فإن قيل: فيكون الله تعالى قد أغرى عباده بالعصيان، وأباحهم الهرج والمرج والطغيان، لأنّهم إذا كانوا يقدرون على الكفر وأنواع الضلال وقد يئسوا من قبول التوبة، لم يدعهم داع إلى الكفّ عمّا في طباعهم، ولا انزجروا عن فعل قبيح، ومن وصف الله بإغراء خلقه بالمعاصي فقد أعظم الفرية عليه.
قيل لهم: ليس الأمر على ما ظننتموه، وذلك أنّ الدواعي لهم إلى المعاصي تكون مرتفعة إذ ذاك، لأنّهم علموا بما سلف لهم من العذاب إلى وقت الرجعة، على خلاف أئمّتهم، ويعلمون في الحال أنّهم معذّبون على ما سبق لهم من العصيان، وأنّهم إن راموا فعل قبيح تزايد عليهم العقاب في الحال، وإن لزمنا هذا السؤال لزم جميع أهل الإسلام مثله في أهل الآخرة، وإبطال توبتهم، فما أجابوا به فهو جوابنا.
فإن قيل على الجواب الأوّل: كيف يتوهّم من القوم الإقامة على العناد، وقد عاينوا العقاب في القبور وحلّ بهم عند الرجعة العذاب، وكيف يصحّ أن تدعوهم الدواعي إلى ذلك ؟
____________ سورة الأنعام 6: 158.
في «ش، ط»: هي.
في «ح»: ما اعتقده.
في المصدر: سؤال: فإن قالوا في هذا الجواب: ما أنكرتم أن يكون الله سبحانه على ما أصّلتموه.
بدل من: فإن قيل: فيكون الله تعالى.
في المصدر زيادة: يصلون به إلى النفع العاجل.
في المصدر زيادة: ولا يحصل لهم داع إلى قبيح على وجه من الوجوه ولا سبب من الأسباب.
89 قيل: يصحّ ذلك لأنّ جميع ما عدّدتموه لا يمنع من دخول الشبهة عليهم في استحسان الخلاف؛ لأنّهم يظنّون أنّهم إنّما بعثوا بعد الموت تكرمة لهم وليّلوا الدنيا كما كانوا يظنّون، وإذا حلّ بهم العقاب توهّموا قبل مفارقة أرواحهم أجسادهم أنّ هذا ليس على سبيل الإستحقاق، وأنّه من الله تعالى كما حلّ بالأنبياء، ولأصحاب هذا الجواب أن يقولوا: ليس ما ذكرناه بأعجب من كفر قوم موسى وعبادتهم العجل، وقد شاهدوا منه الآيات وعاينوا ما حلَّ بفرعون وملائه من العذاب على الخلاف.
الايقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة