⟨وروي عن النبي (صلى الله وعليه وآله)⟩
أنه قال لعلي بن أبي طالب (عليه السلام): يا علي لا يحبك إلا من طابت ولادته، ولا يبغضك إلا من خبثت ولادته، ولا يواليك إلا مؤمن ولا يعاديك إلا كافر.فقام إليه عبد الله بن مسعود فقال: يا رسول الله فقد عرفنا علامة خبث الولادة والكافر في حياتك ببغض علي وعداوته، فما علامة خبث الولادة والكافر بعدك إذا أظهر الإسلام بلسانه وأخفى مكنون سريرته؟فقال رسول الله (صلى الله وعليه وآله): يا بن مسعود إن علي بن أبي طالب (عليه السلام) إمامكم بعدي وخليفتي عليكم، فإذا مضى فالحسن والحسين ابناي إمامكما بعده وخليفتي عليكم، ثم تسعة من ولد الحسين واحد بعد واحد أئمتكم وخلفائي عليكم، تاسعهم قائم أمتي يملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، لا يحبهم إلا من طابت ولادته ولا يبغضهم إلا من خبثت ولادته ولا يواليهم إلا مؤمن ولا يعاديهم إلا كافر من أنكر واحدا منهم فقد أنكرني ومن أنكرني فقد أنكر الله عز وجل، ومن جحد واحدا منهم فقد جحدني ومن جحدني فقد جحد الله عز وجل، لأن طاعتهم طاعتي وطاعتي طاعة الله ومعصيتهم معصيتي ومعصيتي معصية الله.يا بن مسعود إياك أن تجد في نفسك حرجا مما أقضي فتكفر، فوعزة ربي ما أنا متكلف ولا أنا ناطق عن الهوى في علي والأئمة (عليهم السلام) من ولده.ثم قال (صلى الله وعليه وآله) وهو رافع يديه إلى السماء: اللهم وال من والى خلفائي وأئمة أمتي من بعدي وعاد من عاداهم، وانصر من نصرهم، واخذل من خذلهم، ولا تخل الأرض من قائم منهم بحجتك إما ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا لئلا يبطل دينك وحجتك وبيناتك.ثم قال (صلى الله وعليه وآله): يا بن مسعود قد جمعت لكم في مقامي هذا ما إن فارقتموه هلكتم وإن تمسكتم به نجوتم. ﴿والسلام على من اتبع الهدى﴾.والأخبار في هذا المعنى متواترة لا تحصى كثرة ذكرنا طرفا منها جلاءا للأبصار وشفاءا لما في الصدور وهدى لقوم ينصفون.ذكر طرف مما جرى بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من اللجاج والحجاج في أمر الخلافة من قبل من استحقها ومن لم يستحق، والإشارة إلى شئ من إنكار من أنكر على من تأمر على علي بن أبي طالب (عليه السلام) تأمره وكيد من كاده من قبل ومن بعد.عن أبي المفضل محمد بن عبد الله الشيباني بإسناده الصحيح عن رجال ثقة أن النبي (صلى الله وعليه وآله) خرج في مرضه الذي توفي فيه إلى الصلاة متوكئا على الفضل بن عباس وغلام له يقال له ثوبان، وهي الصلاة التي أراد التخلف عنها لثقله ثم حمل على نفسه وخرج، فلما صلى عاد إلى منزله فقال لغلامه: اجلس على الباب ولا تحجب أحدا من الأنصار وتجلاه الغشي وجاءت الأنصار فأحدقوا بالباب وقالوا:استأذن لنا على رسول الله (صلى الله وعليه وآله). فقال: هو مغشي عليه وعنده نساؤه، فجعلوا يبكون فسمع رسول الله (صلى الله وعليه وآله) البكاء فقال: من هؤلاء؟ قالوا: الأنصار. فقال من هيهنا من أهل بيتي؟ قالوا: علي والعباس، فدعاهما وخرج متوكئا عليهما فاستند إلى جذع من أساطين مسجده - وكان الجذع جريد نخل - فاجتمع الناس وخطب فقال في كلامه:____ (معاشر الناس) إنه لم يمت نبي قط إلا خلف تركة، وقد خلفت فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي، ألا فمن ضيعهم ضيعه الله، ألا وإن الأنصار كرشي وعيبتي التي آوي إليها، وإني أوصيكم بتقوى الله والإحسان إليهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم.ثم دعا أسامة بن زيد فقال: سر على بركة الله والنصر والعافية حيث أمرتك بمن أمرتك عليه، وكان (صلى الله وعليه وآله) قد أمره على جماعة من المهاجرين والأنصار فيهم أبو بكر وعمر وجماعة من المهاجرين الأولين، وأمره أن يغير على مؤتة واد في فلسطين.فقال له أسامة: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أتأذن لي في المقام أياما حتى يشفيك الله، فإني متى خرجت وأنت على هذه الحالة خرجت وفي قلبي منك قرحة فقال: انفذ يا أسامة لما أمرتك فإن القعود عن الجهاد لا يجب في حال من الأحوال قال: فبلغ رسول الله (صلى الله وعليه وآله) أن الناس طعنوا في عمله، فقال رسول الله (صلى الله وعليه وآله) بلغني أنكم طعنتم في عمل أسامة وفي عمل أبيه من قبل، وأيم الله إنه لخليق للإمارة وإن أباه كان خليقا لها، وإنه وأباه من أحب الناس إلي فأوصيكم به خيرا، فلئن قلتم في إمارته لقد قال قائلكم في إمارة أبيه.ثم دخل رسول الله (صلى الله وعليه وآله) بيته، وخرج أسامة من يومه حتى عسكر على رأس فرسخ من المدينة، ونادى منادي رسول الله (صلى الله وعليه وآله): أن لا يتخلف عن أسامة أحد ممن أمرته عليه، فلحق الناس به، وكان أول من سارع إليه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح، فنزلوا في رقاق واحد مع جملة أهل العسكر.قال: وثقل رسول الله (صلى الله وعليه وآله)، فجعل الناس ممن لم يكن في بعث أسامة يدخلون عليه أرسالا وسعد بن عبادة يومئذ شاك وكان لا يدخل أحد من الأنصار على النبي (صلى الله وعليه وآله) إلا انصرف إلى سعد يعوده.قال: وقبض رسول الله (صلى الله وعليه وآله) وقت الضحى من يوم الاثنين بعد خروج أسامة إلى معسكره بيومين، فرجع أهل العسكر والمدينة قد رجفت بأهلها، فأقبل أبو بكر على ناقة حتى وقف على باب المسجد فقال: أيها الناس ما لكم تموجون إن كان محمد قد مات فرب محمد لم يمت " ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا﴾ " قال ثم اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة وجاؤا به إلى سقيفة بني ساعدة فلما سمع بذلك عمر أخبر بذلك أبا بكر فمضيا مسرعين إلى السقيفة ومعهما أبو عبيدة بن الجراح، وفي السقيفة خلق كثير من الأنصار وسعد بن عبادة بينهم مريض فتنازعوا الأمر بينهم فآل الأمر إلى أن قال أبو بكر في آخر كلامه للأنصار:إنما أدعوكم إلى أبي عبيدة بن الجراح أو عمر وكلاهما قد رضيت لهذا الأمر وكلاهما أراهما له أهلا. فقال عمر وأبو عبيدة: ما ينبغي لنا أن نتقدمك يا أبا بكر وأنت أقدمنا إسلاما وأنت صاحب الغار وثاني اثنين فأنت أحق بهذا الأمر وأولى به فقال الأنصار: نحذر أن يغلب على هذا الأمر من ليس منا ولا منكم، فنجعل منا أميرا ومنكم أميرا ونرضى به على أنه إن هلك اخترنا آخر من الأنصار____ فقال أبو بكر بعد أن مدح المهاجرين: وأنتم يا معشر الأنصار ممن لا ينكر فضلهم ولا نعمتهم العظيمة في الإسلام، رضيكم الله أنصارا لدينه وكهفا لرسوله وجعل إليكم مهاجرته وفيكم محل أزواجه، فليس أحد من الناس بعد المهاجرين الأولين بمنزلتكم، فهم الأمراء وأنتم الوزراء.فقال الحباب بن المنذر الأنصاري: يا معشر الأنصار أمسكوا على أيديكم، فإنما الناس في فيئكم وظلالكم، ولن يجترئ مجتر على خلافكم ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم. وأثني على الأنصار ثم قال: فإن أبى هؤلاء تأميركم عليهم فلسنا نرضى بتأميرهم علينا ولا نقنع بدون أن يكون منا أمير ومنهم أمير.فقام عمر بن الخطاب فقال: هيهات لا يجتمع سيفان في غمد واحد، إنه لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا تمتنع إلى تولي أمرها من كانت النبوة فيهم وألو الأمر منهم، ولنا بذلك على من خالفنا الحجة الظاهرة والسلطان البين، فيما ينازعنا سلطان محمد ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف بإثم أو متورط في الهلكة محب للفتنة.فقام الحباب بن المنذر ثانية فقال: يا معشر الأنصار أمسكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقال هذا الجاهل وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر وإن أبوا أن يكون منا أمير ومنهم أمير فاجلوهم عن بلادكم وتولوا هذا الأمر عليهم، فأنتم والله أحق به منهم، فقد دان بأسيافكم قبل هذا الوقت من لم يكن يدين بغيرها وأنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، والله لئن أحد رد قولي لأحطمن أنفه بالسيف._____ قال عمر بن الخطاب: فلما كان الحباب هو الذي يجيبني لم يكن لي معه كلام، فإنه جرت بيني وبينه منازعة في حياة رسول الله (صلى الله وعليه وآله) فنهاني رسول الله (صلى الله وعليه وآله) عن مهاترته فحلفت أن لا أكلمه أبدا.قال عمر لأبي عبيدة: تكلم. فقام أبو عبيدة بن الجراح وتكلم بكلام كثير وذكر فيه فضائل الأنصار، وكان بشير بن سعد سيدا من سادات الأنصار لما رأى اجتماع الأنصار على سعد بن عبادة لتأميره حسده وسعى في إفساد الأمر عليه وتكلم في ذلك ورضي بتأمير قريش وحث الناس كلهم لا سيما الأنصار على الرضا، بما يفعله المهاجرون.فقال أبو بكر: هذا عمر وأبو عبيدة شيخان من قريش فبايعوا أيهما شئتم فقال عمر وأبو عبيدة: ما نتولى هذا الأمر عليك امدد يدك نبايعك. فقال بشير بن سعد: وأنا ثالثكما، وكان سيد الأوس وسعد بن عبادة سيد الخزرج، فلما رأت الأوس صنيع سيدها بشير وما ادعيت إليه الخزرج من تأمير سعد أكبوا على أبي بكر بالبيعة وتكاثروا على ذلك وتزاحموا، فجعلوا يطأون سعدا من شدة الزحمة وهو بينهم على فراشه مريض. فقال: قتلتموني، قال عمر: اقتلوا سعدا قتله الله، فوثب قيس بن سعد فأخذ بلحية عمر وقال: والله يا بن صهاك الجبان في الحرب والفرار الليث في الملأ والأمن لو حركت منه شعرة ما رجعت وفي وجهك واضحة فقال أبو بكر مهلا يا عمر مهلا فإن الرفق أبلغ وأفضل.فقال سعد: يا بن صهاك - وكانت جدة عمر - الحبشية أما والله لو أن لي قوة على النهوض لسمعتها مني في سككها زئيرا أزعجك وأصحابك منها ولألحقنكما بقوم كنتما فيهم أذنابا أذلاء تابعين_____ قال: أتيت عليا (عليه السلام) وهو يغسل رسول الله (صلى الله وعليه وآله)، وقد كان أوصى أن لا يغسله غير علي (عليه السلام)، وأخبر أنه لا يريد أن يقلب منه عضوا إلا قلب له، وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لرسول الله (صلى الله وعليه وآله): من يعينني على غسلك يا رسول الله؟ قال جبرئيل.فلما غسله وكفنه أدخلني وأدخل أبا ذر والمقداد وفاطمة وحسنا وحسينا (عليهم السلام) فتقدم وصففنا خلفه فصلى عليه وعائشة في الحجرة لا تعلم قد أخذ جبرئيل ببصرها ثم أدخل عشرة من المهاجرين وعشرة من الأنصار فيصلون ويخرجون، حتى لم يبق من المهاجرين والأنصار إلا صلى عليه، وقلت لعلي (عليه السلام) حين يغسل رسول الله (صلى الله وعليه وآله): إن القوم فعلوا كذا وكذا وإن أبا بكر الساعة لعلى منبر رسول الله (صلى الله وعليه وآله) وما يرضى الناس أن يبايعوا له بيد واحدة إنهم ليبايعون بيديه جميعا يمينا وشمالا.فقال علي (عليه السلام): يا سلمان فهل تدري من أول من يبايعه على منبر رسول الله (صلى الله وعليه وآله) ؟ فقلت: لا إلا أني قد رأيته في ظلة بني ساعدة حين خصمت الأنصار، وكان أول من بايعه بشير بن سعد ثم أبو عبيدة بن الجراح ثم عمر بن الخطاب ثم سالم مولى أبي حذيفة [ ومعاذ بن جبل ].قال: لست أسألك عن هذا، ولكن تدري من أول من بايعه حين صعد منبر رسول الله (صلى الله وعليه وآله) ؟ قلت: لا ولكني رأيت شيخا كبيرا متوكئا على عصاه بين عينيه سجادة شديد التشمير وهو يبكي ويقول: الحمد لله الذي لم يمتني ولم يخرجني من الدنيا حتى رأيتك في هذا المكان أبسط يدك أبايعك، فبسط يده فبايعه ثم نزل فخرج من المسجد.فقال لي علي (عليه السلام): يا سلمان وهل تدري من هو؟ قلت: لا ولكني ساءتني مقالته كأنه شامت بموت رسول الله (صلى الله وعليه وآله)، قال علي إن ذلك إبليس لعنه الله، أخبرني رسول الله أن إبليس ورؤساء أصحابه شهدوا نصب رسول الله (صلى الله وعليه وآله) إياي بغدير خم بأمر الله تعالى، فأخبرهم أن يبلغ الشاهد الغائب، فأتاه أبالسة ومردة أصحابه فقالوا: إن هذه أمة مرحومة معصومة وما لنا ولا لك عليهم من سبيل، قد<=أبان بن عياش: الفهرست للطوسي 81. علموا إمامهم ومفزعهم بعد نبيهم، فانطلق إبليس كئيبا حزينا، فاخبرني رسول الله (صلى الله وعليه وآله) أن لو قد قبض إن الناس سيبايعون أبا بكر في ظلة بني ساعدة بعد أن تخاصمهم بحقك وحجتك، ثم يأتون المسجد فيكون أول من يبايعه على منبري إبليس في صورة شيخ كبير مستبشر يقول كذا وكذا، ثم تجتمع شياطينه وأبالسته فيخر ويكسع ثم يقول كذا زعمتم أن ليس لي عليهم سبيل فكيف رأيتموني صنعت بهم حين تركوا أمر من أمرهم الله بطاعته وأمرهم رسوله.فقال سلمان: فلما كان الليل حمل علي فاطمة على حمار وأخذ بيد ابنيه الحسن والحسين، فلم يدع أحدا من أهل بدر من المهاجرين ولا من الأنصار إلا أتى منزله وذكر حقه ودعاه إلى نصرته، فما استجاب له من جميعهم إلا أربعة وأربعون رجلا، فأمرهم أن يصبحوا بكرة محلقين رؤوسهم معهم سلاحهم وقد بايعوه على الموت، فأصبح ولم يوافه منهم أحد غير أربعة. قلت لسلمان: من الأربعة؟قال: أنا وأبو ذر والمقداد والزبير بن العوام. ثم أتاهم من الليلة الثانية فناشدهم الله فقالوا: نصحبك بكرة، فما منهم أحد وفى غيرنا، ثم الليلة الثالثة فما وفى أحد غيرنا، فلما رأى علي (عليه السلام) عذرهم وقلة وفائهم لزم بيته وأقبل على القرآن يؤلفه ويجمعه، فلم يخرج حتى جمعه كله فكتبه على تنزيله والناسخ والمنسوخ، فبعث إليه أبو بكر أن اخرج فبايع، فبعث إليه أني مشغول فقد آليت بيمين أن لا أرتدي برداء إلا للصلوات حتى أؤلف القرآن وأجمعه، فجمعه في ثوب وختمه ثم خرج إلى الناس وهم مجتمعون مع أبي بكر في مسجد رسول الله (صلى الله وعليه وآله) فنادى (عليه السلام) بأعلى صوته:أيها الناس إني لم أزل منذ قبض رسول الله (صلى الله وعليه وآله) مشغولا بغسله ثم بالقرآن حتى جمعته كله في هذا الثوب، فلم ينزل الله على نبيه آية من القرآن إلا وقد جمعتها كلها في هذا الثواب، وليست منه آية إلا وقد أقرأنيها رسول الله صلى عليه وآله وعلمني تأويلها.فقالوا: لا حاجة لنا به عندنا مثله. ثم دخل بيته فقال عمر لأبي بكر: أرسل إلى علي فليبايع فإنا لسنا في شئ حتى يبايع ولو قد بايع أمناه وغائلته. فأرسل أبو بكر رسولا أن أجب خليفة رسول الله (صلى الله وعليه وآله)، فأتاه الرسول فأخبره بذلك، فقال علي (عليه السلام): ما أسرع ما كذبتم على رسول الله (صلى الله وعليه وآله)، إنه ليعلم ويعلم الذين حوله أن الله ورسوله لم يستخلفا غيري، فذهب الرسول فأخبره بما قاله فقال: اذهب فقل أجب أمير المؤمنين أبا بكر، فأتاه فأخبره بذلك فقال علي (عليه السلام): سبحان الله والله ما طال العهد بالنبي مني وإنه ليعلم أن هذا الاسم لا يصلح إلا لي، وقد أمره رسول الله (صلى الله وعليه وآله) سابع سبعة فسلموا علي بإمرة المؤمنين، فاستفهمه هو وصاحبه عمر من بين السبعة فقالا: أمر من الله ورسوله؟فقال لهما رسول الله (صلى الله وعليه وآله): نعم حقا من الله ورسوله إنه أمير المؤمنين وسيد المسلمين وصاحب لواء الغر المحجلين، يقعده الله يوم القيامة على الصراط فيدخل أولياءه الجنة وأعداءه النار.قال: فانطلق الرسول إلى أبي بكر فأخبره بما قال، فكفوا عنه يومئذ، فلما كان الليل حمل فاطمة (عليه السلام) على حمار ثم دعاها إلى نصرته فما استجاب له رجل غيرنا أربعة، فإنا حلقنا رؤسنا وبذلنا نفوسنا ونصرتنا وكان علي بن أبي طالب (عليه السلام) لما رأى خذلان الناس له وتركهم نصرته واجتماع كلمة الناس مع أبي بكر وطاعتهم له وتعظيمهم له جلس في بيته، فقال عمر لأبي بكر:ما يمنعك أن تبعث إليه فيبايع، فإنه لم يبق أحد إلا وقد بايع غيره وغير هؤلاء الأربعة معه. وكان أبو بكر أرق الرجلين وأرفقهما وأدهاهما وأبعدهما غورا، والآخر أفظهما وأغلظهما وأخشنهما وأجفاهما. فقال: من نرسل إليه؟ فقال عمر:أرسل إليه قنفذا - وكان رجلا فظا غليظا جافيا من الطلقاء أحد بني تيم - فأرسله وأرسل معه أعوانا، فانطلق فاستأذن فأبي علي (عليه السلام) أن يأذن له، فرجع أصحاب قنفذ إلى أبي بكر وعمر وهما في المسجد والناس حولهما فقالوا: لم يأذن لنا. فقال عمر: هو إن أذن لكم وإلا فادخلوا عليه بغير إذنه، فانطلقوا فاستأذنوا فقالت فاطمة (عليه السلام) أحرج عليكم أن تدخلوا بيتي بغير إذن، فرجعوا وثبت قنفذ فقالوا: إن فاطمة قالت كذا وكذا فحرجتنا أن ندخل عليها البيت بغير إذن منها، فغضب عمر وقال:ما لنا وللنساء. ثم أمر أناسا حوله فحملوا حطبا وحمل معهم فجعلوه حول منزله وفيه علي وفاطمة وابناهما (عليهم السلام)، ثم نادى عمر حتى أسمع عليا (عليه السلام): والله لتخرجن ولتبايعن خليفة رسول الله أو لأضرمن عليك بيتك نارا، ثم رجع فقعد إلى أبي بكر وهو يخاف أن يخرج علي بسيفه لما قد عرف من بأسه وشدته. ثم قال لقنفذ: أن خرج وإلا فاقتحم عليه، فإن امتنع فاضرم عليهم بيتهم نارا.فانطلق قنفذ فاقتحم هو وأصحابه بغير إذن، وبادر علي إلى سيفه ليأخذه فسبقوه إليه فتناول بعض سيوفهم فكثروا عليه فظبطوه وألقوا في عنقه حبلا أسود، وحالت فاطمة (عليه السلام) بين زوجها وبينهم عند باب البيت فضربها قنقذ بالسوط على عضدها، فبقي أثره في عضدها من ذلك مثل الدملوج من ضرب قنفذ إياها، فأرسل أبو بكر إلى قنفذ اضربها فالجأها إلى عضادة باب بيتها، فدفعها فكسر ضلعا من جنبها وألقت جنينا من بطنها، فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت من ذلك شهيدة صلوات الله عليها.ثم انطلقوا بعلي (عليه السلام) ملببا بحبل حتى انتهوا به إلى أبي بكر وعمر قائم بالسيف على رأسه وخالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح وسالم والمغيرة بن شعبة وأسيد بن حصين وبشير بن سعد وسائر الناس قعود حول أبي بكر عليهم السلاح وهو يقول: أما والله لو وقع سيفي بيدي لعلمتم أنكم لن تصلوا إلي، هذا جزاء مني وبالله لا ألوم نفسي في جهد ولو كنت في أربعين رجلا لفرقت جماعتكم، فلعن الله قوما بايعوني ثم خذلوني، فانتهره عمر فقال: بايع. فقال: وإن لم أفعل؟قال: إذا نقتلك ذلا وضعارا. قال: إذن تقتلون عبد الله وأخا رسول الله (صلى الله وعليه وآله).فقال أبو بكر: أما عبد الله فنعم [ كلنا عبيد الله ] وأما أخو رسوله فلا نقر لك به.قال (عليه السلام): أتجحدون أن رسول الله (صلى الله وعليه وآله) آخى بين نفسه وبيني، فأعادوا عليه ذلك ثلاث مرات ثم أقبل علي (عليه السلام) فقال: يا معاشر المهاجرين والأنصار أنشدكم بالله أسمعتم رسول الله (صلى الله وعليه وآله) يقول يوم غدير خم كذا وكذا، وفي غزاة تبوك كذا وكذا، فلم يدع شيئا قاله فيه (عليه السلام) علانية للعامة إلا ذكره؟ فقالوا: اللهم نعم. فلما خاف أبو بكر أن ينصروه ويمنعوه بادرهم فقال: كل ما قتله قد سمعناه بآذاننا ووعته قلوبنا، ولكن سمعت رسول الله (صلى الله وعليه وآله) يقول بعد هذا: إنا أهل بيت اصطفانا الله وأكرمنا واختار لنا الآخرة على الدنيا، وإن الله لم يكن لجيمع لنا أهل البيت النبوة والخلافة.فقال علي (عليه السلام): أما أحد من أصحاب رسول الله (صلى الله وعليه وآله) شهد هذا معك؟ قال عمر: صدق خليفة رسول الله (صلى الله وعليه وآله) قد سمعنا منه هذا كما قال، وقال أبو عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل: صدق قد سمعنا ذلك من رسول الله (صلى الله وعليه وآله).فقال لهم: لشد ما وفيتم بصحيفتكم الملعونة التي تعاقدتم عليها في الكعبة:إن قتل الله محمدا أو أماته أن تزووا هذا الأمر عنا أهل البيت. فقال أبو بكر: وما علمك بذلك اطلعناك عليها؟ قال علي يا زبير ويا سلمان وأنت يا مقداد أذكركم بالله وبالاسلام أسمعتم رسول الله (صلى الله وعليه وآله) يقول ذلك إن فلانا وفلانا حتى عد هؤلاء الخمسة قد كتبوا بينهم كتابا وتعاهدوا وتعاقدوا على ما صنعوا؟ قالوا: اللهم نعم قد سمعناه يقول ذلك لك، فقلت له بأبي أنت وأمي يا نبي الله فما تأمرني أن أفعل إذا كان ذلك؟ فقال لك: إن وجدت عليهم أعوانا فجاهدهم ونابذهم، وإن لم تجد أعوانا فبايعهم واحقن دمك.فقال علي (عليه السلام): أما والله لو أن أولئك الأربعين رجلا الذين بايعوني ووفوا لجاهدتكم في الله ولله، لا أما والله لا ينالها أحد من عقبكم إلى يوم القيامة.ثم نادى قبل أن يبايع: " يا ﴿ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني﴾ " ثم تناول يد أبي بكر فبايعه، فقيل للزبير بايع الآن، فأبى فوثب عليه عمر وخالد ابن الوليد والمغيرة بن شعبة في أناس فانتزعوا سيفه من يده فضربوا به الأرض حتى كسر، فقال الزبير وعمر على صدوه: يا بن صهاك أما والله لو أن سيفي في يدي لحدت عني، ثم بايع.قال: سلمان: ثم أخذوني فوجأوا عنقي حتى تركوها مثل السلعة ثم فتلوا يدي، فبايعت مكرها، ثم بايع أبو ذر والمقداد مكرهين، وما من الأمة أحد بايع مكرها غير علي وأربعتنا.ولم يكن أحد منا أشد قولا من الزبير، فلما بايع قال: يا بن صهاك أما والله لولا هؤلاء الطلقاء الذين أعانوك ما كنت لتقدم علي ومعي السيف لما قد علمت من جبنك ولؤمك، ولكنك وجدت من تقوى بهم وتصول بهم، فغضب عمر فقال، أتذكر صهاك؟ فقال الزبير: ومن صهاك وما يمنعني من ذلك، وإنما كانت صهاك أمة حبشية لجدي عبد المطلب فزنا بها نفيل فولدت أباك الخطاب فوهبها عبد المطلب له بعد ما ولدته، فإنه لعبد جدي فولد زنى، فأصلح بينهما أبو بكر وكف كل منهما عن صاحبه.فقال سليم: فقلت يا سلمان بايعت أبا بكر ولم تقل شيئا؟ قال: قد قلت بعد ما بايعت: تبا لكم سائر الدهر، أو تدرون ماذا صنعتم بأناسكم، أصبتم وأخطأتم:أصبتم سنة الأولين، وأخطأتم سنة نبيكم حتى أخرجتموها من معدنها وأهلها. فقال لي عمر: أما إذا بايع صاحبك وبايعت فقل ما بدا لك وليقل ما بدا له.قال: قلت فإني أشهد أني سمعت رسول الله (صلى الله وعليه وآله) يقول: إن عليك وعلى صاحبك الذي بايعته مثل ذنوب أمته إلى يوم القيامة ومثل عذابهم. وقال: قل ما شئت أليس قد بايع ولم يقر الله عينك بأن يليها صاحبك. قال، قلت فإني أشهد أني قرأت في بعض كتب الله المنزلة آية باسمك ونسبك وصفتك باب من أبواب جهنم.قال: قل ما شئت أليس قد عزلها الله عن أهل البيت الذين قد اتخذتموهم أربابا.قال: قلت فأشهد أني سمعت رسول الله (صلى الله وعليه وآله) يقول وقد سألته عن هذه الآية " ﴿فيومئذ لا يعذب عذابه أحد. ولا يوثق وثاقه أحد﴾ " فقال: إنك أنت هو. فقال عمر اسكت: قال: قلت أسكت الله نأمتك أيها العبد يا بن اللخناء.فقال لي علي (عليه السلام) اسكت يا سلمان، فسكت فوالله لولا أنه أمرني بالسكوت لأخبرته بكل شئ نزل فيه وفي صاحبه، فلما رأى ذلك عمر أنه قد سكت قال: إنك له مطيع مسلم وإذا لم يقل أبو ذر والمقداد شيئا كما قال سلمان.قال عمر: يا سلمان ألا تكف عنا كما كف صاحباك، فوالله ما أنت بأشد حبا لأهل هذا البيت منهما ولا أشد تعظيما لهم ولحقهم، فقد كفا كما ترق وبايعا.فقال أبو ذر أفتعيرنا يا عمر بحب آل محمد وتعظيمهم، لعن الله من أبغضهم وابتز عليهم وظلمهم حقهم وحمل الناس على رقابهم ورد الناس على أدبارهم القهقري وقد فعل ذلك بهم.فقال عمر آمين فلعن الله من ظلمهم حقهم، لا والله ما لهم فيها حق وما هم وعرض الناس في هذا الأمر إلا سواء. قال أبو ذر: فلم خاصمتم بحقهم وحجتهم؟فقال علي (عليه السلام): يا بن صهاك فليس لنا حق وهو لك ولابن آكلة الذباب.فقال عمر: كف الآن يا أبا الحسن إذا بايعت، فإن العامة رضوا بصحابتي ولم يرضوا بك فما ذنبي. قال علي (عليه السلام) لكن الله ورسوله لم يرضيا إلا بي فابشر أنت وصاحبك ومن اتبعكما وآزركما بسخط من الله وعذابه وخزيه، ويلك يا بن الخطاب أو تدري مما خرجت وفيم دخلت وماذا جنيت على نفسك وعلى صاحبك، فقال أبو بكر:يا عمر أما إذا بايع وأمنا شره وفتكه وغائلته فدعه يقول ما شاء.فقال علي (عليه السلام): لست بقائل غير شئ واحد، أذكركم بالله أيها الأربعة - يعنيني والزبير وأبا ذر والمقداد - أسمعتم رسول الله يقول إن تابوتا من نار فيه اثنا عشر رجلا ستة من الأولين وستة من الآخرين في جب في قعر جهنم في تابوت مقفل على ذلك الجب صخرة إذا أراد الله أن يسعر نار جهنم كشف تلك الصخرة عن ذلك الجب فاستعاذت جهنم من وهج ذلك الجب، فسألناه عنهم وأنتم شهود؟ فقال (صلى الله وعليه وآله): أما الأولون فابن آدم الذي قتل أخاه، وفرعون الفراعنة نمرود، والذي حاج إبراهيم في ربه، ورجلان من بني إسرائيل بدلا كتابهم وغير أسنتهم، أما أحدهما فهود اليهود والآخر نصر النصارى، وإبليس سادسهم، والدجال في الآخرين، وهؤلاء الخمسة أصحاب الصحيفة الذين تعاهدوا وتعاقدوا على عداوتك يا أخي والتظاهر عليك بعدي هذا وهذا وهذا حتى عدهم وسماهم.قال سلمان: فقلنا صدقت نشهد أنا سمعنا ذلك من رسول الله (صلى الله وعليه وآله) فقال عثمان:يا أبا الحسن أما عندك وعند أصحابك هؤلاء في حديث؟ فقال: بلى قد سمعت رسول الله (صلى الله وعليه وآله) يلعنك ثم لم يستغفر الله لك مذ لعنك فغضب عثمان فقال، ما لي ولك أما تدعني على حالي على عهد رسول الله ولا بعده. فقال الزبير: نعم فأرغم الله أنفك. فقال عثمان، فوالله لقد سمعت رسول الله (صلى الله وعليه وآله) يقول: إن الزبير يقتل مرتدا عن الإسلام، قال سلمان: فقال لي علي (عليه السلام) فيما بيني وبينه صدق عثمان، وذلك أنه يبايعني بعد قتل عثمان ثم ينكث بيعتي فيقتل مرتدا عن الإسلام.قال سليم: ثم أقبل علي سلمان فقال، إن القوم ارتدوا بعد رسول الله (صلى الله وعليه وآله) إلا من عصمه الله بآل محمد، إن الناس بعد رسول الله (صلى الله وعليه وآله) بمنزلة هارون من موسى ومن تبعه وبمنزلة العجل ومن تبعه، فعلي في سنة هارون وعتيق في سنة السامري، وسمعت رسول الله (صلى الله وعليه وآله) يقول " لتركبن أمتي سنة بني إسرائيل حذو القذة بالقذة وحذو النعل بالنعل شبرا بشبر وذراعا بذراع وباعا بباع ".
[الاحتجاج] · موسوعة الغيبة والظهور