⟨ابْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُصَدِّقِ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ عَمَّارٍ السَّابَاطِيِّ⟩
قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عو أما الثانية فقال الطبرسي (رحمه الله): و لا أعلم الغيب الذي يختص الله بعلمه و إنما أعلم قدر ما يعلمني الله من أمر البعث و النشور و الجنة و النار و غير ذلك" ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلّٰا مٰا يُوحىٰ إِلَيَّ﴾*" يريد ما أخبركم إلا بما أنزل الله إلى.و قال في الثالثة: معناه و عنده خزائن الغيب الذي فيه علم العذاب المستعجل و غير ذلك لا يعلمها أحد إلا هو أو من أعلمه به و علمه إياه، و قيل: معناه و عنده مقدورات الغيب يفتح بها ﴿على من يشاء من عباده﴾ بإعلامه به و تعليمه إياه و تيسيره السبيل إليه، و نصب الأدلة له و يغلق عمن يشاء و لا ينصب الأدلة.و قال في الرابعة: معناه و لله علم ما غاب في السماوات و الأرض، لا يخفى عليه شيء منه، ثم قال: وجدت بعض المشايخ ممن يتسم بالعدل و التشيع قد ظلم الشيعة الإمامية في هذا الموضع من تفسيره، فقال: هذا يدل على أن الله تعالى يختص بعلم الغيب خلافا لما تقوله الرافضة أن الأئمة (عليهم السلام) يعلمون الغيب و لا نعلم أحدا منهم استجاز الوصف بعلم الغيب لأحد من الخلق، و إنما يستحق الوصف بذلك من يعلم جميع المعلومات لا بعلم مستفاد، و هذا صفة القديم سبحانه، العالم لذاته، لا يشركه فيه أحد من المخلوقين، و من اعتقد أن غير الله سبحانه يشركه في هذه الصفة فهو خارج عن ملة الإسلام.و أما ما نقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) و رواه عنه الخاص و العام من الأخبار بالغائبات في خطب الملاحم و غيرها، كإخباره عن صاحب الزنج و عن ولاية مروان بن الحكم و أولاده، و ما نقل من هذا الفن عن أئمة الهدى (عليهم السلام) فإن جميع ذلك متلقى من النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) مما أطلعه الله عليه فلا معنى لنسبة من روى عنهم هذه الأخبار المشهورة إلى أنه يعتقد كونهم عالمين بالغيب، و هل هذا إلا سب قبيح و تضليل لهم بل تكفير، و لا يرتضيه من هو بالمذاهب خبير، و الله يحكم بينه و إليه المصير.و قال (ره) في قوله تعالى:" ﴿إِنَّ اللّٰهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّٰاعَةِ﴾" أي استأثر الله سبحانه به عَنِ الْإِمَامِ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَقَالَ لَا وَ لَكِنْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ الشَّيْءَ أَعْلَمَهُ اللَّهُ ذَلِكَو لم يطلع عليه أحدا من خلقه" وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ" فيما يشاء من زمان و مكان" وَ يَعْلَمُ مٰا فِي الْأَرْحٰامِ" ذكر أم أنثى، صحيح أم سقيم، واحد أم أكثر" وَ مٰا تَدْرِي نَفْسٌ مٰا ذٰا تَكْسِبُ غَداً" أي ما ذا تعمل في المستقبل" وَ مٰا ﴿تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾" أي في أي أرض يكون موته، و قد روي عن أئمة الهدى (عليهم السلام) أن هذه الأشياء الخمسة لا يعلمها على التفصيل و التحقيق غيره تعالى، انتهى كلامه رفع الله مقامه.و الحاصل أن مقتضى الجمع بين الآيات و الأخبار حملها على أن نفي الغيب عنهم معناه أنهم لا يعلمون ذلك من أنفسهم بغير تعليمه تعالى بوحي أو إلهام، و إلا فظاهر أن عمدة معجزات الأنبياء و الأوصياء (عليهم السلام) من هذا القبيل، و أحد وجوه إعجاز القرآن أيضا الأخبار بالغائبات، و نحن أيضا نعلم كثيرا من المغيبات بأخبار الله تعالى و رسوله و أئمة الهدى (عليهم السلام)، كالقيامة و أحوالها، و الجنة و النار، و الرجعة و قيام القائم (عليه السلام) و نزول عيسى (عليه السلام) و غير ذلك من أشراط الساعة، و العرش و الكرسي و الملائكة.و أما الخمسة التي وردت في الآية فتحتمل وجوها:الأول: أن يكون المراد أن تلك الأمور لا يعلمها على التعيين و الخصوص إلا الله تعالى، فإنهم (عليهم السلام) إذا أخبروا بموت شخص في اليوم الفلاني فيمكن أن لا يعلموا خصوص الدقيقة التي تفارق الروح و الجسد مثلا، و يحتمل أن يكون ملك الموت أيضا لا يعلم ذلك.الثاني: أن يكون العلم الحتمي بها مختصا به تعالى، و كلما أخبر الله من ذلك كان محتملا للبداء.الثالث: أن يكون المراد عدم علم غيره تعالى بها إلا من قبله، فيكون كسائر الغيوب، و يكون التخصيص بها لظهور الأمر فيها أو لغيره من الوجوه.الرابع: أن الله تعالى لم يطلع على تلك الأمور كلية أحدا من الخلق على وجه لا بداء فيه، بل يرسل حتمها على وجه الحتم في زمان قريب من حصولها كليلة القدر
[مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول] · موسوعة الغيبة والظهور