الأقسامالنبوّة والإمامة والولاية وعلوم الأئمة ومعاجزهممعاجز الأئمة ودلائلهم
مدينة معاجز الأئمة الإثني عشر و دلائل الحجج على البشر · رقم ٣٤٩

حدّثني محمّد بن جعفر بن عبد اللّه، عن أبي نعيم محمّد بن أحمد الأنصاري

قال: وجّه قوم من المفوّضة و المقصّرة كامل بن إبراهيم المدني إلى أبي محمّد- (عليه السلام) -. قال كامل: فقلت في نفسي: أسأله [عن قوله:] «لا يدخل الجنّة إلّا من عرف معرفتي و قال بمقالتي».[قال:] فلمّا دخلت على سيّدي أبي محمّد- (عليه السلام) - نظرت إلى ثياب بياض ناعمة عليه، فقلت في نفسي: وليّ اللّه و حجّته يلبس الناعم من الثياب و يأمرنا بمواساة الإخوان و ينهانا عن لبس مثله.فقال: متبسّما: «يا كامل» و حسر عن ذراعيه فإذا مسح أسود خشن على جلده، فقال: «هذا للّه و هذا لكم»، فسلّمت و جلست إلى باب عليه ستر مرخى، فجاءت الرّيح فكشفت طرفه، فإذا أنا بفتى كأنّه فلقة قمر من أبناء اربع سنين أو مثلها.فقال [لي]: «يا كامل بن ابراهيم» فاقشعررت من ذلك و الهمت أن قلت: لبّيك يا سيّدي، فقال: «جئت إلى وليّ اللّه و حجّته و بابه تسأله هل يدخل الجنّة إلّا من عرف معرفتك و قال بمقالتك؟» فقلت: إي و اللّه، فقال: «إذن و اللّه يقلّ داخلها، و اللّه إنّه ليدخلها قوم يقال لهم: الحقيّة»، قلت: يا سيّدي و من هم؟ قال: «قوم من حبّهم لعلّي يحلفون بحقّه و لا يدرون ما حقّه و فضله».ثمّ سكت- (صلوات الله عليه) - [عنّي ساعة] ثمّ قال: «جئت تسأله عن مقالة المفوّضة، كذبوا، بل قلوبنا أوعية لمشيّة اللّه، فإذا شاء شئنا، و اللّه يقول: وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ»، ثمّ رجع الستر إلى حالته فلم أستطع كشفه، فنظر إليّ أبو محمّد- (عليه السلام) - متبسّما فقال: «يا كامل ما جلوسك؟ و قد أنبأك بحاجتك الحجّة من بعدي!»، فقمت و خرجت و لم اعاينه بعد ذلك.قال أبو نعيم: فلقيت كاملا فسألته عن هذا الحديث فحدّثني به.و رواه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في كتابه: قال: أخبرني أبو الحسين محمّد بن هارون بن موسى قال: حدّثني أبي- - قال:حدّثنا محمّد بن همام قال: حدّثني جعفر بن محمّد قال: حدّثني محمّد ابن جعفر قال: حدّثني أبو نعيم قال: وجّهت المفوّضة كامل بن إبراهيم المزني إلى أبي محمّد الحسن بن عليّ- (عليهما السلام) - يباحثون أمره.قال كامل بن إبراهيم: فقلت في نفسي: أسأله [عن قوله] «لا يدخل الجنّة إلّا من عرف معرفتي و قال بمقالتي»، فلمّا دخلت على سيّدي أبي محمّد- (عليه السلام) - نظرت إلى ثياب؛ و ساق الحديث إلى آخره. الخامس عشر: خبر أحمد بن إسحاق الوكيل و سعد بن عبد اللّه القمّي و هو خبر مشهور - ابن بابويه في «الغيبة»: قال: حدّثنا محمّد بن عليّ بن محمّد بن حاتم النوفلي المعروف بالكرماني قال: حدّثنا أبو العباس أحمد بن عيسى الوشّاء البغدادي قال: حدّثنا أحمد بن طاهر القمي قال: حدّثنا محمّد بن بحر بن سهل الشيباني قال: حدّثنا أحمد بن مسرور، عن سعد بن عبد اللّه القمّي- و الحديث طويل-.قال فيه سعد بن عبد اللّه: قد كنت اتّخذت طومارا و أثبتّ فيه نيّفا و أربعين مسألة من صعاب المسائل لم أجد لها مجيبا على أن أسأل عنها خير أهل بلدي أحمد بن إسحاق صاحب مولانا أبي محمّد- (عليه السلام) -، فارتحلت خلفه و قد كان خرج قاصدا نحو مولانا بسرّمنرأى، فلحقته في بعض المناهل، فلمّا تصافحنا قال: بخير لحاقكو رواه في إثبات الوصيّة: 222 و الهداية الكبرى للحضيني: 87 (مخطوط)، و له تخريجات أخر من أرادها فليراجع الغيبة بتحقيقنا. في المصدر: عنها خبير اهل بلدي. في المصدر: المنازل، و في البحار: لخير لحاقك. بي، قلت: الشوق ثمّ العادة في الأسئلة، قال: قد تكافأنا على هذه الخطّة الواحدة، فقد برح بي العزم إلى لقاء مولانا أبي محمّد- (عليه السلام) -، و [أنا] اريد أن أسأله عن معاضل في التأويل و مشاكل في التنزيل، فدونكها الصحبة المباركة، فإنّها تقف بك على ضفّة بحر لا تنقضي عجائبه، و لا تفنى غرائبه، و هو إمامنا.فوردنا سرّ من رأى فانتهينا منها إلى باب سيّدنا- (عليه السلام) -، فاستأذنّا فخرج إلينا الإذن بالدّخول عليه، و كان على عاتق أحمد بن إسحاق جراب قد غطّاه بكساء طبريّ، فيه ستّون و مائة صرّة من الدنانير و الدّراهم، على [كلّ] صرّة منها ختم صاحبها.قال سعد: فما شبّهت [وجه] مولانا أبا محمّد- (عليه السلام) - حين غشينا نور وجهه إلّا ببدر قد استوفى من لياليه أربعا بعد عشر، و على فخذه الأيمن غلام يناسب المشتري في الخلقة و المنظر، و على رأسه فرق بين و فرتين كأنّه ألف بين واوين، و بين يدي مولانا رمّانة ذهبيّة تلمع بدائع نقوشها وسط غرائب الفصوص المركّبة عليها، قد كان أهداها إليه بعض رؤساء أهل البصرة، و بيده قلم، إذا أراد أن يسطر به على البياض [شيئا] قبض الغلام على اصابعه، فكان مولانا- (عليه السلام) - يدحرجالرمّانة بين يديه، و يشغله بردّها لئلّا يصدّه عن كتبة ما أراد.فسلّمنا عليه، فألطف في الجواب و أومأ إلينا بالجلوس، فلمّا فرغ من كتبة البياض الذي كان بيده أخرج أحمد بن إسحاق جرابه من طيّ كسائه، فوضعه بين يديه، فنظر أبو محمّد- (عليه السلام) - إلى الغلام و قال له:«يا بنيّ فضّ الخاتم عن هدايا شيعتك و مواليك». فقال: «يا مولاي أ يجوز أن أمدّ يدا طاهرة إلى هدايا نجسة، و أموال رجسة قد شيب أحلّها بأحرمها؟».فقال مولاي- (عليه السلام) -: «يا ابن إسحاق استخرج ما في الجراب ليميّز [ما] بين الحلال و الحرام منها»، فأوّل صرّة بدأ أحمد بإخراجها قال الغلام: «هذه لفلان بن فلان من محلّة كذا بقم، تشتمل على اثنين و ستّين دينارا، فيها من ثمن حجرة باعها صاحبها و كانت إرثا له من أخيه خمسة و أربعون دينارا، و من أثمان تسعة أثواب أربعة عشر دينارا، و فيها من اجرة الحوانيت ثلاثة دنانير».فقال مولانا- (عليه السلام) -: «صدقت يا بنيّ دلّ الرجل على الحراممنها».فقال- (عليه السلام) -: «فتّش عن دينار رازيّ السكّة تاريخه سنة كذا (و كذا)، قد انطمس من نصف إحدى صفحتيه نقشه، و قراضة أصليّة وزنها ربع دينار؛ و العلّة في تحريمها أنّ صاحب هذه الجملة وزن في شهر كذا من سنة كذا على حائك من جيرانه من الغزل منّا و ربع منّ، فأتت على ذلك مدّة، و في انتهائها قيّض لذلك الغزل سارق، فأخبر به الحائك صاحبه، فكذّبه و استردّ [منه] بدل ذلك منّا و نصف منّ غزلا أدقّ ممّا كان دفعه إليه، و أخذ من ذلك ثوبا، كان هذا الديا نار مع القراضة ثمنه» فلمّا فتح رأس الصرّة صادف رقعة في وسط الدّنانير باسم من أخبر عنه و بمقدارها على حسب ما قال، و استخرج الدّيا نار و القراضة بتلك العلامة.ثمّ أخرج صرّة اخرى، فقال الغلام- (عليه السلام) -: «هذه لفلان بن فلان، من محلّة كذا بقم، تشتمل على خمسين دينارا لا يحلّ لنا لمسها»، قال: و كيف ذلك؟ قال- (عليه السلام) -: «لأنّها من ثمن حنطة حاف صاحبها على أكّاره في المقاسمة، و ذلك أنّه قبض حصّته منها بكيل واف و كال ما خصّ الأكّار بكيل بخس»، فقال مولانا- (عليه السلام) -: «صدقت يا بنيّ»، ثمّ قال: «يا ابن اسحاق احملها بأجمعها لتردّها أو توصي بردّها على أربابها، فلا حاجة لنا في شيء منها، و ائتنا بثوب العجوز».قال أحمد: و كان ذلك الثوب في حقيبة لي فنسيته، فلمّا انصرف أحمد بن إسحاق ليأتيه بالثوب نظر إليّ مولانا أبو محمّد- (عليه السلام) - فقال:«ما جاء بك يا سعد؟» فقلت: شوّقني أحمد بن إسحاق إلى لقاء مولانا؛ قال: «فالمسائل التي أردت أن تسأل عنها؟» قلت: على حالتها يا مولاي، قال: «فسل قرّة عيني»- و أومأ إلى الغلام-، [فقال لي الغلام:«سل»]، فقلت له: مولانا و ابن مولانا إنّا روينا عنكم؛ و ساق الحديث.بطوله حذفنا أوّله و آخره هنا من رواية ابن بابويه؛ و الحديث طويل ذكر سعد مسائله و أجاب عنها القائم- (عليه السلام) - ذكره ابن بابويه بطوله في الغيبة. - و رواه أيضا أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري في «كتابه»: قال: أخبرني أبو القاسم عبد الباقي بن يزداد بن عبد اللّه البزّاز قال: حدّثنا أبو محمّد عبد اللّه بن محمّد الثعالبي قراءة في يوم الجمعة مستهلّ رجب سنة سبعين و ثلاثمائة قال: أخبرنا أبو علي أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار، عن سعد بن عبد اللّه بن أبي خلف القمّي قال:كنت امرأ لهجا بجمع الكتب المشتملة على غوامض العلوم و دقائقها، كلفا باستظهار ما يصحّ من حقائقها، مغرما بحفظ مشتبهها و مستغلقها، شحيحا على ما أظفر به من معاضلها و مشكلاتها، متعصّبا لمذهبالإماميّة، راغبا عن الأمن و السلامة في انتظار التنازع و التخاصم، و التعدّي إلى التباغض و التشاتم، معيبا للفرق ذوي الخلاف، كشّافا عن مثالب أئمّتهم، هتّاكا لحجب قادتهم، إلى أن بليت بأشدّ النواصب منازعة، و أطولهم مخاصمة و أكثرهم جدالا و أقشعهم سؤالا و أثبتهم على الباطل قدما.فقال ذات يوم و أنا اناظره: تبّا لك- يا سعد- و لأصحابك، إنّكم معشر الرافضة تقصدون على المهاجرين و الأنصار بالطعن عليهما، و تجحدون من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله) - ولايتهما و إمامتهما، هذا الصدّيق الذي فاق جميع الصحابة بشرف سابقته، أ ما علمتم أنّ الرسول- عليه و آله السلام- ما أخرجه مع نفسه إلى الغار إلّا علما منه بأنّ الخلافة له من بعده، و أنّه هو المقلّد أمر التأويل و الملقى إليه أزمّة الامّة، و عليه المعوّل في شعب الصّدع [و لمّ الشّعث]، و سدّ الخلل، و إقامة الحدود و تسرية الجيوش لفتح بلاد الكفر، فكما أشفق على نبوّته أشفق على خلافته، إذ ليس من حكم الاستتار و التواري أن يروم الهارب من الشرّ مساعدة إلى مكان يستخفي فيه، و لمّا رأينا النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله) - متوجّها إلى الانحجار و لم تكن الحال توجب استدعاء المساعدة من أحد استبان لنا قصد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله) - بأبي بكر إلى الغار للعلّة التي شرحناها.و إنّما أبات عليّا- (عليه السلام) - على فراشه لما لم يكن يكترث له و لميحفل به، لاستثقاله إيّاه و لعلمه بأنّه إن قتل لم يتعذّر عليه نصب غيره مكانه للخطوب التي كان يصلح لها.قال سعد: فأوردت عليه أجوبة شتّى، فما زال يقصد كلّ واحد منها بالنقض و الردّ عليّ، ثمّ قال: يا سعد دونكها اخرى بمثلها تحطّم آناف الروافض، أ لستم تزعمون أنّ الصدّيق المبرّأ من دنس الشكوك و الفاروق المحامي عن بيضة الإسلام كانا يسرّان النفاق، و استدللتم بليلة العقبة، أخبرني عن الصدّيق و الفاروق أسلما طوعا أو كرها؟قال سعد: فاحتلت لدفع [هذه] المسألة عنّي خوفا من الإلزام و حذرا من أنّي إن أقررت له بطوعهما في الإسلام احتجّ بأنّ بدء النفاق و نشوءه في القلب لا يكون إلّا عند هبوب روائح القهر و الغلبة، و إظهار اليأس الشديد في حمل المرء على من ليس ينقاد له قلبه، نحو قول اللّه عزّ و جلّ ﴿‏فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ‏﴾ وَ كَفَرْنا ﴿‏بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا‏﴾ و إن قلت: أسلما كرها، كان يقصدني بالطعن، إذا لم يكن ثمّة سيوف منتضاة كانت تريهما البأس.قال سعد: فصدرت عنه مزوّرا قد انتفخت أحشائي من الغضب و تقطّع كبدي من الكرب، و كنت قد اتّخذت طومارا و أثبتّ فيه نيّفا و أربعين مسألة من صعاب المسائل التي لم أجد لها مجيبا على أن اسألعنها خير أهل بلدي أحمد بن إسحاق صاحب مولانا أبي محمّد- (عليه السلام) -، فارتحلت خلفه، و قد كان خرج قاصدا نحو مولاي بسرّمنرأى، فلحقته في بعض المناهل، فلمّا تصافحنا قال: لخير لحاقك بي، قلت: الشوق ثمّ العادة في الأسئلة.قال: قد تكافأنا عن هذه الخطّة الواحدة، فقد برح بي الشوق إلى لقاء مولانا أبي محمّد- (عليه السلام) -، و اريد أن أسأله عن معاضل في التأويل و مشاكل من التنزيل، فدونكها الصحبة المباركة، فإنّها تقف بك على ضفة بحر لا تنقضي عجائبه و لا تفنى غرائبه و هو إمامنا.فوردنا سرّ من رأى فانتهينا منها إلى باب سيّدنا- (عليه السلام) -، فاستأذنّا فخرج [إلينا] الاذن بالدخول عليه، و كان على عاتق أحمد بن إسحاق جراب قد غطّاه بكساء طبريّ، فيه ستّون و مائة صرّة من الدنانير و الدراهم، على كلّ صرّة ختم صاحبها.قال سعد: فما شبّهت مولانا أبا محمّد- (عليه السلام) - حين غشينا نور وجهه إلّا ببدر قد استوفى من لياليه اربعا بعد عشر، و على فخذه الأيمن غلام يناسب المشتري في الخلقة و المنظر، على رأسه فرق بين و فرتين كأنّه ألف بين واوين، و بين يدي مولانا- (عليه السلام) - رمّانة ذهبيّة تلمع ببدائع نقوشها وسط غرائب الفصوص المركّبة عليها، قد كان أهداها إليه بعض رؤساء أهل البصرة، و بيده قلم إذا أراد أن يسطر به على البياض قبض الغلام على أصابعه، و كان مولانا- (عليه السلام) - يدحرج الرّمانة بين يديه يشغله بردّها لئلّا يصدّه عن كتبة ما أراد.فسلّمنا عليه، فألطف في الجواب و أومأ إلينا بالجلوس، فلمّا فرغ من كتبة البياض الذي كان بيده أخرج أحمد بن إسحاق جرابه من طيّ كسائه، فوضعه بين يدي مولانا، فنظر أبو محمّد- (عليه السلام) - إلى الغلام و قال: «يا بنيّ فضّ الخاتم عن هدايا شيعتك و مواليك».فقال: «يا مولاي أ يجوز أن أمدّ يدا طاهرة إلى هدايا نجسة و أموال رجسة قد شيب أحلّها بأحرمها؟!» فقال مولانا- (عليه السلام) - «يا ابن إسحاق استخرج ما في الجراب ليميّز بين الأحلّ منها و الأحرم»، فأوّل صرّة بدأ أحمد بإخراجها قال الغلام: «هذه لفلان بن فلان من محلّة كذا بقم، تشتمل على اثنين و ستّين دينارا، فيها من ثمن حجرة باعها- و كانت إرثا له من أبيه- خمسة و أربعون دينارا، و من أثمان تسعة أثواب أربعة عشر دينارا، و فيها من أجرة الحوانيت ثلاثة دنانير».فقال مولانا- (عليه السلام) -: «صدقت يا بنيّ دلّ الرجل على الحرام منها»، فقال- (عليه السلام) - «فتّش عن دينار رازيّ السكّة تاريخه سنة كذا، قد انطمس [من] إحدى صفحتيه [نصف] نقشه، و قراضة أصليّة وزنها ربع دينار، و العلّة في تحريمها أنّ صاحب هذه الجملة وزن في شهر كذا (من سنة كذا) على حائك من جيرانه من الغزل منّا و ربع منّ، فأتت على ذلك مدّة، و في انتهائها قيّض لذلك الغزل سارق، فأخبر [به] الحائك صاحبه، فكذّبه، و استردّ منه بدل ذلك منّا و نصف غزلا أدقّ ممّاكان [قد] دفعه إليه، و اتّخذ من ذلك ثوبا كان هذا الديا نار مع القراضة ثمنه»، فلمّا فتح الصرّة صادف في وسط الدنانير رقعة باسم من أخبر عنه و بمقدارها على حسب ما قال- (عليه السلام) -، و استخرج الديا نار و القراضة بتلك العلامة.ثمّ أخرج صرّة اخرى، فقال الغلام- (عليه السلام) -: «هذه لفلان بن فلان، من محلّة كذا بقم، تشتمل على خمسين دينارا لا يحلّ لنا لمسها».قال: و كيف ذلك؟ قال- (عليه السلام) -: «لأنّها [من] ثمن حنطة حاف صاحبها على أكّاره في المقاسمة، و ذلك أنّه قبض حصّته [منها] بكيل واف، و كال ما خصّ الأكّار [منها] بكيل بخس»، فقال مولانا- (عليه السلام) - «صدقت يا بنيّ»، ثمّ قال: «يا ابن إسحاق احملها بأجمعها لتردّها [أو توصي بردّها] على اربابها، فلا حاجة لنا في شيء منها، و ائتنا بثوب العجوز».قال أحمد: و كان ذلك الثوب في حقيبة لي فنسيته، فلمّا انصرف أحمد بن اسحاق [ليأتيه بالثوب] نظر إليّ مولانا أبو محمّد- (عليه السلام) - فقال: [ «ما جاء بك يا سعد؟» فقلت: شوّقني أحمد بن إسحاق إلى لقاء مولانا؛ فقال:] «و المسائل التي أردت أن تسأل عنها؟» قلت: على حالتها يا مولاي، فقال: «سل قرّة عيني- و أومأ إلى الغلام- عمّا بدا لك منها».فقلت: مولانا و ابن مولانا إنّا روينا عنكم أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله) - جعل طلاق نسائه بيد أمير المؤمنين- (صلوات الله عليه) - حتّى أرسل يوم الجمل إلى عائشة: «إنّك قد أرهجت على الإسلام [و أهله] بفتنتك، و أوردت بنيك حياض الهلاك بجهلك، فإن كففت عنّي غربك و إلّا طلقتك». و نساء رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله) - قد كان طلاقهنّ بوفاته.قال- (عليه السلام) -: «ما الطلاق؟» قلت: تخلية السبيل، قال: «فإذا كان وفاة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله) - قد خلّى سبيلهنّ فلم لا يحلّ لهنّ الأزواج؟» قلت: لأنّ اللّه عزّ و جلّ حرّم [الأزواج] عليهنّ، قال: «كيف؟و قد خلّى الموت سبيلهنّ؟» [قلت:] فأخبرني يا ابن مولاي عن معنى الطلاق الذي فوّض رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله) - حكمه إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام) -.قال: «إنّ اللّه تقدّس اسمه عظّم شأن نساء النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله) - فخصّهنّ بشرف الامّهات، فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله) -: «يا أبا الحسن إنّ هذا الشرف باق [لهنّ] ما دمن اللّه على الطاعة، فأيّتهنّ عصت اللّه بعدي بالخروج عليك فاطلق لها في الأزواج، و اسقطها [من شرف الامّهات] من شرف أمومة المؤمنين».قلت: فأخبرني عن الفاحشة المبيّنة التي إذا أتت المرأة بها في أيّام عدّتها حلّ للزوج أن يخرجها من بيته، قال: «السحق دون الزنا، و إنّالمرأة إذا زنت و اقيم عليها الحدّ ليس لمن أرادها أن يمتنع بعد ذلك من التزويج بها لأجل الحدّ، و إذا سحقت وجب عليها الرّجم و الرجم خزي، و من قد أمر اللّه برجمه فقد أخزاه، و من أخزاه فقد أبعده، [و من أبعده] فليس لأحد أن يقربه».قلت: فأخبرني يا ابن رسول اللّه عن أمر اللّه لنبيّه موسى- (عليه السلام) - ﴿‏فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً‏﴾ فإنّ فقهاء الفريقين يزعمون أنّها كانت من إهاب الميتة، فقال- (عليه السلام) -: «من قال ذلك فقد افترى على موسى و استجهله في نبوّته، لأنّه ما خلا الأمر فيها من خصلتين: إمّا أن تكون صلاة موسى- (عليه السلام) - فيها جائزة أو غير جائزة؛ فإن كانت صلاة موسى جائزة جاز له أن يكون لابسهما في البقعة، إذ لم تكن مقدّسة، و إن كانت مقدّسة مطهّرة فليست بأطهر و أقدس من الصلاة، و إن كانت صلاته غير جائزة فيهما فقد أوجب أنّ موسى- (عليه السلام) - لم يعرف الحلال من الحرام و علم ما جاز فيه الصلاة و ما لا يجوز، و هذا كفر».قلت: فأخبرني يا ابن مولاي عن التأويل فيها، قال: «إنّ موسى ناجى ربّه بالواد المقدس، فقال: يا ربّ إنّي قد أخلصت لك المحبّة منّي و غسلت قلبي عمّن سواك، و كان شديد الحبّ لأهله، فقال اللّه تعالىفَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ أي انزع حبّ أهلك من قلبك إن كانت محبّتك لي خالصة، و قلبك من الميل إلى سواي مغسولا».قلت: فأخبرني يا ابن رسول اللّه عن تأويل كهيعص.قال: هذه الحروف من أنباء الغيب، اطلع [اللّه] عليها عبده زكريّا، ثمّ قصّها على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله) -، و ذلك أنّ زكريّا سأل ربّه أن يعلّمه أسماء الخمسة، فأهبط عليه جبرئيل- (عليه السلام) - فعلّمه إيّاها، فكان [زكريّا] إذا ذكر محمّدا و عليّا و فاطمة و الحسن سرّي عنه همّه و انجلى كربه، فإذا ذكر اسم الحسين- (عليه السلام) - خنقته العبرة، و وقعت عليه الهموم، فقال ذات يوم: «إلهي ما بالي إذا ذكرت أربعا منهم تسلّيت بأسمائهم من همومي، و إذا ذكرت الحسين تدمع عيني و تثور زفرتي».فأنبأه اللّه عن قصّته، فقال: كهيعص فالكاف: اسم كربلاء و الهاء: هلاك العترة، و الياء: يزيد- لعنه اللّه- و هو ظالم الحسين- (عليه السلام) -، و العين: عطشه و الصاد: صبره، فلمّا سمع بذلك زكريّا لم يفارق مسجده ثلاثة أيّام، و منع (فيهنّ) الناس من الدخول عليه، و أقبل على البكاء و النحيب، و كانت ندبته: «إلهي أتفجع خير جميع خلقك بولده، إلهيأ تنزل بلوى هذه الرّزية بفنائه، إلهي أتلبس عليّا و فاطمة ثياب هذه المصيبة، إلهي أ تحلّ كربة هذه الفجيعة بساحتهما».ثمّ كان يقول: «إلهي ارزقني ولدا تقرّبه عيني على الكبر، و اجعله وارثا رضيّا يوازي محلّه منّي محلّ الحسين- (عليه السلام) -، فإذا رزقتنيه فافتني بحبّه، ثمّ أفجعني [به] كما تفجع محمّدا حبيبك بولده»، فرزقه اللّه تعالى يحيى- (عليه السلام) - و فجعه به، و كان حمل يحيى ستّة أشهر و حمل الحسين- (عليه السلام) - كذلك، و له قصّة طويلة.[قلت:] فأخبرني يا مولاي عن العلّة التي تمنع القوم من اختيار إمام لأنفسهم، قال: «مصلح أو مفسد؟» قلت: مصلح. قال: «هل يجوز أن تقع خيرتهم على الفساد بعد أن لا يعلم أحد ما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد؟» قلت: بلى. قال: «فهي العلّة أوردها لك ببرهان ينقاد بذلك عقلك.أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم اللّه و أنزل عليهم علمه، و أيّدهم بالوحي و العصمة، إذ هم أعلام الامم و أهدى إلى الاختيار منهم، مثل موسى و عيسى- (عليهما السلام) - هل يجوز مع وفور عقلهما و كمال علمهما، إذا همّا بالاختيار أن تقع خيرتهما على المنافق و هما يظنّان أنّه مؤمن؟» قلت: لا.قال- (عليه السلام) -: «فهذا موسى كليم اللّه، مع وفور عقله و كمال علمه اختار من أعيان قومه و وجوه عسكره لميقات ربّه سبعين رجلا ممّن لم يشكّ في إيمانهم و اخلاصهم، فوقعت خيرته على المنافقين، قال اللّهعزّ و جلّ: وَ اخْتارَ ﴿‏مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا‏﴾ و قوله: ﴿‏لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ‏﴾.فلمّا وجدنا اختيار من قد اصطفاه اللّه تعالى لنبوّته واقعا على الأفسد دون الأصلح، و هو يظنّ أنّه الأصلح دون الأفسد، علمنا أن لا اختيار إلّا لمن يعلم ما تخفي الصدور، و تكنّ الضمائر و تنصرف عليه السرائر، و أن لا خطر لاختيار المهاجرين و الأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد، لمّا أرادوا أهل الصلاح».ثمّ قال مولانا- (عليه السلام) -: «يا سعد حين ادّعى خصمك أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله) - ما أخرج مع نفسه مختار هذه الامّة إلى الغار إلّا علما منه أنّ الخلافة له من بعده، و أنّه هو المقلّد امور التأويل و الملقى إليه أزمّة الامور، و عليه المعوّل في لمّ الشعث و سدّ الخلل و اقامة الحدود، و تسريب الجيوش لفتح بلاد الكفر، فكما أشفق على نبوّته أشفق على خلافته، إذ لم يكن من حكم الاستتار و التواري أن يروم الهارب من الشرّ مساعدة من غيره إلى مكان يستخفي فيه، و إنّما أبات عليّا- (عليه السلام) - على فراشه لمّا لم يكن يكترث [له] و لم يحفل به، لاستثقاله إيّاه و علمه بأنّه إن قتل لم يتعذّر عليه نصب غيره مكانه للخطوب التي كان يصلح لها.فهلّا نقضت دعواه بقولك: أ ليس قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله) -:الخلافة [بعدي] ثلاثون سنة، فجعل هذه موقوفة على أعمار الأربعة الذين هم الخلفاء الراشدون في مذهبكم، فكان لا يجد بدّا من قوله: بلى، فكنت تقول له حينئذ: أ ليس كما علم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله) - أنّ الخلافة من بعده لأبي بكر، علم أنّها من بعد أبي بكر لعمر، و من بعد عمر لعثمان، و من بعد عثمان لعليّ، فكان أيضا لا يجد بدّا من قوله: نعم.ثمّ كنت تقول [له]: فكان الواجب على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله) - أن يخرجهم جميعا على الترتيب إلى الغار و يشفق عليهم كما أشفق على أبي بكر، و لا يستخفّ بقدر هؤلاء الثلاثة بتركه إيّاهم، و تخصيصه أبا بكر (من بينهم) باخراجه مع نفسه دونهم.و لمّا قال: أخبرني عن الصدّيق و الفاروق أسلما طوعا أو كرها؟ لم لم تقل: بل أسلما طمعا؟ و ذلك أنّهما كانا يجالسان اليهود و يستخبرانهم عمّا كانوا يجدون في التوراة و في سائر الكتب المتقدّمة الناطقة بالملاحم من حال إلى حال، من قصّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله) - و من عواقب أمره، و كانت اليهود تذكر أنّ لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله) - تسلّطا على العرب، كما كان لبختنصّر على بني إسرائيل، غير أنّه كاذب في دعواه [انّه نبيّ]، فأتيا محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله) - فساعداه على قول شهادة أن لا إله إلّا اللّه و تابعاه طمعا في أن ينال كلّ واحدمنهما من جهته ولاية بلد إذا استقامت اموره و استتبّت أحواله، فلمّا أيسا من ذلك تلثّما و صعدا العقبة مع عدّة من أمثالهما من المنافقين على أن يقتلوه، فدفع اللّه كيدهم و ردّهم بغيظهم لم ينالوا خيرا، كما أتى طلحة و الزبير عليّا- (عليه السلام) - فبايعاه، و طمع كلّ واحد منهما أن ينال من جهته ولاية بلد، فلمّا أيسا نكثا بيعته و خرجا عليه، فصرع اللّه كلّ واحد منهما مصرع أشباههما من الناكثين».قال [سعد]: ثمّ قام مولانا أبو محمّد الحسن بن عليّ الهادي- (عليه السلام) - للصلاة [مع الغلام]، فانصرفت عنهما و طلبت أحمد بن إسحاق، فاستقبلني باكيا، فقلت: ما [أبطأك و] أبكاك؟ فقال: قد فقدت الثوب الذي أرسلني مولاي لاحضاره، قلت: لا عليك، فأخبره، فدخل عليه و انصرف من عنده متبسّما و هو يصلّي على محمّد و آل محمّد، فقلت:ما الخبر؟قال: وجدت الثوب مبسوطا تحت قدمي مولانا- (عليه السلام) - [يصلّي عليه]. قال سعد: فحمدنا اللّه عزّ و جلّ [على ذلك و جعلنا] نختلف إلى مولانا أيّاما، فلا نرى الغلام- (عليه الصلاة و السلام) - بين يديه؛ و الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على محمّد و آله و سلّم تسليما كثيرا.السادس عشر: دخوله- (عليه السلام) - الدار ثمّ لم ير - ابن بابويه: قال: حدّثنا أبو طالب المظفّر بن جعفر بن

[مدينة معاجز الأئمة الإثني عشر و دلائل الحجج على البشر] · موسوعة الغيبة والظهور

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.