى يكون ولا يكون ولم يكن * لبني البنات وراثة الأعمامدار في ذلك ليلتي، فنمت تلك الليلة فسمعت هاتفا في منامي يقول:أنى يكون ولا يكون ولم يكن * للمشركين دعائم الإسلام لبني البنات نصيبهم من جدهم * والعم متروك بغير سهام ما للطليق وللتراث وإنما * سجد الطليق مخافة الصمصام وبقي ابن نثلة واقفا متلددا * فيه ويمنعه ذوو الأرحام إن ابن فاطمة المنوه باسمه * حاز التراث سوى بني الأعماموسأل محمد بن الحسن أبا الحسن موسى (عليه السلام) - بمحضر من الرشيد وهم بمكة - فقال له: أيجوز للمحرم إن يظلل عليه محمله؟فقال له موسى (عليه السلام): لا يجوز له ذلك مع الاختيار.فقال له محمد بن الحسن: أفيجوز أن يمشي تحت الظلال مختارا.فقال له: نعم.فتضاحك محمد بن الحسن من ذلك.فقال له أبو الحسن موسى (عليه السلام): أتعجب من سنة النبي وتستهزئ بها؟إن رسول الله (صلى الله وعليه وآله) كشف ظلاله في إحرامه، ومشى تحت الظلال وهو محرم. إن أحكام الله تعالى يا محمد لا تقاس، فمن قاس بعضها على بعض فقد ضل عن السبيل.فسكت محمد بن الحسن لا يرجع جوابا.وقد جرى لأبي يوسف مع أبي الحسن موسى صلوات الله عليه بمحضر المهدي ما يقرب من ذلك. وهو: أن موسى (عليه السلام) سأل أبا يوسف عن مسألة ليس فيها عنده شئ. فقال لأبي الحسن موسى (عليه السلام): إني أريد أن أسألك عن شئ.قال: هات.فقال: ما تقول في التظليل للمحرم؟قال: لا يصلح.قال: فيضرب الخباء في الأرض فيدخل فيه؟قال: نعم. اكتنهه، ولا حقيقته أصاب من مثله، ولا به صدق من نهاه، ولا صمد صمده من أشار إليه، ولا إياه عنى من شبهه، ولا له تذلل من بعضه، ولا إياه أراد من توهمه كل معروف بنفسه مصنوع، وكل قائم في سواه معلول، بصنع الله يستدل عليه، وبالعقول يعتقد معرفته، وبالفطرة تثبت حجته، خلقة الله الخلق حجاب____: = فقال: (لشهادة العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق) وذلك أن الصفة لا قوام لها إلا بالموصوف فهي محتاجة إليه لا تنفك عنه. وبها كمال الموصوف فهو محتاج إليها.والحاجة دليل الإمكان (وشهادة كل مخلوق أن له خالقا) غنيا بذاته (ليس بصفة) حتى يفتقر إلى الموصوف ليقوم به ذاته (ولا موصوف) حتى يحتاج إلى الصفة لكي يكمل بها ذاته (وشهادة كل صفة وموصوف بالاقتران) لما عرفت من حاجة بعضها إلى الآخر وشهادة الاقتران بالحدث.. الخ توضيح ذلك: هو أن الصفة والموصوف أما أن يكونا قديمين. أو يكون أحدهما قديما والآخر حادثا أو يكونا حادثين.ولا رابع لهذا الحصر الثلاثي.والأول باطل لما يلزم منه القول بتعدد القدماء وقد ثبت بطلانه.والثاني يبطله الاقتران والحاجة والافتقار لما ألمحنا إليه آنفا وحينئذ يثبت القول الثالث وهو المطلوب. (فليس الله) الواجب الوجود الواحد الأحد (عرف من عرف بالتشبيه ذاته) بل عرف ممكنا من مخلوقاته (ولا إياه وحد من اكتنهه) أي جعل له كنها (ولا حقيقته أصاب من مثله) أي جعل لا: لا وصورة سواء كانت ذهنية أو خارجية (ولا به صدق من نهاه) أي جعل له حدا ونهاية (ولا صمد صمده) أي قصد نحوه (من أشار إليه) سواء بالإشارة الحسية أو الذهنية (ولا إياه عنى من شبهه) وإنما عنى ممكنا من الممكنات، ومخلوقا من جملة المخلوقات (ولا له تذلل) أي تعبد (من بعضه) أي جعل له أبعاضا وجزأه فهو إنما عبد جسما مخلوقا مركبا له أجزاء وأبعاض (ولا إياه أراد من توهمه) أي: تصور له صورة ذهنية. (كل معروف بنفسه) أي: بكنه حقيقته (مصنوع) لما يلزمه من التركيب (وكل قائم في سواه) لا يكون علة لاحتياجه إلى الغير فهو (معلول). (بصنع الله) وحكيم تدبيره (يستدل عليه) (وبالعقول تعتقد معرفته) بينه وبينهم، ومفارقته إياهم مباينة بينه وبينهم، وابتداؤه إياهم دليل على أن لا ابتداء له، لعجز كل مبتدأ عن ابتداء غيره، وأدوه إياهم دليل على أن لا أداة له، لشهادة الأدوات بفاقة المأدين، فأسماؤه تعبير، وأفعاله تفهيم وذاته حقيقة، وكنهه تفريق بينه وبين خلقه، وغيوره تحديد لما سواه، فقد جهل الله من استوصفه، وقد تعداه من استمثله، وقد أخطاه من اكتنهه، ومن قال: (كيف) فقد شبهه، ومن قال: (لم) فقد علله، ومن قال: (متى) فقد وقته، ومن قال: (فيم) فقد ضمنه، ومن قال: (إلى م) فقد نهاه، ومن قال:(حتى م) فقد غياه ومن غياه فقد غاياه، ومن غاياه فقد جزاه، ومن جزاه فقد وصفه، ومن وصفه فقد الحد فيه، ولا يتغير الله بتغير المخلوق، كما لا يتحدد بتحديد المحدود، أحد لا بتأويل عدد، ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجلي لا باستهلال رؤية، باطن لا بمزايلة، مباين لا بمسافة، قريب لا بمداناة، لطيف لا بتجسم، موجود لا بعد عدم، فاعل لا باضطرار، مقدر لا بجول فكرة، مدبر لا بحركة مريد لا بهمامة، شاء لا بهمة، مدرك لا بمجسة، سميع لا بآلة، بصير لا بأداة<=(وبالفطرة) التي هي بمعنى الابتداع ﴿‏أفي الله شك فاطر السماوات والأرض‏﴾ (تثبت حجته) - ولعل في قوله (عليه السلام) بالفطرة إشارة إلى قول النبي (صلى الله وعليه وآله): (كل مولود يولد على الفطرة إلا أن أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، فالعقول لو تركت على فطرتها وأصل خلقتها لآمنت به (خلقة الله الخلق حجاب) حاجز (بينه) في كمله وغناه ووجوبه الذاتي (وبينهم) في حاجتهم إليه ونقصهم وإمكانهم الذاتي (ومفارقته إياهم) في الصفات دليل على (مباينة بينه وبينهم) في الذات. وفي بعض النسخ (ومباينته إياهم مفارقته أينيتهم) أي: أن مفارقته الأينية التي هي من لوازم الأجسام دلت على مباينته إياهم في الذات.أو أن مباينته إياهم في الذات دلت على مفارقته لهم فيما اختصوا به من الأينية فلا يقال له: (أين هو) لأن ذاته تباين ذواتهم فلا يلازمها ما يلزم المكنات. مر مثل هذه الفقرات للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في الجزء الأول من هذا الكتاب فليراجع. لا تصحبه الأوقات، ولا تضمنه الأماكن، ولا تأخذه السنات، ولا تحده الصفات، ولا تقيده الأدوات، سبق الأوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء أزله، بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له، وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له، وبمضادته بين الأشياء عرف أن لا ضد له، وبمقارنته بن الأمور عرف أن لا قرين له، ضاد النور بالظلمة، والجلاية بالبهمة، والجسو بالبلل، والصرد بالحرور، مؤلف بين متعادياتها، مفرق بين متدانياتها، دالة بتفريقها على مفرقها، وبتأليفها على مؤلفها ذلك قوله عز وجل: (ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) (ففرق) بين قبل وبعد، ليعلم أن لا قبل له ولا بعد، شاهدة بغرائزها أن لا غريزة لمغرزها دالة بتفاوتها أن لا تفاوت لمفاوتها، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها، حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه وبينها غيرها، له معنى الربوبية إذ لا مربوب، وحقيقة الإلهية إذ لا مألوه، ومعنى العالم ولا معلوم، ومعنى الخالق ولا مخلوق، وتأويل السمع ولا مسموع، ليس منذ خلق استحق معنى اسم الخالق ولا باحداثه البرايا استفاد معنى البارئية، كيف ولا يغيبه: (مذ) ولا تدنيه:(قد) ولا يحجبه: (لعل) ولا يوقته: (متى) ولا يشتمله: (حين) ولا يقارنه:(مع) إنما تحد الأدوات أنفسها، وتشير الآلة إلى نظائرها، وفي الأشياء توجد فعالها، منعتها (منذ) القدمة، وحمتها (قد) الأزلية، وجنبتها لولا (التكملة) افترقت فدلت على مفرقها، وتباينت فأعزت على مباينها، بها تجلى صانعها للعقول وبها احتجب عن الرؤية، وإليها تحاكم الأوهام، وفيها أثبت غيره، ومنها أنبط الدليل، وبها عرف الاقرار، وبالعقول يعتقد التصديق بالله، وبالإقرار يكمل الإيمان به، لا ديانة إلا بعد معرفته، ولا معرفة إلا بالإخلاص، ولا إخلاص مع التشبيه، ولا نفي مع إثبات الصفة للتثنية، وكل ما في الخلق لا يوجد في خالقه وكل ما يمكن فيه يمتنع في صانعه ولا يجري عليه الحركة ولا السكون، وكيف يجري عليه ما هو أجراه، أو يعود فيه ما هو ابتداه، إذا لتفاوتت ذاته، ولتجزى كنهه، ولامتنع من الأزل معناه، ولما كان للباري معنى غير المبروء، ولو وجد له وراء وجد له أمام، ولالتمس التمام إذ لزمه النقصان، وكيف يستحق الأزل من لا يمتنع من الحدث، أم كيف ينشئ الأشياء من لا يمتنع من الانشاء، إذا لقامت عليه آية المصنوع، ولتحول دليلا بعد ما كان مدلولا عليه، ليس في محال القول حجة، ولا في المسألة عنه جواب، ولا في معناه لله تعظيم، ولا في إبانته عن الحق ضيم إلا بامتناع الأزلي أن يثنى، ولما بدئ له أن يبدئ لا إله إلا الله العلي العظيم، كذب العادلون بالله وضلوا ضلالا بعيدا، وخسروا خسرانا مبينا، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.وروي عن الحسن بن محمد النوفلي: أنه كان يقول: قدم سليمان المروزي متكلم خراسان على المأمون فأكرمه ووصله، ثم قال له: إن ابن عمي علي بن موسى الرضا قدم علي من الحجاز - يحب الكلام - وأصحابه، فعليك أن تصير إلينا يوم التروية لمناظرته.فقال سليمان: يا أمير المؤمنين أني أكره أن أسأل مثله في مجلسك في جماعة من بني هاشم، فينتقص عند القوم إذا كلمني ولا يجوز الاستقصاء عليه.قال المأمون: إنما وجهت إليك لمعرفتي بقوتك، وليس مرادي إلا أن تقطعه عن حجة واحدة فقط.فقال سليمان: حسبك يا أمير المؤمنين! إجمع بيني وبينه، وخلني وإياه.فوجه المأمون إلى الرضا (عليه السلام)، فقال له: إنه قدم علينا رجل من أهل المرو، وهو واحد خراسان من أصحاب الكلام، فإن خف عليك أن تتجشم المصير إلينا فعلت.فنهض (عليه السلام) للوضوء ثم حضر مجلس المأمون، وجرى بينه وبين سليمان المروزي كلام في البداء بمعنى الظهور، لتغير المصلحة، واستشهد (عليه السلام) بآي كثيرة من القرآن على صحة ذلك، مثل قول الله: (يبدئ الخلق ثم يعيده) و (﴿‏يزيد في الخلق ما يشاء‏﴾) و (﴿‏يمحو الله ما يشاء ويثبت‏﴾) و (ما ﴿‏يعمر من معمر ولا ينقص من عمره‏﴾) و (آخرون مرجون لأمر الله) وأمثال ذلك.فقال سليمان: يا أمير المؤمنين لا أنكر بعد يومي هذا البداء، ولا أكذب به إن شاء الله.فقال المأمون: يا سليمان اسأل أبا الحسن عما بدا لك وعليك بحسنلقد ثبت من الأخبار الواردة عن أئمة أهل البيت سلام الله عليهم أن الله سبحانه وتعالى خلق لوحين أثبت فيهما ما يحدث من الكائنات:الأول - اللوح المحفوظ:وهو اللوح المطابق لعلمه تعالى لا يحدث فيه أي تبدل أو تغيير.للثاني - لوح المحو والإثبات:وهو الذي يتغير ويتبدل ما فيه حسب ما تقتضيه الحكمة الإلهية قبل وقوعه وتحققه في الخارج.وهذا اللوح - أعني - لوح المحو والإثبات تتطلع عليه الرسل والأنبياء والأوصياء والملائكة، وقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: أن لله علمين: علم مكنون مخزون لا يعلمه إلا هو من ذلك يكون البداء، وعلم علمه ملائكته وأنبياءه ورسله فنحن نعلمه.ومعنى البداء: ظهور الشئ بعد خفائه. وهو في عقيدة الإمامية: ظهور الشئ من الله لمن يشاء من خلقه بعد إخفائه عنهم فقولنا: (بدا لله) معناه بدا لله شأن أو حكم وليس معناه ظهر له ما خفى عليه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: أن الله لم يبد له من جهل، وقال (عليه السلام): ما بدا لله في شئ إلا كان في علمه قبل أن يبدو له. الاستماع والإنصاف!قال سليمان: يا سيدي ما تقول فيمن جعل الإرادة اسما وصفة، مثل حي وسميع وبصير وقدير؟قال الرضا (عليه السلام): إنما قلتم حدثت الأشياء واختلفت لأنه شاء وأراد، ولم تقولوا:(حدثت واختلفت) لأنه سميع بصير، فهذا دليل على أنها ليست مثل سميع وبصير ولا قدير.قال سليمان: فإنه لم يزل مريدا؟قال: يا سليمان فإرادته غيره؟قال: نعم.قال: قد أثبت معه شيئا لم يزل!قال سليمان: ما أثبت؟قال الرضا (عليه السلام): أهي محدثة؟قال سليمان: لا، ما هي محدثة! فأعاد عليه المسألة فقال: هي محدثة يا سليمان؟ فإن الشئ إذا لم يكن أزليا كان محدثا، وإذا لم يكن محدثا كان أزليا.قال سليمان: إرادته منه كما أن سمعه وبصره وعلمه منه.قال الرضا (عليه السلام): فإرادته نفسه؟قال: لا.قال: فليس المريد مثل السميع والبصير.قال سليمان: إنما إرادته كما سمع نفسه، وأبصر نفسه وعلم نفسه.قال الرضا (عليه السلام): ما معنى أراد نفسه، أراد أن يكون شيئا، أو أراد أن يكون حيا، أو سميعا، أو بصيرا أو قديرا؟قال: نعم.قال الرضا (عليه السلام): أفبإرادته كان ذلك؟قال سليمان: نعم. قال الرضا (عليه السلام): فليس لقولك أراد أن يكون حيا سميعا بصيرا معنى، إذ لم يكن ذلك بإرادته.قال سليمان: بلى قد كان ذلك بإرادته، فضحك المأمون ومن حوله، وضحك الرضا (عليه السلام)، ثم قال لهم: ارفقوا بمتكلم خراسان!فقال يا سليمان: فقد حال عندكم عن حالة وتغير عنها، وهذا مما لا يوصف الله عز وجل به، فانقطع.ثم قال الرضا (عليه السلام): يا سليمان أسألك عن مسألة؟.قال: سل جعلت فداك!قال: أخبرني عنك وعن أصحابك تكلمون الناس بما تفقهون وتعرفون، أو بما لا تفقهون وتعرفون؟فقال: بل بما نفقهه ونعلم.قال الرضا (عليه السلام): فالذي يعلم الناس أن المريد غير الإرادة، وأن المريد قبل الإرادة، وأن الفاعل قبل المفعول، وهذا يبطل قولكم: أن الإرادة والمريد شئ واحد.قال: جعلت فداك! ليس ذلك منه على ما يعرف الناس، ولا على ما يفقهون.قال: فأراكم ادعيتم على ذلك بلا معرفة، وقلتم: الإرادة كالسمع والبصر إذا كان ذلك عندكم على ما لا يعرف ولا يعقل. فلم يحر جوابا.ثم قال الرضا (عليه السلام): هل يعلم الله تعالى جميع ما في الجنة والنار؟قال سليمان: نعم.قال: فيكون ما علم الله عز وجل أنه يكون من ذلك؟قال: نعم.قال: فإذا كان حتى لا يبقى منه شئ إلا كان أيزيدهم أو يطويه عنهم؟قال سليمان: بل يزيدهم.قال: فأراه في قولك قد زادهم ما لم يكن في علمه أنه يكون. قال: جعلت فداك! فالمزيد لا غاية له.قال: فليس يحيط علمه عندكم بما يكون فيها إذا لم يعرف غاية ذلك، وإذا لم يحط علمه بما يكون فيهما لم يعلم ما يكون فيهما قبل أن يكون، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.قال سليمان: إنما قلت لا يعلمه لأنه لا غاية لهذا لأن الله عز وجل وصفهما بالخلود، وكرهنا أن نجعل لهما انقطاعا.قال الرضا (عليه السلام): ليس علمه بذلك بموجب لانقطاعه عنهم، لأنه قد يعلم ذلك ثم يزيدهم، ثم لا يقطعه عنهم، ولذلك قال عز وجل في كتابه: (﴿‏كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب‏﴾) وقال لأهل الجنة:(عطاء غير مجذوذ) وقال عز وجل: (﴿‏وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة‏﴾) فهو عز وجل يعلم ذلك ولا يقطع عنهم الزيادة، أرأيت ما أكل أهل الجنة وما شربوا أليس يخلف مكانه؟قال: بلى.قال: أفيكون يقطع ذلك عنهم وقد أخلف مكانه؟قال سليمان: لا.قال: فكذلك كلما يكون فيها إذا أخلف مكانه فليس بمقطوع عنهم.قال سليمان: بلى. يقطعه عنهم ولا يزيدهم.قال الرضا (عليه السلام): إذا يبيد ما فيها، وهذا يا سليمان إبطال الخلود، وخلاف الكتاب، لأن الله عز وجل يقول: (لهم ما يشاؤن فيها ولدينا مزيد) ويقول عز وجل: (عطاء غير مجذوذ) ويقول عز وجل: (وما هم عنها بمخرجين) وبقول عز وجل: (خالدين فيها) ويقول عز وجل: (﴿‏وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة‏﴾) فلم يحر جوابا. ثم قال الرضا (عليه السلام):ألا تخبرني عن الإرادة فعل أم هي غير فعل؟قال: بل هي فعل.قال: فهي محدثة لأن الفعل كله محدث!قال: ليست بفعل.قال: فمعه غيره لم يزل؟قال سليمان: إن الإرادة هي الأشياء.قال: يا سليمان هذا الذي عبتموه على ضرار وأصحابه من قولهم: (أن كل ما خلق الله عز وجل في سماء أو أرض أو بحر أو بر من: كلب أو خنزير أو قرد أو إنسان أو دابة إرادة الله، وأن إرادة الله تحيى وتموت، وتذهب، وتأكل وتشرب، وتنكح، وتلد وتظلم، وتفعل الفواحش، وتكفر، وتشرك، فتبرأ منها وتعاديها وهذا حدها.قال سليمان: إنها كالسمع والبصر والعلم قال الرضا (عليه السلام): قد رجعت إلى هذا ثانية! فأخبرني عن السمع والعلم أمصنوع؟قال سليمان. لا.قال الرضا (عليه السلام): فكيف نفيتموه؟ فمرة قلتم لم يرد، ومرة قلتم أراد، وليس بمفعول له.قال سليمان: إنما ذلك كقولنا مرة علم ومرة لم يعلم.قال الرضا (عليه السلام): ليس ذلك سواء لأن نفي المعلوم ليس ينفي العلم، ونفي المراد نفي الإرادة أن تكون، لأن الشئ إذا لم يرد لم تكن إرادة، وقد يكون العلم ثابتا وإن لم يكن المعلوم، بمنزلة البصر فقد يكون الإنسان بصيرا وإن لم يكن المبصر، ويكون العلم ثابتا وإن لم يكن المعلوم.فلا يزال سليمان يردد المسألة وينقطع فيها ويستأنف، وينكر ما كان أقر به، ويقر بما أنكر، وينتقل من شئ إلى شئ، والرضا صلوات الله عليه ينقض عليه ذلك، حتى طال الكلام بينهما، وظهر لكل أحد انقطاعه مرات كثيرة، تركنا إيراد ذلك مخافة التطويل، فآل الأمر إلى أن قال سليمان:إن الإرادة هي القدرة.قال الرضا (عليه السلام): وهو عز وجل يقدر على ما لا يريد أبد الأبدين من ذلك لأنه قال تبارك وتعالى: (﴿‏ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك‏﴾) فلو كانت الإرادة هي القدرة كان قد أراد أن يذهب به لقدرته.فانقطع سليمان وترك الكلام عند هذا الانقطاع، ثم تفرق القوم.وعن صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرة المحدث صاحب شبرمة أن أدخلهوكان يصلي كل يوم خمسين ومائة ركعة، ويصوم في السنة ثلاثة أشهر، ويخرج زكاة ماله في السنة ثلاث مرات. وذلك أنه اشترك هو وعبد الله بن جندب وعلي بن النعمان في بيت الله الحرام وتعاقدوا جميعا: أن من مات منهم يصلي من بقى صلاته ويصوم عنه ويزكي عنه ما دام حيا. فمات صاحباه وبقي صفوان بعدهما، وكان يفي لهما بذلك فيصلي عنهما ويحج عنهما ويصوم عنهما ويزكي عنهما، وكل شئ من البر والإحسان يفعله لنفسه كذلك يفعله عن صاحبيه، وكان وكيل الرضا (عليه السلام).وقال أبو عمرو الكشي: أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عن صفوان بن يحيى بياع السابري والإقرار له بالفقه في آخرين يأتي ذكرهم في مواضعهم إن شاء الله تعالى.

[الاحتجاج] · موسوعة الغيبة والظهور

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.