وكأنه يتصوّر أنّ العبودية تنحصر في القيام والقعود لأداء الصلاة، والإمساك للصوم، ولكنّه غفل عن أنّ ركناً من العبودية يرجع إلى العقل والقلب، وأقل وظيفته الإيمان بالغيب وما فيه.
فإذا أمكن له استشعار الغيب وما فيه من المعارف عن طريق الإمعان في الكتاب والسنة، والأقيسة العقليّة، فقد قام بوظيفة الربوبية.
وهذا يعرِب عن أنّ كلتا الطائفتين تائهتان، وتسيران في وادٍ مُظْلِم، فالأولى تؤدّي إلى التجسيم والتشبيه، والثانية إلى تعطيل وإيصاد باب المعرفة في وجه الإنسان.
فلو كان التفكّر العقلي في المعارف الإلهيّة أمراً ممنوعاً، وكانت الوظيفة منحصرة في القراءة والمرور، كما يقوله ابن قدامة المقدسي: (وعلى هذا درج السلف والخلف، فهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات، لما ورد من الصفات في كتاب اللّه وسنّة رسوله من غير تعرّض لتأويله» فما بال القرآن يثير فى الإنسان التفكّر في المعارف، ويأخذ بيده للوصول إلى غايتها الممكنة، ويقول: «لَوْ كَانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا قَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)) (الأنبياء / ٢٢).
وقال سبحانه:
«مَا أنَّخَذَ ٱللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهِ إذاً لذَهَبَ كُلُّ إلهِ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ قَشُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ)) (المؤمنون / ٩١).
وقال سبحانه:
«أَمِ أتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةَ قُلْ هَا تُوأْبُرْها نَكُمْ هَدَا ذِكْرُ مَنْ مَعِي وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بِلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ)) (الأنبياء / ٢٤).
الأحتجاج