⟨مَذْمُوماً عِنْدَ النَّاسِ إِذَا كُنْتَ مَحْمُوداً عِنْدَ اللَّهِ ثُمَّ⟩
قَالَ قَالَ أَبِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عالمعاشرة، و اختلف العلماء في ذلك، و الآيات و الأخبار أيضا متعارضة فمن قال العزلة أحسن نظر إلى آفات المعاشرة من الحسد و العداوة و البغضاء و الغيبة و النميمة و الرياء و حب الدنيا و عدم فراغ القلب للذكر و الفكر و تضييع العمر، و عدم الانتفاع بمعاشرة أكثر الخلق و أشباه ذلك، و من قال المعاشرة أفضل نظر إلى فوائد المعاشرة من التعليم و التعلم و الاهتداء بسيرة العلماء و أخلاقهم، و تحصيل المثوبات العظيمة من زيارة الإخوان و عيادتهم و تشييع جنائزهم و السعي في قضاء حوائجهم و هداية الخلق و إحياء مراسم الدين و الحضور في الجماعات و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و أمثال ذلك، و كل ذلك يفوت بالعزلة.فالحق القول بالتفصيل في الأشغال و الأحوال و الأزمان و الأشخاص فالعزلة المطلوبة عن شرار الخلق إذا يئس عن هدايتهم كما قال إبراهيم (عليه السلام) عند اليأس عن هدايتهم:" وَ أَعْتَزِلُكُمْ وَ ﴿مٰا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ﴾" لا العزلة التامة بحيث يترك الأمور الواجبة كالتعليم و التعلم و حضور الجمعات و الجماعات و سائر ما أشرنا إليه سابقا، و المعاشرة إنما تكون مطلوبة إذا كانت متضمنة لمنفعة دينية خالية عن المفاسد المذكورة و غيرها.و أيضا ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فالعلماء و الفقهاء إذا اعتزلوا صار سببا لضلالة الخلق و حيرتهم و استيلاء شياطين الجن و الإنس عليهم، و كثير من سائر الخلق لا ضرورة في معاشرتهم.و أيضا الأزمنة مختلفة، فقد ورد في الخبر: سيأتي على الناس زمان لا ينجو فيه إلا النومة كما أن سيد الساجدين (صلوات الله عليه) اعتزل الخلق لفساد الزمان و استيلاء بني أمية على الخلق و الباقر و الصادق (عليهما السلام) عملا بخلاف ذلك لتمكنهم من لَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ إِلَّا لِرَجُلَيْنِ رَجُلٍ يَزْدَادُ كُلَّ يَوْمٍ خَيْراً وَ رَجُلٍ يَتَدَارَكُ مَنِيَّتَهُ بِالتَّوْبَةِ وَ أَنَّى لَهُ بِالتَّوْبَةِ وَ اللَّهِ لَوْ سَجَدَ حَتَّى يَنْقَطِعَ عُنُقُهُ مَا قَبِلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مِنْهُ إِلَّا بِوَلَايَتِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ أَلَا وَ مَنْ عَرَفَ حَقَّنَا وَ رَجَا الثَّوَابَ فِينَا وَ رَضِيَ بِقُوتِهِ نِصْفِ مُدٍّ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَ مَا سَتَرَ عَوْرَتَهُ وَ مَا أَكَنَّ رَأْسَهُ وَ هُمْ وَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ خَائِفُونَ وَجِلُونَهداية الخلق.و بالجملة ينبغي أن يكون الإنسان طبيب نفسه، فإنه أعرف بأدوائها و عارفا بزمانه و أهله، فإذا عرف أن صلاحه في العزلة اعتزل اعتزالا لا يضر بحاله، و إذا علم أن صلاحه في المعاشرة اختارها على وجه لا يضر بنياته و أعماله و ينبغي أن ينظر في أحوال أهل زمانه فيختار للأخوة و المصاحبة من كان مصلحا لأحواله و لا يكون مضيعا لعمره كما سيأتي تحقيقه في كتاب العشرة إن شاء الله، و قد بسطنا الكلام في ذلك بعض البسط في كتاب عين الحياة و الله الموفق.و أما هذا الخبر فالظاهر أن الراوي و هو حفص بن غياث لما كان عاميا قاضيا من قبل هارون طالبا للشهرة عند الولاة و خلفاء الجور، و لذا عدل عن الحق و اتبع أهل الضلال، و كان المناسب بحاله ترك الشهرة و الاعتزال أمره (عليه السلام) بذلك." لا خير في العيش" أي عيش الدنيا و يحتمل الأعم من عيش الدنيا و الآخرة و المراد بالرجل الأول من لم يذنب أصلا أو إلا نادرا و بالثاني من يبتلي بالمعاصي ثم يتوب و هو المفتن التواب كما مر.ثم بين (عليه السلام) إن قبول التوبة مشروط بحسن الاعتقاد لئلا يغتر السامع بذلك فإنه كان من أهل الضلال، و ألا بالتخفيف حرف تنبيه" و رجا الثواب" كان خبر الموصول مقدر و قيل: استفهام للتقليل" و نصف" مجرور بالبدلية" لقوته" أو منصوب بالحالية أو تميز مثل قولهم: رضيت بالله ربا، و" في كل يوم" صفة نصف مد،" و ما ستر" عطف على قوته و الواو في قوله و هم للحالية، و قيل: للاستئناف، و الضمير في قوله: و هم راجع إلى أصحاب الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) الذين لم يرتدوا بعده و هو بعيد، وَدُّوا أَنَّهُ حَظُّهُمْ مِنَ الدُّنْيَا وَ كَذَلِكَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَالَ- وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ مٰا آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ ﴿وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلىٰ رَبِّهِمْ رٰاجِعُونَ﴾ثُمَّ قَالَ مَا الَّذِي آتَوْا آتَوْا وَ اللَّهِ مَعَ الطَّاعَةِ الْمَحَبَّةَ وَ الْوَلَايَةَ وَ هُمْ فِي ذَلِكَ خَائِفُونَ لَيْسَ خَوْفُهُمْ خَوْفَ شَكٍّ وَ لَكِنَّهُمْ خَافُوا أَنْ يَكُونُوا مُقَصِّرِينَ فِي مَحَبَّتِنَا وَ طَاعَتِنَا[الحديث 16]16 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مِهْزَمٍ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ دَخَلَ قَوْمٌ فَوَعَظَهُمْ ثُمَّ قَالَ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَ قَدْ عَايَنَ الْجَنَّةَ وَ مَا فِيهَا وَ عَايَنَ النَّارَ وَ مَا فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَ بِالْكِتَابِو الجمع بين الخوف و الوجل للإشارة إلى الآيات الواردة في ذلك." ودوا أنه حظهم" أي هم راضون بما قدر لهم من الدنيا لا يريدون أكثر من ذلك لئلا يطغوا" وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ مٰا آتَوْا" قال في مجمع البيان: أي يعطون ما أعطوا من الزكاة و الصدقة و قيل: أعمال البر كلها" وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ" أي خائفة عن قتادة، و قال الحسن: المؤمن جمع إحسانا و شفقة، و المنافق جمع إساءة و أمتا، و قال أبو عبد الله (عليه السلام): معناه خائفة أن لا يقبل منهم، و في رواية أخرى يؤتى ما آتى و هو خائف راج، و قيل: إن في الكلام حذفا و إضمارا، و تأويله وجلة أن لا يقبل منهم لعلمهم أنهم إلى ربهم راجعون، أي لأنهم يوقنون بأنهم يرجعون إلى الله تعالى يخافون أن لا يقبل منهم، و إنما يخافون ذلك لأنهم لا يأمنون التفريط.الحديث السادس عشر: مجهول بالحكم و هو غير مذكور في كتب الرجال و إبراهيم الراوي عنه من أصحاب الصادق (عليه السلام) و الكاظم (عليه السلام) فالمروي عنه في الخبر يحتمل الصادق و الباقر (عليهما السلام) و احتمال الكاظم (عليه السلام) بعيد، و المعنى أن في القرآن المجيد أحوال الجنة و درجاتها و ما فيها و أوصاف النار و دركاتها و ما فيها، و الله سبحانه أصدق الصادقين، فمن صدق بالكتاب كان كمن عاينهما و ما فيهما و من عاينهما ترك المعصية قطعا فمن ادعى التصديق بالكتاب و عصى ربه فهو كاذب في دعواه، و تصديقه ليس في درجة اليقين. [الحديث 17]17 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ سَمَاعَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ (عليه السلام) يَقُولُ لَا تَسْتَكْثِرُوا كَثِيرَ الْخَيْرِ وَ تَسْتَقِلُّوا قَلِيلَ الذُّنُوبِ فَإِنَّ قَلِيلَ الذُّنُوبِ يَجْتَمِعُ حَتَّى يَصِيرَ كَثِيراً وَ خَافُوا اللَّهَ فِي السِّرِّ حَتَّى تُعْطُوا مِنْ أَنْفُسِكُمُ النَّصَفَ وَ سَارِعُوا إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَ اصْدُقُوا الْحَدِيثَ وَ أَدُّوا الْأَمَانَةَ فَإِنَّمَا ذَلِكَ لَكُمْ وَ لَا تَدْخُلُوا فِيمَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ فَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَيْكُمْ[الحديث 18]18 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ مَا أَحْسَنَ الْحَسَنَاتِ بَعْدَ السَّيِّئَاتِ وَ مَا أَقْبَحَ السَّيِّئَاتِ بَعْدَ الْحَسَنَاتِالحديث السابع عشر: موثق.و قد مضى صدره في باب استصغار الذنب" لا تستكثروا كثير الخير" فإنه يوجب العجب و الفخر و الإدلال و الاعتقاد لخروج النفس عن حد التقصير، و كل ذلك مهلك كما مر" و خافوا الله في السر" إنما خص السر بالذكر لأن الناس يتسامحون في السر ما لا يتسامحون في العلانية، و أيضا هو يستلزم الخوف في العلانية بدون العكس، و هو أشد على النفس أيضا" حتى تعطوا من أنفسكم النصف" أي الإنصاف بأنكم خفتم الله أو تنصفوا من أنفسكم و لم تحتاجوا إلى حاكم يحكم بينكم." فإنما ذلك لكم" كان المراد لا ينفعكم إلا ذلك، و كذا قوله عليكم، أو للإشعار بأنهم لما لم يعلموا بهذا العلم فكأنهم لا يعلمونه، و قيل: هذا و إن كان بينا لكن ذكره للتنبيه عن الغفلة.الحديث الثامن عشر: حسن كالصحيح." و ما أحسن الحسنات" إلى آخره، قيل: هذا كلام موجز يندرج فيه التوبة بعد المعصية، و المعصية بعد التوبة، و كل خير بعد شر، و كل شر بعد خير سواء كانا ضدين كالإحسان و الإساءة أم لا كالصلاة و الزنا. [الحديث 19]19 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ إِنَّكُمْ فِي آجَالٍ مَقْبُوضَةٍ وَ أَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ وَ الْمَوْتُ يَأْتِي بَغْتَةً مَنْ يَزْرَعْ خَيْراً يَحْصُدْ غِبْطَةً وَ مَنْ يَزْرَعْ شَرّاً يَحْصُدْ نَدَامَةً وَ لِكُلِّ زَارِعٍ مَا زَرَعَ وَ لَا يَسْبِقُ الْبَطِيءَ مِنْكُمْ حَظُّهُ وَ لَا يُدْرِكُ حَرِيصٌ مَا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ مَنْ أُعْطِيَ خَيْراً فَاللَّهُ أَعْطَاهُ وَ مَنْ وُقِيَ شَرّاً فَاللَّهُ وَقَاهُالحديث التاسع عشر: مرسل." في آجال" أي أعمار" مقبوضة" أي يقبض منها آنا فآنا و ساعة فساعة، و هي في النقص دائما أو لقلتها و سرعة نفادها كأنها قبضت و الأول أظهر،" و أيام معدودة" أي عدت و قدرت لا تزيد و لا تنقص" و الموت يأتي بغتة" أي لا يعلم وقت نزوله و تتسبب أسبابه من غير علم منكم بها، أو قد يأتي فجأة، و البغتة بالفتح و التحريك الفجأة، و الغبطة بالكسر حسن الحال و المسرة، و أن يتمنى غيره حاله، و في الكلام تمثيل أو استعارة تبعية، و الحصاد ترشيح، و التنكير في غبطة و ندامة للتعظيم" و لكل زارع ما زرع" أي لا يحصل له إلا ما زرعه إشارة إلى قوله تعالى:" وَ أَنْ ﴿لَيْسَ لِلْإِنْسٰانِ إِلّٰا مٰا سَعىٰ﴾"." لا يسبق البطيء منكم حظه" الفعل على بناء الفاعل، و حظه مرفوع بالفاعلية و البطيء منصوب بالمفعولية أي لا يصير بطوءه سببا لأن يفوته حظه، أي ما قدر له من الرزق.و أقول: يمكن أن يقرأ على بناء المفعول، فالبطيء مرفوع و حظه منصوب بنزع الخافض، أي لا يسبقه غيره إلى حظه و لا يدرك حريص ما لم يقدر له، و ما يتوهم أنه زاد بسعيه باطل، إذ لعله مع عدم هذا السعي أيضا يصل إليه، أو يقال: أن السعي إنما ينفع في الزيادة إذا كانت مقدرة فلا يترك التوسل إلى الله و التوكل عليه، و لا يعتمد على سعيه فإنا نرى من يسعى أكثر من سعيه، و لا يحصل له شيء. [الحديث 20]20 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ وَاصِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي ذَرٍّ فَقَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ مَا لَنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ فَقَالَ لِأَنَّكُمْ عَمَرْتُمُ الدُّنْيَا وَ أَخْرَبْتُمُ الْآخِرَةَ فَتَكْرَهُونَ أَنْ تُنْقَلُوا مِنْ عُمْرَانٍ إِلَى خَرَابٍ فَقَالَ لَهُ فَكَيْفَ تَرَى قُدُومَنَا عَلَى اللَّهِ فَقَالَ أَمَّا الْمُحْسِنُ مِنْكُمْ فَكَالْغَائِبِ يَقْدَمُ عَلَى أَهْلِهِ وَ أَمَّا الْمُسِيءُ مِنْكُمْ فَكَالْآبِقِ يَرِدُ عَلَى مَوْلَاهُ قَالَ فَكَيْفَ تَرَى حَالَنَا عِنْدَ اللَّهِ قَالَ اعْرِضُوا أَعْمَالَكُمْ عَلَى الْكِتَابِ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ- إِنَّ الْأَبْرٰارَ لَفِي نَعِيمٍ وَ إِنَّ الْفُجّٰارَ لَفِي جَحِيمٍقَالَ فَقَالَ الرَّجُلُ فَأَيْنَ رَحْمَةُ اللَّهِ قَالَ رَحْمَةُ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) وَ كَتَبَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي ذَرٍّ يَا أَبَا ذَرٍّ أَطْرِفْنِي بِشَيْءٍ مِنَ الْعِلْمِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنَّ الْعِلْمَ كَثِيرٌ وَ لَكِنْ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ لَا تُسِيءَ إِلَى مَنْ تُحِبُّهُ فَافْعَلْ قَالَ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ وَ هَلْ رَأَيْتَ أَحَداً يُسِيءُ إِلَى مَنْ يُحِبُّهُ فَقَالَ لَهُ نَعَمْ نَفْسُكَ أَحَبُّ الْأَنْفُسِ إِلَيْكَ فَإِذَا أَنْتَ عَصَيْتَ اللَّهَ فَقَدْ أَسَأْتَ إِلَيْهَاو الحاصل أنه ليس مستقلا في التحصيل، بل هو داخل تحت قضاء الرب الجليل، و لذا قال بعده: من أعطى خيرا فالله أعطاه، و قيل: لا ينافيه وجدان الحريص زيادة، لأن تلك الزيادة ليست من قوته المفتقرة هو إليه في البقاء بل هو لغيره و الحساب عليه و ما ذكرنا أظهر.الحديث العشرون: ضعيف سندا و متنه يدل على صحته." عمرتم الدنيا" من باب قتل أو التفعيل أي سعيتم في عمارتها و هو ضد أخربتم و العمران بضم العين المعمور." يرد" بالتخفيف على بناء المعلوم من الورود، أو بالتشديد على بناء المجهول من الرد و هو أنسب" رحمة الله قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ" أي لا بد في الرحمة من استحقاقها و لو بصحة المذهب و حسن العقيدة، و في المصباح: الطرفة ما يستطرف أي يستملح [الحديث 21]21 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ اصْبِرُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَ تَصَبَّرُوا عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَإِنَّمَا الدُّنْيَا سَاعَةٌ فَمَا مَضَى فَلَيْسَ تَجِدُ لَهُ سُرُوراً وَ لَا حُزْناًو الجمع طرف مثل غرفة و غرف، و أطرف إطرافا جاء بطرفة و قال الجوهري:الطارف و الطريف من المال المستحدث و الاسم الطرفة و أطرف فلان إذا جاء بطرفة.الحديث الحادي و العشرون: موثق." اصبروا على طاعة الله" لما كانت اللذة في فعل المعصية أكثر منها في ترك الطاعة كان الصبر على المعصية أشق على النفس من الصبر على فعل الطاعة، فلذا قال في الطاعة اصبروا في المعصية تصبروا و هو تكلف الصبر و حمل النفس عليه كما هو مقتضى البابين و إن لم يفرق اللغويون بينهما، قال الفيروزآبادي: الصبر نقيض الجزع صبر يصبر فهو صابر و تصبر و اصطبروا صبر.و قال الراغب: الصبر حبس النفس على ما يقتضيه العقل أو الشرع أو عما يقتضيان حبسها عنه، فالصبر لفظ عام و ربما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه فإن كان حبس النفس لمصيبة سمي صبرا لا غير، و يضاده الجزع و إن كان في محاربة سمي شجاعا و يضاده الجبن و إن كان في نائبه مضجرة سمي رحب الصدر و يضاده التضجر، و إن كان في إمساك الكلام سمي كتمانا.و قد سمى الله تعالى كل ذلك صبرا و نبه عليه بقوله:" وَ الصّٰابِرِينَ فِي الْبَأْسٰاءِ وَ الضَّرّٰاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ" و ساق الكلام إلى قوله:" اصْبِرُوا وَ صٰابِرُوا" أي احبسوا أنفسكم على العبادة و جاهدوا أهواءكم و قوله: عز و جل" وَ اصْطَبِرْ لِعِبٰادَتِهِ" أي تحمل الصبر بجهدك، و قوله تعالى:" ﴿أُوْلٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمٰا صَبَرُوا﴾" أي تحملوه من الصبر وَ مَا لَمْ يَأْتِ فَلَيْسَ تَعْرِفُهُ فَاصْبِرْ عَلَى تِلْكَ السَّاعَةِ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا فَكَأَنَّكَ قَدِ اغْتَبَطْتَ[الحديث 22]22 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ قَالَ الْخَضِرُ لِمُوسَى (عليه السلام) يَا مُوسَى إِنَّ أَصْلَحَ يَوْمَيْكَ الَّذِي هُوَ أَمَامَكَ فَانْظُرْ أَيُّ يَوْمٍ هُوَ وَ أَعِدَّ لَهُ الْجَوَابَ- فَإِنَّكَ مَوْقُوفٌ وَ مَسْئُولٌ وَ خُذْ مَوْعِظَتَكَفي الوصول إلى مرضات الله، انتهى." فليس تعرفه" أي لا تعرف حالك فيه تبلغ إليه أم لا، و مع البلوغ لا تعلم أنك فيه على حزن أو سرور، على طاعة أو معصية" فكأنك قد اغتبطت" على بناء المعلوم أي عن قريب تصير بعد الموت في حالة حسنة يغبطك الناس لها و يتمنون حالك و لا تبقى عليك مرارة صبرك، في القاموس: الغبطة بالكسر حسن الحال و المسرة و قد اغتبط، و الحسد، و تمنى نعمة على أن لا تتحول عن صاحبها.و أقول: لا يبعد أن يكون بالعين المهملة على بناء المفعول أي اغتنم الفرصة و لا تعتمد على العمر فكأنك قدمت فجأة على غفلة بلا عمل و لا توبة، قال في النهاية:كل من مات بغير عمله فقد اغتبط، و مات فلان غبطة أي شابا صحيحا، و في بالي إني وجدت في بعض نسخ الحديث هكذا.الحديث الثاني و العشرون: مرسل." أن أصلح يوميك" المراد باليوم ما مر أنه مقدار من الزمان اختص بواقعة و المراد هنا يوم الدنيا و يوم الآخرة، و اليوم الذي أمامه الآخرة، و كونه أصلح المراد به أنه أحرى و أولى بأن يراعى و يسعى في إصلاحه، و يتوقع النفع منه، فإنه أبدي و الدنيا فان، و منافع الأول و لذاته أشد و أخلص و أقوى من لذات الآخر." فانظر أي يوم هو" أي يوم راحة أو يوم تعب و مشقة، أو المراد باليوم الثاني يوم القيامة، و بقوله: فانظر أي يوم هو، أي تذكر أحوال هذا اليوم و أهواله مِنَ الدَّهْرِ فَإِنَّ الدَّهْرَ طَوِيلٌ قَصِيرٌ فَاعْمَلْ كَأَنَّكَ تَرَى ثَوَابَ عَمَلِكَ لِيَكُونَ أَطْمَعَ لَكَ فِي الْآخِرَةِ فَإِنَّ مَا هُوَ آتٍ مِنَ الدُّنْيَا كَمَا هُوَ قَدْ وَلَّى مِنْهَاو صعوبته و السؤال و الحساب فيه، فأعد له الجواب و حاسب نفسك قبل ذلك، و خذ موعظتك من الدهر و أهله بالتفكر في فنائها و سرعة انقضائها، و كون لذاتها فانية مشوبة بالآلام الكثيرة، و النظر في عواقب السعداء و الأشقياء." فإن الدهر طويل قصير" هذه الفقرة تحتمل وجوها: الأول: أن دهر الموعظة طويل لأنه يمكنه أن يعتبر و يتفكر في أحوال السعداء و الأشقياء من أول الدهر إلى زمانه فكأنه قد عاش معهم جميعا كما قال أمير المؤمنين في وصية للحسن (عليهما السلام): و دهر العمل و اللذات التي فيها قصير.الثاني: أن الدهر من جهة الموعظة طويل يمكنه الاتعاظ بأقل زمان لأن الدهر دائما في الانقلاب، و من جهة العمل قصير ينبغي اغتنام الفرصة فيه.الثالث: أنه للمحسنين طويل لأنه يمكنهم اكتساب السعادات العظيمة في أقل زمان، فهم في أعمارهم القليلة يعملون أعمالا كثيرة، و تبقى منهم آثار جليلة، و للمسيئين قصير لأنه تفني لذاتهم و تبقى عليهم تبعاتهم و لا ينتفعون بشيء من أعمارهم.الرابع: أن المعنى أن تمام العمر و إن كان طويلا لكن ما بيده منها قصير، و هو الساعة التي هو فيها لأن ما مضى قد خرج من يده، و ما يأتي لا يعلم حاله فيه كما مر مرارا، و قيل: المعنى أنه و إن كان طويلا لكن نظرا إلى انقطاعه قصير.و أقول: هذه الفقرات سيأتي أمثالها في مناجاة الله تعالى لموسى (عليه السلام) في الروضة حيث قال: يا موسى ما أريد به وجهي فكثير قليله، و ما أريد به غيري فقليل كثيره و إن أصلح أيامك الذي هو أمامك فانظر أي يوم هو، فأعد له الجواب فإنك موقوف به و مسئول، و خذ موعظتك من الدهر و أهله فإن الدهر طويله قصير و قصيره طويل..........و كل شيء فان فاعمل كأنك ترى ثواب عملك، لكي يكون أطمع لك في الآخرة لا محالة، فإن ما بقي من الدنيا كما ولي منها، و كل عامل يعمل على بصيرة و مثال فكن مرتادا لنفسك يا بن عمران.فالظاهر منه أن طويله قصير لفنائه و سرعة انقضائه، و قصيره طويل لإمكان تحصيل السعادات العظيمة في القليل منه، و إن احتمل بعض الوجوه الأخر." فاعمل كأنك ترى ثواب عملك" أي إذا أخذت موعظتك من الدهر، و عرفت فناءها و سرعة انقضائها ينبغي أن تقبل على عملك الموجب لتحصيل المثوبات الأخروية لك مع اليقين بترتب الثواب كأنك تراه فإن من كان كذلك يكون قلبه فارغا عن حب الدنيا، و الميل إلى شهواتها، فيكون عمله مع حضور القلب و رعاية آدابها فيكون أطمع له في الأجر، و اللام للتعدية.و الحاصل أنه يكون عمله في درجة الكمال و مظنة القبول، و إن كان الأولى بالنسبة إليه أن يعد نفسه مقصرا، و لا يعتمد على عمله، أو المعنى أنك إذا كنت في اليقين بحيث كأنك ترى بعينك ثواب عملك تكون تلك الحالة ادعى لك على العمل الذي هو موجب لحصول الأجر، فأشار إلى الحرص على العمل بذكر لازمه، و هو الطمع في الأجر، و على التقادير يدل على أن قصد الثواب لا ينافي الإخلاص، بل كماله، فإن ما هو آت من الدنيا كما قد ولى منها أي في سرعة الانقضاء و عدم الاعتماد عليه في البقاء، فهو تعليل لأخذ الموعظة أو له و لما يترتب عليه من العمل الخالص و الحرص عليه، أو لرؤية ثواب الآخرة و قرب حصوله فإن بقية العمر في عدم الوثوق عليه كالماضي، فالآخرة قريبة منك كأنك تراه و تسعى إليه، أو للأمر بالعمل الخالص في الحال لمرور الماضي بالتقصير و عدم الوثوق على الآتي كما مر، و قيل: أي لا تكن في تدبير ما يأتي من العمر بتحصيل المال كما أنك لا تتفكر فيما مضى. [الحديث 23]23 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ قِيلَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) عِظْنَا وَ أَوْجِزْ فَقَالَ الدُّنْيَا حَلَالُهَا حِسَابٌ وَ حَرَامُهَا عِقَابٌ وَ أَنَّى لَكُمْ بِالرَّوْحِ وَ لَمَّا تَأَسَّوْا بِسُنَّةِ نَبِيِّكُمْالحديث الثالث و العشرون: ضعيف على المشهور." حلالها حساب" الحمل على المبالغة، و ظاهره أنه تعالى يحاسب العبد بما كسب من الحلال، و صرف فيه.
[مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول] · موسوعة الغيبة والظهور