الأقسامالسيرة والتاريخ والاحتجاجات وجوامعالاحتجاجات والمناظرات
الأحتجاج · رقم ١٠٦٦

وبهذا الإسناد عن أبي محمد العسكري (عليه السلام)

أنه قال: لما جعل المأمون إلى علي ابن موسى الرضا (عليه السلام) ولاية العهد، دخل عليه آذنه فقال:إن قوما بالباب يستأذنون عليك، يقولون: (نحن من شيعة علي (عليه السلام) ).فقال: أنا مشغول فاصرفهم!فصرفهم إلى أن جاءوا هكذا يقولون ويصرفهم شهرين، ثم أيسوا من الوصول فقالوا: (قل لمولانا إن شيعة أبيك علي بن أبي طالب (عليه السلام) قد شمت بنا أعداؤنا في حجابك لنا، ونحن ننصرف عن هذه الكرة، ونهرب من بلادنا خجلا وأنفة مما لحقنا، وعجزا عن احتمال مضض ما يلحقنا من أعدائنا).فقال علي بن موسى ((عليهم السلام)): إئذن لهم ليدخلوا، فدخلوا عليه فسلموا عليه فلم يرد عليهم، ولم يأذن لهم بالجلوس، فبقوا قياما. فقالوا: يا بن رسول الله ما هذا الجفاء العظيم، والاستخفاف بعد هذا الحجاب الصعب، أي باقية تبقى منا بعد هذا؟فقال الرضا (عليه السلام): اقرؤا: (﴿‏وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير‏﴾) والله ما اقتديت إلا بربي عز وجل وبرسوله وبأمير المؤمنين ومن بعده من آبائي الطاهرين (عليهم السلام)، عتبوا عليكم فاقتديت بهم.قالوا: لماذا يا بن رسول الله؟قال: لدعواكم أنكم شيعة أمير المؤمنين! ويحكم إن شيعته: الحسن والحسين وسلمان، وأبو ذر، والمقداد، وعمار، ومحمد بن أبي بكر الذين لم يخالفوا شيئا من أوامره، وأنتم في أكثر أعمالكم له مخالفون، وتقصرون في كثير من الفرائض وتتهاونون بعظيم حقوق إخوانكم في الله، وتتقون حيث لا تجب التقية، وتتركون التقية حيث لا بد من التقية، لو قلتم: إنكم مواليه ومحبوه، والموالون لأوليائه والمعادون لأعدائه، لم أنكره من قولكم، ولكن هذه مرتبة شريفة ادعيتموها إن لم تصدقوا قولكم بفعلكم هلكتم، إلا أن تتدارككم رحمة ربكم.قالوا: يا بن رسول الله! فإذا نستغفر الله ونتوب إليه من قولنا بل نقول كما علمنا مولانا: نحن محبوكم ومحبوا أوليائكم، ومعادوا أعدائكم.قال الرضا (عليه السلام): فمرحبا بكم إخواني، وأهل ودي، ارتفعوا! فما زال يرفعهم حتى ألصقهم بنفسه. ثم قال لحاجبه.كم مرة حجبتهم؟قال: ستين مرة.قال: فاختلف إليهم ستين مرة متوالية، فسلم عليهم واقرأهم سلامي فقد محوا ما كان من ذنوبهم باستغفارهم وتوبتهم، واستحقوا الكرامة لمحبتهم لنا وموالاتهم، وتفقد أمورهم وأمور عيالاتهم، فأوسعهم نفقات ومبرات وصلات ودفع معرات. احتجاج أبي جعفر محمد بن علي الثاني ((عليهم السلام)) في أنواع شتى من العلوم الدينية.روى أبو داود بن القسم الجعفري قال: قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام):قل هو الله أحد، ما معنى الأحد؟قال: المجمع عليه بالوحدانية، أما سمعته يقول: (﴿‏ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله‏﴾) ثم يقولون بعد ذلك له شريك وصاحبة.فقلت: قوله: (لا تدركه الأبصار)؟قال: يا أبا هاشم! أوهام القلوب أدق من أبصار العيون، أنت قد تدرك بوهمك السند والهند. والبلدان التي لم تدخلها، ولم تدرك ببصرك ذلك. فأوهام القلوب لا تدركه، فكيف تدركه الأبصار.وسئل (عليه السلام): أيجوز أن يقال لله: أنه شئ؟فقال: نعم. تخرجه من الحدين: حد الإبطال، وحد التشبيه.وعن أبي هاشم الجعفري قال: كنت عند أبي جعفر الثاني (عليه السلام) فسأله رجل فقال:وذكره العلامة في الخلاصة فقال: يكنى أبا هاشم الجعفري رحمه الله من أهل بغداد ثقة جليل القدر، عظيم المنزلة عند الأئمة (عليهم السلام) شاهد أبا جعفر وأبا الحسن وأبا محمد (عليهم السلام) وكان شريفا عندهم، له موقع جليل عندهم. روى أبوه عن الصادق (عليه السلام) العنكبوت - 61. الأنعام - 103. أخبرني عن الرب تبارك وتعالى أله أسماء وصفات في كتابه، وهل أسماؤه وصفاته هي هو؟فقال أبو جعفر (عليه السلام): أن لهذا الكلام وجهين: إن كنت تقول: (هي هو) أنه: ذو عدد وكثرة، فتعالى الله عن ذلك، وإن كنت تقول: هذه الأسماء والصفات لم تزل، فإن ما لم تزل محتمل على معنيين: فإن قلت لم تزل عنده في علمه، وهو يستحقها فنعم، وإن كنت تقول: لم تزل صورها وهجاؤها وتقطيع حروفها فمعاذ الله أن يكون معه شئ غيره، بل كان الله تعالى ذكره ولا خلق، ثم خلقها وسيلة بينه وبين خلقه، يتضرعون بها إليه ويعبدون، وهي: (ذكره) وكان الله سبحانه ولا ذكر، والمذكور بالذكر هو الله القديم الذي لم يزل، والأسماء والصفات مخلوقات، والمعني بها هو الله، لا يليق به الاختلاف ولا الايتلاف، وإنما يختلف ويتألف المتجزي، ولا يقال له قليل ولا كثير، ولكنه القديم في ذاته، لأن ما سوى الواحد متجزي والله واحد ولا متجزي، ولا متوهم بالقلة والكثرة وكل متجزي أو متوهم بالقلة والكثرة فهو مخلوق دال على خالق له، فقولك: (إن الله قدير) خبرت أنه لا يعجزه شئ، فنفيت بالكلمة العجز، وجعلت العجز لسواه، وكذلك قولك: (عالم) إنما نفيت بالكلمة الجهل، وجعلت الجهل لسواه، فإذا أفنى الله الأشياء أفنى (الصورة والهجاء والتقطيع) فلا يزال من لم يزل عالما.فقال الرجل: فكيف سمينا ربنا سميعا؟فقال: لأنه لا يخفى عليه ما يدرك بالأسماع، ولم نصفه بالسمع المعقول في الرأس، وكذلك سميناه (بصيرا) لأنه لا يخفى عليه ما يدرك بالأبصار من:لون أو شخص أو غير ذلك، ولم نصفه ببصر طرفة العين. وكذلك سميناه (لطيفا) لعلمه بالشئ اللطيف مثل: (البعوضة) وما هو أخفى من ذلك، وموضع المشي منها والشهوة والسفاد، والحدب على أولادها، وإقامة بعضها على بعض، ونقلها الطعام والشراب إلى أولادها في الجبال والمغاور والأودية والقفار، وعلمنا بذلك أن خالقها لطيف بلا كيف، إذ الكيف للمخلوق المكيف، وكذلك سمينا ربنا (قويا) بلا قوة البطش المعروف من الخلق، ولو كانت قوته قوة البطش المعروف من الخلق لوقع التشبيه واحتمل الزيادة، وما احتمل الزيادة احتمل النقصان، وما كان ناقصا كان غير قديم، وما كان غير قديم كان عاجزا، فربنا تبارك وتعالى لا شبه له، ولا ضد ولا ند، ولا كيفية، ولا نهاية، ولا تصاريف، محرم على القلوب أن تحتمله، وعلى الأوهام أن تحده، وعلى الضمائر أن تصوره، عز وجل عن أداة خلقه، وسمات بريته، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.عن الريان بن شبيب قال: لما أراد المأمون أن يزوج ابنته أم الفضل أبا جعفر محمد بن علي (عليه السلام) بلغ ذلك العباسيين فغلظ عليهم ذلك، واستنكروا منه وخافوا أن ينتهي الأمر معه إلى ما انتهى مع الرضا (عليه السلام)، فخاضوا في ذلك واجتمع منهم أهل بيته الأدنون منه، فقالوا: ننشدك الله يا أمير المؤمنين أن تقيم على هذا الأمر الذي قد عزمت عليه من تزويج ابن الرضا (عليه السلام) فإنا نخاف أن يخرج به عنا أمر قد ملكناه الله، وينتزع منا عزا قد ألبسناه الله، وقد عرفت ما بيننا وبين هؤلاء القوم قديما وحديثا وما كان عليه خلفاء الراشدون قبلك من تبعيدهم والتصغير بهم، وقد كنا في وهلة من عملك مع الرضا ما عملت، وكفانا الله المهم من ذلك، فالله الله أن ترديا إلى غم قد انحسر عنا، واصرف رأيك عن ابن الرضا (عليه السلام) وأعدل إلى من تراه من أهل بيتك يصلح لذلك دون غيره.فقال لهم المأمون: أما ما بينكم وبين آل أبي طالب فأنتم السبب فيه، ولو أنصفتم القوم لكان أولى بكم، وأما ما كان يفعله من قبلي بهم، فقد كان به قاطعا للرحم، وأعوذ بالله من ذلك، ووالله ما ندمت على ما كان مني من استخلاف الرضا ولقد سألته أن يقوم بالأمر وأنزعه من نفسي فأبى، ﴿‏وكان أمر الله قدرا مقدورا‏﴾.وأما أبو جعفر محمد بن علي، فقد اخترته لتبريزه على كافة أهل الفضل في العلم والفضل، مع صغر سنه والأعجوبة فيه بذلك، وأنا أرجو أن يظهر للناس ما قد عرفته منه، فيعلموا أن الرأي ما رأيت.فقالوا: إن هذا الفتى وإن راقك منه هديه فإنه صبي لا معرفة له ولا فقه، فأمهله ليتأدب ثم اصنع ما ترا بعد ذلك.فقال لهم: ويحكم أني أعرف بهذا الفتى منكم، وأن هذا من أهل بيت علمهم من الله تعالى ومواده وإلهامه، لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدين والأدب عن الرعايا الناقصة عن حد الكمال، فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما يتبين لكم به ما وصفت لكم من حاله.قالوا: لقد رضينا لك يا أمير المؤمنين ولأنفسنا بامتحانه، فخل بيننا وبينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شئ من فقه الشريعة، فإن أصاب في الجواب عنه لم يكن لنا اعتراض في حقه، وظهر للخاصة والعامة سديد رأي أمير المؤمنين فيه وإن عجز عن ذلك فقد كفينا الخطب في معناه.فقال لهم المأمون: شأنكم وذلك متى أردتم.فخرجوا من عنده واجتمع رأيهم على مسألة يحيى بن أكثم - وهو يومئذ قاضي الزمان - على أن يسأله مسألة لا يعرف الجواب فيها، ووعدوه بأموال نفيسة على ذلك، وعادوا إلى المأمون فسألوه أن يختار لهم يوما للاجتماع فأجابهم إلى ذلك، واجتمعوا في اليوم الذي اتفقوا عليه، وحضر معهم يحيى بن أكثم، وأمر المأمون أن يفرش لأبي جعفر دست ويجعل له فيه مسورتان ففعل ذلك، وخرج أبو جعفر (عليه السلام) وهو يومئذ ابن تسع سنين وأشهر، فجلس بين المسورتين، وجلس يحيى بن أكثم بين يديه. فقام الناس في مراتبهم، والمأمون جالس في دست متصل بدست أبي جعفر (عليه السلام).فقال يحيى بن أكثم للمأمون: تأذن لي يا أمير المؤمنين أن أسأل أبا جعفر عن مسألة؟فقال المأمون: استأذنه في ذلك.فأقبل عليه يحيى بن أكثم فقال: أتأذن لي جعلت فداك في مسألة؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): سل إن شئت!فقال يحيى: ما تقول جعلت فداك في محرم قتل صيدا؟فقال أبو جعفر (عليه السلام): قتله في حل أو حرم، عالما كان المحرم أو جاهلا قتله عمدا أو خطأ، حرا كان المحرم أو عبدا، صغيرا كان أو كبيرا، مبتدئا بالقتل أو معيدا، من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها، من صغار الصيد أم من كباره مصرا على ما فعل أو نادما، في الليل كان قتله للصيد أم بالنهار، محرما كان بالعمرة إذ قتله أو بالحج كان محرما؟فتحير يحيى بن أكثم وبان في وجهه العجز والانقطاع، وتلجلج حتى عرف جماعة أهل المجلس عجزه.فقال المأمون: الحمد لله على هذه النعمة والتوفيق لي في الرأي، ثم نظر إلى أهل بيته فقال لهم: أعرفتم الآن ما كنتم تنكرونه؟ ثم أقبل إلى أبي جعفر فقال له:أتخطب يا أبا جعفر؟قال: نعم. يا أمير المؤمنين.فقال له المأمون: اخطب لنفسك جعلت فداك! فقد رضيتك لنفسي وأنا مزوجك أم الفضل ابنتي وإن رغم أنوف قوم لذلك.فقال أبو جعفر (عليه السلام): الحمد لله إقرارا بنعمته، ولا إله إلا الله إخلاصا لوحدانيته، وصلى الله على سيد بريته، والأصفياء من عترته.أما بعد: فقد كان من فضل الله على الأنام أن أغناهم بالحلال عن الحرام فقال سبحانه: (﴿‏وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء‏﴾ يغنيهم ﴿‏الله من فضله والله واسع عليم‏﴾) ثم إن محمد بن علي بن موسى يخطب أم الفضل بنت عبد الله المأمون، وقد بذل لها من الصداق مهر جدته فاطمة بنت محمد ((عليهم السلام))، وهو: (خمسمائة درهم) جيادا فهل زوجته يا أمير المؤمنين بها على هذا الصداق المذكور؟فقال المأمون: نعم. قد زوجتك يا أبا جعفر أم الفضل ابنتي على الصداق المذكور، فهل قبلت النكاح؟قال أبو جعفر (عليه السلام): نعم. قد قبلت ذلك ورضيت به.فأمر المأمون أن يقعد الناس على مراتبهم من الخاصة والعامة.قال الريان: ولم نلبث أن سمعنا أصواتا تشبه الملاحين في محاوراتهم، فإذا الخدم يجرون سفينة مصنوعة من فضة تشد بالحبال من الإبريسم، على عجلة مملوة من الغالية، فأمر المأمون أن تخضب لحى الخاصة من تلك الغالية ففعلوا ذلك، ثم مدت إلى دار العامة فتطيبوا بها، ووضعت الموائد فأكل الناس، وخرجت الجوائز إلى كل قوم على قدرهم.فلما تفرق الناس وبقي من الخاصة من بقي قال المأمون لأبي جعفر (عليه السلام):جعلت فداك! إن رأيت أن تذكر الفقه فيما فصلته من وجوه قتل المحرم لنعلمه ونستفيده.فقال أبو جعفر (عليه السلام): نعم إن المحرم إذا قتل صيدا في الحل وكان الصيد من ذوات الطير وكان من كبارها فعليه شاة، وإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا، وإذا قتل فرخا في الحل فعليه حمل قد فطم من اللبن، فإذا قتله في الحرم فعليه الحمل وقيمة الفرخ، فإذا كان من الوحش وكان حمار وحش فعليه بقرة وإن كان نعامة فعليه بدنة، وإن كان ظبيا فعليه شاة، فإن كان قتل شيئا من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا هديا بالغ الكعبة، وإذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه وكان إحرامه للحج نحره بمنى، وإن كان إحرام بعمرة نحره بمكة وجزاء الصيد على العالم والجاهل سواء، وفي العمد عليه المأثم، وهو موضوع عنه في الخطأ، والكفارة على الحر في نفسه، وعلى السيد في عبده، والصغير لا كفارة عليه، وهي على الكبير واجبة، والنادم يسقط ندمه عنه عقاب الآخرة، والمصر يجب عليه العقاب في الآخرة. فقال المأمون: أحسنت يا أبا جعفر أحسن الله إليك. فإن رأيت أن تسأل يحيى عن مسألة كما سألك؟فقال أبو جعفر ليحيى: أسألك؟قال: ذلك إليك جعلت فداك، فإن عرفت جواب ما تسألني عنه وإلا استفدته منك.فقال أبو جعفر (عليه السلام): أخبرني عن رجل نظر إلى امرأة في أول النهار فكان نظره إليها حراما عليه، فلما ارتفع النهار حلت له، فلما زالت الشمس حرمت عليه، فلما كان وقت العصر حلت له، فلما كانت الشمس حرمت عليه، فلما دخل وقت العشاء الآخرة حلت له، فلما كان وقت انتصاف الليل حرمت عليه، فلما طلع الفجر حلت له، ما حال هذه المرأة، وبماذا حلت له وحرمت عليه؟فقال له يحيى بن أكثم: لا والله لا اهتدي إلى جواب هذا السؤال، ولا أعرف الوجه فيه، فإن رأيت أن تفيدنا.فقال أبو جعفر (عليه السلام): هذه أمة لرجل من الناس، نظر إليها أجنبي في أول النهار فكان نظره إليها حراما عليه، فلما ارتفع النهار ابتاعها من مولاها فحلت له، فلما كان عند الظهر أعتقها فحرمت عليه، فلما كان وقت العصر تزوجها فحلت له، فلما كان وقت المغرب ظاهر منها فحرمت عليه، فلما كان وقت العشاء الآخرة كفر عن الظهار فحلت له، فلما كان نصف الليل طلقها طلقة واحدة فحرمت عليه، فلما كان عند الفجر راجعها فحلت له.(قال): فأقبل المأمون على من حضر من أهل بيته وقال لهم: هل فيكم من يجيب عن هذه المسألة بمثل هذا الجواب، أو يعرف القول فيما تقدم من السؤال؟قالوا: لا والله إن أمير المؤمنين أعلم بما رأى.فقال: ويحكم إن أهل هذا البيت خصوا من الخلق بما ترون من الفضل، وإن صغر السن لا يمنعهم من الكمال، أما علمتم أن رسول الله (صلى الله وعليه وآله) افتتح دعوته بدعاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو ابن عشر سنين، وقبل منه الإسلام وحكم له به، ولم يدع أحدا في سنه غيره، وبايع الحسن والحسين ((عليهم السلام)) وهما دون الست سنين ولم يبايع صبيا غيرهما؟ أو لا تعلمون الآن ما اختص الله به هؤلاء القوم وأنهم ذرية بعضها من بعض، يجري لآخرهم ما يجري لأولهم؟قالوا: صدقت يا أمير المؤمنين.ثم نهض القوم، فلما كان من الغد حضر الناس وحضر أبو جعفر (عليه السلام)، وصار القواد والحجاب والخاصة والعمال لتهنئة المأمون وأبي جعفر (عليه السلام) فأخرجت ثلاثة أطباق من الفضة، فيها بنادق مسك وزعفران معجون في أجواف تلك البنادق ورقاع مكتوبة بأموال جزيلة وعطايا سنية، وإقطاعات. فأمر المأمون بنثرها على القوم من خاصته، فكان كل من وقع في يده بندقة أخرج الرقعة التي فيها والتمسه فأطلق له، ووضعت البدر فنثر ما فيها على القواد وغيرهم، وانصرف الناس وهم أغنياء بالجوائز والعطايا، وتقدم المأمون بالصدقة على كافة المساكين، ولم يزل مكرما لأبي جعفر (عليه السلام) معظما لقدره مدة حياته، يؤثره على ولده وجماعة أهل بيته.وروي: أن المأمون بعدما زوج ابنته أم الفضل أبا جعفر، كان في مجلس وعنده أبو جعفر (عليه السلام) ويحيى بن أكثم وجماعة كثيرة.فقال له يحيى بن أكثم: ما تقول يا بن رسول الله في الخبر الذي روي:أنه (نزل جبرئيل (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله وعليه وآله) وقال: يا محمد إن الله عز وجل يقرؤك السلام ويقول لك: سل أبا بكر هل هو عني راض فإني عنه راض).(أخرجه الخطيب البغدادي في تأريخه ج 2 من طريق محمد بن بابشاذ صاحب الطامات ساكتا عن بطلانه جريا على عادته، وذكره الذهبي في ميزان الاعتدال ج 2 فقال: كذب). فقال أبو جعفر (عليه السلام): لست بمنكر فضل أبي بكر ولكن يجب على صاحب هذا الخبر أن يأخذ مثال الخبر الذي قاله رسول الله (صلى الله وعليه وآله) في حجة الوداع: (قد كثرت علي الكذابة وستكثر بعدي فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار فإذا أتاكم الحديث عني فاعرضوه على كتاب الله وسنتي، فما وافق كتاب الله وسنتي فخذوا به، وما خالف كتاب الله وسنتي فلا تأخذوا به) وليس يوافق هذا الخبر كتاب الله قال الله تعالى: (﴿‏ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد‏﴾) فالله عز وجل خفي عليه رضاء أبي بكر من سخطه حتى سأل عن مكنون سره، هذا مستحيل في العقول.ثم قال يحيى بن أكثم: وقد روي: (أن مثل أبي بكر وعمر في الأرض كمثل جبرئيل وميكائيل في السماء).فقال: وهذا أيضا يجب أن ينظر فيه، لأن جبرئيل وميكائيل ملكان لله مقربان يم يعصيا الله قط، ولم يفارقا طاعته لحظة واحدة، وهما قد أشركا بالله عز وجل وإن أسلما بعد الشرك. فكان أكثر أيامهما الشرك بالله فمحال أن يشبههما بهما.قال يحيى: وقد روي أيضا: (أنهما سيدا كهول أهل الجنة) فما تقول فيه؟(من موضوعات يحيى بن عنبسة وهو ذلك الدجال الوضاع ذكره الذهبي في الميزان ج 3 وقال: قال يونس بن حبيب: ذكرت لعلي بن المدائني محمد بن كثير المصيصي وحديثه هذا فقال علي: كنت أشتهي أن أرى هذا الشيخ فالآن لا أحب أن أراه. ورواه من طريق عبد الرحمن بن مالك بن مغول الكذاب الأفاك الوضاع.وفي تلخيص الشافي من الجزء الثاني:(أما الخبر الذي يتضمن أنهما سيدا كهول أهل الجنة فمن تأمل أصل هذا الخبر فقال (عليه السلام): وهذا الخبر محال أيضا، لأن أهل الجنة كلهم يكونون شبابا ولا يكون فيهم كهل، وهذا الخبر وضعه بنو أمية لمضادة الخبر الذي قال رسول الله (صلى الله وعليه وآله) في الحسن والحسن ((عليهم السلام)): بأنهما (سيدا شباب أهل الجنة).فقال يحيى بن أكثم: وروي: (أن عمر بن الخطاب سراج أهل الجنة).فقال (عليه السلام): وهذا أيضا محال، لأن في الجنة ملائكة الله المقربين، وآدم ومحمد، وجميع الأنبياء والمرسلين، لا تضئ الجنة بأنوارهم حتى تضئ بنور عمر.فقال يحيى: وقد روي: (أن السكينة تنطق على لسان عمر).فقال (عليه السلام): لست بمنكر فضل عمر، ولكن أبا بكر أفضل من عمر: فقال - على رأس المنبر -: (أن لي شيطانا يعتريني، فإذا ملت فسددوني).بعين إنصاف علم أنه موضوع في أيام بني أمية معارضة لما روي من قوله صلى الله عليه وآله في الحسن والحسين: (أنهما سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما).وهذا الخبر الذي ادعوه يروونه عن عبيد الله بن عمر وحال عبيد الله في الانحراف من أهل البيت معروفة وهو أيضا كالجار إلى نفسه على أنه لا يخلو من أن يريد بقوله:(سيدا كهول الجنة) أنهما سيدا كهول من هو في الجنة، أو يراد أنهما سيدا من يدخل الجنة من كهول الدنيا. فإن كان الأول، فذلك باطل. لأن رسول الله قد وقفنا - وأجمعت الأمة - على أن جميع أهل الجنة جرد مرد، وأنه لا يدخلها كهل وإن كان الثاني فذلك دافع ومناقض للحديث المجمع على روايته من قوله في الحسن والحسين أنهما سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما... الخ). بهذا المضمون وردت عدة روايات منها: أن الحق ينطق على لسان عمر وأن ملكا ينطق على لسانه وغير ذلك قال في تلخيص الشافي ج 2 ص 247:وأما ما روي من قوله: (الحق ينطق على لسان عمر) فإن كان صحيحا فإنه يقتضي عصمة عمر، والقطع على أن أقواله كلها حجة وليس هذا مذهب أحد فيه لأنه لا خلاف في أنه ليس بمعصوم وأن خلافه سائغ.وكيف يكون الحق ناطقا على لسان من يرجع في الأحكام من قول إلى قول، وشهد لنفسه بالخطأ، ويخالف بالشئ ثم يعود إلى قول من خالفه ويوافقه عليه ويقول: فقال يحيى: قد روي: أن النبي (صلى الله وعليه وآله) قال: (لو لم أبعث لبعث عمر).فقال (عليه السلام): كتاب الله أصدق من هذا الحديث، يقول الله في كتابه: (﴿‏وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح‏﴾) فقد أخذ الله ميثاق النبيين فكيف يمكن أن يبدل ميثاقه، وكل الأنبياء (عليهم السلام) لم يشركوا بالله طرفة عين، فكيف يبعث بالنبوة من أشرك وكان أكثر أيامه مع الشرك بالله، وقال رسول الله (صلى الله وعليه وآله):نبئت وآدم بين الروح والجسد).فقال يحيى بن أكثم: وقد روي أيضا: أن النبي (صلى الله وعليه وآله) قال: (ما احتبس عني الوحي قط إلا ظننته قد نزل على آل الخطاب).(لولا علي لهلك عمر) و (لولا معاذ لهلك عمر) وكيف لا يحتج بهذا الخبر هو لنفسه في بعض المقامات التي احتاج إلى الإحتجاج فيها.وكيف لم يقل أبو بكر لطلحة - حين أنكر نصه عليه - بأن الحق ينطق على لسانه).وأحصى الحجة الأميني في ج 6 من الغدير مائة مخالفة لعمر بن الخطاب ثم قال:هذا قليل من كثير مما وقفنا عليه من (نوادر الأثر في علم عمر) وبوسعنا الآن أن نأتي بأضعاف ما سردناه لكنا نقتصر على هذا رعاية لمقتضى الحال. قال الأميني في الجزء الخامس من الغدير أخرجه ابن عدي بطريقين:وقال: لا يصح زكريا (الوكار) كذاب يضع، وابن واقد عبد الله متروك، ومشرح ابن (عاهان) لا يحتج به. الأحزاب - 7. قال الأميني في ج 6 من الغدير: وأمثال هذه الأكاذيب فإن من يكون بتلك المثابة حتى يكاد أن يبعث نبيا لا يفقد علم واضحات المسائل عند ابتلائه أو ابتلاء من يرجع أمره إليه من أمته بها، ولا يتعلم القرآن في اثنتي عشر سنة وأين كان الحق والملك والسكينة يوم كان لا يهتدي إلى أمهات المسائل سبيلا فلا تسدده ولا تفرغ الجواب على لسانه، ولا تضع الحق في قلبه، وكيف يسع المسدد بذلك كله أن يحسب كل الناس أفقه منه حتى ربات الحجال؟ وكيف كان يأخذ علم الكتاب والسنة من نساء الأمة وغوغاء فقال (عليه السلام): وهذا محال أيضا، لأنه لا يجوز أن يشك النبي (صلى الله وعليه وآله) في نبوته قال الله تعالى: (﴿‏الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس‏﴾) فكيف يمكن أن ينتقل النبوة ممن اصطفاه الله تعالى إلى من أشرك به.قال يحيى: روي: أن النبي (صلى الله وعليه وآله) قال: (لو نزل العذاب لما نجى منه إلا عمر).فقال (عليه السلام): وهذا محال أيضا، لأن الله تعالى يقول: (﴿‏وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون‏﴾) فأخبر سبحانه أنه لا يعذب أحدا ما دام فيهم رسول الله (صلى الله وعليه وآله) وما داموا يستغفرون.وعن عبد العظيم الحسني قال: قلت لمحمد بن علي بن موسى (عليهم السلام):يا مولاي أني لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمد الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.الناس فضلا عن رجالها وأعلامها؟ وكيف كان يرى عرفان لفظة في القرآن تكلفا ويقول: هذا لعمر الله هو التكلف، ما عليك يا بن أم عمر أن لا تدري ما الأب؟وكيف كان يأخذ عن أولئك الجم الغفير من الصحابة ويستفتيهم في الأحكام؟ وكيف كان يعتذر عن جهله أوضح ما يكون من السنة بقوله: ألهاني عنه الصفق بالأسواق؟وكيف كان لم يسعه أن يعلم الكلالة ويقيمها ولم يتمكن من تعلم صور ميراث الجد وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: ما أراه يعلمها، وما أراه يقيمها. ويقول: أني أظنك تموت قبل أن تعلم ذلك! وكيف كان مثل أبي بن كعب يغلظ له في القول ويراه ملهى عن علم الكتاب بالصفق بالأسواق وبيع الخيط والقرظة؟ وكيف كان أمير المؤمنين جاهلا بتأويل القرآن؟ وكيف وكيف وكيف وكيف!!! نعم راق للقوم أن ينحتوا له فضائل ويغالوا فيها ولم يترووا في لوازمها وحسبوا أن المستقبل الكشاف يمضي كما مضت القرون خاليا عن باحث أو منقب، أو أن بواعث الارهاب يلجم لسانه عن أن ينطق، ويضرب على يده عن أن تكتب، ولا تفسح حرية القلم والمذاهب والأفكار للعلماء أن يبوحوا بما عندهم. الحج - 75. الأنفال - 38. فقال (عليه السلام): ما منا إلا قائم بأمر الله، وهاد إلى دين الله، ولكن القائم الذي يطهر الله به الأرض من أهل الكفر والجحود ويملأ الأرض قسطا وعدلا هو:الذي يخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته، وهو سمي رسول الله وكنيه، وهو الذي تطوى له الأرض، ويذل له كل صعب، يجتمع إليه من أصحابه عدة أهل بدر: (ثلاثمائة وثلاثة عشر) رجلا من أقاصي الأرض وذلك قول الله: (أينما ﴿‏تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل‏﴾ شئ قدير) فإذا اجتمعت له هذه العدة من أهل الإخلاص، أظهر الله أمره، فإذا كمل له العقد وهو: (عشرة آلاف) رجل خرج بإذن الله، فلا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى عز وجل.قال عبد العظيم: فقلت له: يا سيدي فكيف يعلم أن الله قد رضي؟قال: يلقي في قلبه الرحمة، فإذا دخل المدينة أخرج اللات والعزى فأحرقهما.احتجاج أبي الحسن علي بن محمد العسكري (عليه السلام) في شئ من التوحيد وغير ذلك من العلوم الدينية والدنياوية على المخالف والمؤالف.سئل أبو الحسن (عليه السلام) عن التوحيد فقيل له: لم يزل الله وحده لا شئ معه ثم خلق الأشياء بديعا واختار لنفسه الأسماء، ولم تزل الأسماء والحروف له معه قديمة؟فكتب: لم يزل الله موجودا ثم كون ما أراد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، تاهت أوهام المتوهمين، وقصر طرف الطارفين، وتلاشت أوصاف الواصفين واضمحلت أقاويل المبطلين عن الدرك لعجيب شأنه، أو الوقوع بالبلوغ على علو مكانه، فهو بالموضع الذي لا يتناهى، وبالمكان الذي لم يقع عليه عيون بإشارة ولا عبارة، هيهات هيهات!! وحدثنا أحمد بن إسحاق قال كتبت إلى أبي الحسن علي بن محمد العسكري أسأله عن الرؤية وما فيه الخلق فكتب:لا تجوز الرؤية ما لم يكن بين الرائي والمرئي هواء ينفذه البصر، فمتى انقطع الهواء وعدم الضياء لم تصح الرؤية، وفي جواب اتصال الضيائين الرائي والمرئي وجوب الاشتباه، والله تعالى منزه عن الاشتباه، فنثبت أنه لا يجوز عليه سبحانه الرؤية بالأبصار، لأن الأسباب لا بد من اتصالها بالمسببات.وعن العباس بن هلال قال: سألت أبا الحسن علي بن محمد (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: (الله نور السماوات والأرض). فقال (عليه السلام): يعني هادي ﴿‏من في السماوات ومن في الأرض‏﴾.

[الاحتجاج] · موسوعة الغيبة والظهور

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.