قارن بين الكتابين، ثمّ اقض أيّهما ألصق بمقام الوحي والنبوّة، وأيهما أليق بتعريف التوحيد للعالم.
إنّ كشف الحقائق ورفع الحجب عنها يتمّ بأمور ثلاثة، دعا إليها الكتاب العزيز وقال: «أُدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَخسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ» (النحل / ١٢٥).
والمراد من الحكمة - واللّه العالم - الحجّة التي تنتج الحقّ الذي لا مرية فيه ولا وهن ولا إبهام والقرآن ملىء بها، خصوصاً فى مجال التنديد بالوثنيّة، ودحض الشرك، وقد تعرّفت على بعض الآيات في صدر المقال.
توحيد ابن خزيمة: ١١٠.
تقديم _ الاحتجاج / ج ١ والموعظة، هو البيان الذي تلين به النفس، ويرقّ له القلب، لما فيه صلاح حال السامع.
والجدل هو الحجّة التي تستعمل لإفحام الخصم، عن طريق مسلّماته، أو مسلّمات الناس، فلعل الآية إشارة إلى ما يذكره أهل المنطق بالبرهان والخطابة والجدل.
غير أنّ القرآن يقيّد العظة والجدل بالتي هي أحسن، مشيراً إلى أنّهما على قسمين، ثم إنّ مبدأ الكلام لو كان هو القسم الأوّل، فيقسَّمُ بالبرهان، وإن كان هو القسم الثاني، فتوصف بالخطابة، وإن كان الثالث، فبالجدل.
والاحتجاج مَقْسمٌ له أقسامه الثلاثة الماضية، وبعد دعوة القرآن الكريم إلى الاحتجاج بالطرق الثلاثة لا يبقى شك في مشروعيّة الاحتجاج في باب المعارف، سواء كان الهدف إقناع النفس وهدايتها، أو إقناع الغير.
الأحتجاج