الأقسامالإمام المهدي عليه السلام والرجعةالغيبة والانتظار
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول · رقم ٤٥

و عن ابن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام)

قال: من أقر بدين الله فهو مسلم، و من عمل بما أمر الله فهو مؤمن.ثم ذكر بعض الأخبار التي مضت في معنى الإيمان و صفات المؤمن، ثم قال (قدس سره): و ورد أيضا في عدة أخبار تعليق تحريم الغيبة على أمور زائدة على مجرد اعتقاد الحق، منها: حديث ابن أبي يعفور المتضمن لبيان معنى العدالة التي تقبل معها شهادة الشاهد، و هو طويل مذكور في مواضع كثيرة من كتب أصحابنا.و منها: ما رواه الكليني بإسناده السابق عن ابن خالد عن عثمان بن عيسى عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من عامل الناس فلم يظلمهم و حدثهم فلم يكذبهم و وعدهم فلم يخلفهم، كان ممن حرمت غيبته و كملت مروته، و ظهر عدله، و وجبت إخوته.و بملاحظة هذه الأخبار يظهر أن المنع من غيبة الناس كما يميل إليه كلام الشهيد الأول في قواعده، و الثاني في رسالته ليس بمتجه فإن دلالتها على اختصاص الحكم بغيره أظهر من أن يبين.و أما ما أورده الوالد (قدس سره) في رسالته من الأخبار التي يظهر منها عموم المنع كلها من أخبار العامة فلا تصلح لإثبات حكم شرعي، و عذره في إيرادها أنه إنما ذكرها في سياق الترهيب و شأنهم التسامح في مثله، و قد سبقه إلى ذكره على النهج الذي سلكه بعض العامة يعني الغزالي، فسهل عليه إيرادها و إلا فهي غير مستحقة لتعب تحصيلها و جمعها، و خصوصا مع وجود الداعي لهم إلى اختلاف مثلها..........فإن كثرة عيوب أئمتهم و نقائص رؤسائهم يحوج إلى سد باب إظهارها بكل وجه ليروج حالهم و يأمنوا نفرة الرعية منهم، و أعراض الناس عنهم.و بالجملة فكما أن في التعرض لإظهار عيوب الناس خطرا و محذورا فكذا في حسم مادته و سد بابه، فإنه مغر لأهل النقائص و مرتكبي المعاصي بما هم عليه، فلا بد من تخصيص الغيبة بمواضع معينة يساعدها الاعتبار و توافق مدلول الأخبار و في استثنائهم للأمور المشهورة التي نصوا على جوازها و هي بصورة الغيبة، شهادة واضحة بما قلناه، فإن مأخذه الاعتبار، فهو قابل للزيادة و النقصان بحسب اختلاف الأفكار.و للسيد الإمام السعيد ضياء الدين بن أبي الرضا فضل الله بن علي الحسني في شرحه لكتاب الشهاب المتضمن للأخبار المروية عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في الحكم و الآداب كلام جيد في تفسير قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): ليس لفاسق غيبة، كلام يساعد على ما ذكرناه، حيث قال: إن الغيبة ذكر الغائب بما فيه من غير حاجة إلى ذكره، ثم قال: فأما إذا كان من يغتاب فاسقا فإنه ليس ما يذكر به غيبة، و إنما يسمى ما يذكر به في غيبته غيبة إذا كان تائبا نادما، فأما إذا كان مصرا عليه فإنها ليست بغيبة كيف و هو يرتكب ما يغتاب فيه جهارا.و في أخبارنا و كلام بعض أهل اللغة ما يشهد له كقول الجوهري: خلف إنسان مستور، و كما في رواية الأزرق مما لا يعرفه الناس، و رواية ابن سيابة: ما ستر الله عليه.و الحاصل أن الاعتبار يقتضي اختصاص الحكم بالمستور الذي لا يترتب على معصيته أثر في غيره، و يحتمل حالهم عدم الإصرار عليها إن كانت صغيرة، و التوبة منها إن كانت كبيرة، أو يرتجى له ذلك قبل ظهورها عنه و اشتهاره بها، و لا يكون في..........ذكرها صلاح له كما إذا قصد تقريعه و ظن انزجاره، و كان القصد خالصا من الشوائب و الأدلة لا تنافي هذا فلا وجه للتوقف فيه، و إذا علم حكم غير المؤمن في الغيبة فالحال في نحوها من النميمة و سوء الظن أظهر، فإن محذور النميمة هو كونها مظنة للتباعد و التباغض، و ذلك في غير المؤمن تحصيل للحاصل، و قريب منه الكلام في سوء الظن.ثم ذكرت أنه هل يفرق في ذلك بين ما يتضمن القذف و ما لا يتضمنه؟و الجواب أن القذف مستثنى من البين، و له أحكام خاصة مقررة في محلها من كتب الفقه.و ذكرت أن الرواية التي حكاها الوالد في الرسالة من كلام عيسى (عليه السلام) مع الحواريين في شأن جيفة الكلب، حيث قالوا: ما أنتن جيفة هذا الكلب؟ فقال (عليه السلام): ما أشد بياض أسنانه، تدل على تحريم غيبة الحيوانات أيضا، و سألت عن وجه الفرق بينها و بين الجمادات؟ مع أن تعليل الحكم بأنه لا ينبغي أن يذكر من خلق الله إلا الحسن يقتضي عدم الفرق؟ و الجواب أنه ليس المقتضي لكلام عيسى (عليه السلام) كون كلام الحواريين غيبة، بل الوجه أن نتن الجيفة و نحوها مما لا يلائم الطباع غير مستند إلى فعل من يحسن إنكار فعله، و كلام الحواريين ظاهر في الإنكار كما لا يخفى، فكان عيسى (عليه السلام) نظر إلى أن الأمور الملائمة و غيرها مما هو من هذا القبيل كلها من فعل الله تعالى على مقتضى حكمته و قد أمر بالشكر على الأولى و الصبر على الثانية.و في إظهار الحواريين لإنكار نتن الرائحة دلالة على عدم الصبر أو الغفلة عن حقيقة الأمر، فصرفهم عنه إلى أمر يلائم طباعهم و هو شدة بياض أسنان الكلب و جعله مقابلا للأمر الذي لا يلائم، و شاغلا لهم، و هذا معنى لطيف تبين لي من الكلام،..........فإن صحت الرواية فهي منزلة عليه، و لكنها من جملة الروايات المحكية من كتب العامة، انتهى.و قال الشهيد رفع الله درجته في قواعده: الغيبة محرمة بنص الكتاب العزيز و الأخبار، و هي قسمان: ظاهر و هو معلوم، و خفي و هو كثير كما في التعريض مثل أنا لا أحضر مجلس الحكام، أنا لا آكل أموال الأيتام أو فلان، و يشير بذلك إلى من يفعل ذلك، أو الحمد لله الذي نزهنا من كذا، يأتي به في معرض الشكر، و من الخفي الإيماء و الإشارة إلى نقص في الغير و إن كان حاضرا، و منه و لو فعل كذا كان خيرا، و لو لم يفعل كذا لكان حسنا، و منه التنقص بمستحق الغيبة لينبه به على عيوب آخر غير مستحق للغيبة.أما ما يخطر في النفس من نقائص الغير فلا يعد غيبة، لأن الله تعالى عفا عن حديث النفس. و من الأخفى أن يذم نفسه بطرائق غير محمودة فيه، أو ليس متصفا بها لينبه على عورات غيره، و قد جوزت صورة الغيبة في مواضع سبعة:الأول: أن يكون المقول فيه مستحقا لذلك لتظاهره بسببه كالكافر و الفاسق و أوجب التعزير بقذفه بذلك الفسق، و قد روى الأصحاب تجويز ذلك، قال العامة:حديث لا غيبة لفاسق أو في فاسق لا أصل له، قلت: و لو صح أمكن حمله على النهي أي خبر يراد به النهي، أما من يتفكه بالفسق و يتبجج به في شعره أو كلامه فيجوز حكاية كلامه.الثاني: شكاية المتظلم بصورة ظلمه.الثالث: النصيحة للمستشير.الرابع: الجرح و التعديل للشاهد و الراوي.الخامس: ذكر المبتدعة و تصانيفهم الفاسدة و آرائهم المضلة و ليقتصر على ذلك [الحديث 2]2 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ مَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا رَأَتْهُ عَيْنَاهُ وَ سَمِعَتْهُ أُذُنَاهُ فَهُوَ مِنَ الَّذِينَالقدر قال العامة: من مات منهم و لا شيعة له تعظمه و لا خلف كتبا تقرأ و لا ما يخشى إفساده لغيره فالأولى أن يستر بستر الله عز و جل، و لا يذكر له عيب البتة، و حسابه على الله عز و جل، و قال علي (عليه السلام): اذكروا محاسن موتاكم، و في خبر آخر: لا تقولوا في موتاكم إلا خيرا.السادس: لو اطلع العدد الذين يثبت بهم الحد أو التعزير على فاحشة جاز ذكرها عند الحكام بصورة الشهادة في حضرة الفاعل و غيبته.السابع: قيل: إذا علم اثنان من رجل معصية شاهداها فأجرى أحدهما ذكرها في غيبة ذلك العاصي جاز لأنه لا يؤثر عند السامع شيئا، و الأولى التنزه عن هذا لأنه ذكر له بما يكره لو كان حاضرا و لأنه ربما ذكر أحدهما صاحبه بعد نسيانه أو كان سببا لاشتهارها.و قال الشيخ البهائي روح الله روحه: و قد جوزت الغيبة في عشرة مواضع:الشهادة، و النهي عن المنكر، و شكاية المتظلم، و نصح المستشير، و جرح الشاهد و الراوي و تفضيل بعض العلماء و الصناع على بعض، و غيبة المتظاهر بالفسق الغير المستنكف على قول و ذكر المشتهر بوصف مميز له كالأعور و الأعرج مع عدم قصد الاحتقار و الذم و ذكره عند من يعرفه بذلك بشرط عدم سماع غيره على قول، و التنبيه على الخطإ في المسائل العلمية و نحوها بقصد أن لا يتبعه أحد فيها.و أقول: إنما أطنبت الكلام فيها لكثرة الحاجة إلى تحقيقها و وقوع الإفراط و التفريط من العلماء فيه، و الله الموفق للخير و الصواب. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- ﴿‏إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفٰاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ‏﴾[الحديث 3]3 الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ سِرْحَانَ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنِ الْغِيبَةِ قَالَ هُوَ أَنْ تَقُولَ لِأَخِيكَ فِي" ﴿‏إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفٰاحِشَةُ‏﴾" قال الطبرسي (ره): أي يفشوا و يظهروا الزنا و القبائح" فِي الَّذِينَ آمَنُوا" بأن ينسبوها إليهم و يقذفوهم بها" ﴿‏لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيٰا‏﴾" بإقامة الحد عليهم" وَ الْآخِرَةِ" و هو عذاب النار.أقول: و الغرض أن مورد الآية ليس هو البهتان فقط، بل يشمل ما إذا رآها و سمعها فإنه يلزمه الحد و التعزير، إلا أن يكون بعنوان الشهادة عند الحاكم لإقامة حدود الله، و ثبت عنده كما مر، و إنما قال: من الذين، لأن الآية تشمل البهتان و ذكر عيبه في حضوره، و من أحب شيوعه و إن لم يذكر و من سمعه و رضي به و الوعيد بالعذاب في الجميع.الحديث الثالث: ضعيف على المشهور معتبر عندي و سرحان بكسر السين." هو أن تقول" الضمير للغيبة و تذكيره بتأويل الاغتياب أو باعتبار الخبر مع أنه مصدر" لأخيك في دينه" الظرف إما صفة لأخيك، أي الأخ الذي كانت أخوته بسبب دينه فيكون للاحتراز عن غيبة الكافر و المخالف كما مر، أو متعلق بالقول أي كان ذلك القول طعنا في دينه بنسبة كفر أو معصية إليه، و يدل على أن الغيبة تشمل البهتان أيضا، و كان هذا اصطلاح آخر للغيبة، و على الأول يحتمل أن يكون المراد بما لم يفعل العيب الذي لم يكن باختياره، و فعله الله فيه كالعيوب البدنية فيخص بما إذا كان مستورا فالأول لذكر العيوب و الثاني لذكر المعاصي، فلا يكون اصطلاحا آخر و هذا وجه حسن. دِينِهِ مَا لَمْ يَفْعَلْ وَ تَبُثَّ عَلَيْهِ أَمْراً قَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ فِيهِ حَدٌّ[الحديث 4]4 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ هَارُونَ بْنِ الْجَهْمِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ سُئِلَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مَا كَفَّارَةُ الِاغْتِيَابِ قَالَ تَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِمَنِ اغْتَبْتَهُ كُلَّمَا ذَكَرْتَهُو ربما يحمل الدين على الوجه الثاني على الذل و هو أحد معانيه و في على التعليل، أي تقول فيه لا ذلا له ما لم يفعله و لم يكن باختياره كالأمراض و الفقر و أشباههما." لم يقم" على بناء المفعول من الأفعال أي لم يقم الحاكم الشرعي عليه حدا أو لم يقمه الله عليه، أي لم يقرر عليه حدا في الكتاب و السنة، أو على بناء الفاعل من باب نصر و ضمير عليه راجع إلى الأخ، و ضمير فيه إلى الأمر، و الجملة صفة بعد صفة أو حال بعد حال للأمر.و يدل على أن ذكر الأمر المشهور من الذنوب ليس بغيبة، و لا ريب فيه مع إصراره عليه، و أما بعد توبته ذكره عند من لا يعلمه مشكل، و الأحوط الترك و كذا بعد إقامة الحد عليه ينبغي ترك ذكره بذلك مع التوبة بل بدونها أيضا، فإن الحد بمنزلة التوبة، و قد روي النهي عن ذكره بسوء معللا بذلك، و حمله على الشهادة لإقامة الحد كما زعم بعيد." كلما ذكرته" أي الرجل بالغيبة أو كفارة غيبة واحدة أن تستغفر له كلما ذكرت من اغتبته، أو كل وقت ذكرت الاغتياب، و في بعض النسخ: كما ذكرته و حمل على أن ذلك بعد التوبة و ظاهره عدم وجوب الاستحلال ممن اغتابه، و به قال جماعة بل منعوا منه، و لا ريب أن الاستحلال منه أولى و أحوط إذا لم يصر سببا لمزيد إهانته و لإثارة فتنة لا سيما إذا بلغه ذلك...........و يمكن حمل هذا الخبر على ما إذا لم يبلغه و به يجمع بين الأخبار، و يؤيده ما روي في مصباح الشريعة عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: فإن اغتيب فبلغ المغتاب فلم يبق إلا أن تستحل منه و إن لم يبلغه و لم يلحقه علم ذلك فاستغفر الله له.

[مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول] · موسوعة الغيبة والظهور

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.