الأقسامالحِكَم والوصايا والأخلاق والآدابمساوئ الأخلاق
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول · رقم ٢٢٠

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)

لَهُ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنَا رَجُلٌ عَابِدٌ بَلَغَنِي مَكَانُكَ وَ عِبَادَتُكَ فِي هَذَا الْمَكَانِ فَأَتَيْتُكَ لِأَعْبُدَ اللَّهَ مَعَكَ فَكَانَ مَعَهُ يَوْمَهُ ذَلِكَ فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ لَهُ الْمَلَكُ إِنَّ مَكَانَكَ لَنَزِهٌ وَ مَا يَصْلُحُ إِلَّا لِلْعِبَادَةِ فَقَالَ لَهُ الْعَابِدُ إِنَّ لِمَكَانِنَا هَذَا عَيْباً فَقَالَ لَهُ وَ مَا هُوَ قَالَ لَيْسَ لِرَبِّنَا بَهِيمَةٌ فَلَوْ كَانَ لَهُ حِمَارٌ رَعَيْنَاهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِنَّ هَذَا الْحَشِيشَ يَضِيعُ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ الْمَلَكُ وَ مَا لِرَبِّكَ حِمَارٌ فَقَالَ لَوْ كَانَ لَهُ حِمَارٌ مَا كَانَ يَضِيعُ مِثْلُ هَذَا الْحَشِيشِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْمَلَكِ إِنَّمَا أُثِيبُهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِهِعلى وجه الأرض، و في الخبر إشكال من أن ظاهره كون العابد قائلا بالجسم، و هو ينافي استحقاقه للثواب مطلقا و ظاهر الخبر كونه مع هذه العقيدة الفاسدة مستحقا للثواب لقلة عقله و بلاهته، فيمكن أن يكون اللام في قوله: لربنا بهيمة للملك لا للانتفاع، و يكون مراده تمنى أن يكون في هذا المكان بهيمة من بهائم الرب لئلا يضيع الحشيش، فيكون نقصان عقله باعتبار عدم معرفته بفوائد مصنوعات الله تعالى، و بأنها غير مقصورة على أكل البهيمة، لكن يأبى عنه جواب الملك إلا أن يكون لدفع ما يوهم كلامه، أو يكون استفهاما إنكاريا أي خلق الله تعالى بهائم كثيرة ينتفعون بحشيش الأرض، و هذه إحدى منافع خلق الحشيش، و قد ترتبت بقدر المصلحة، و لا يلزم أن يكون في هذا المكان حمار، بل يكفي وجودك و انتفاعك، و يحتمل أن يكون اللام للاختصاص لا على محض المالكية، بل بأن يكون لهذه البهيمة اختصاص بالرب تعالى كاختصاص بيته به تعالى، مع عدم حاجته إليه، و يكون جواب الملك أنه لا فائدة في مثل هذا الخلق حتى يخلق الله تعالى حمارا و ينسبه إلى مقدس جنابه تعالى كما في البيت، فإن فيه حكما كثيرة، و بالجملة لا بد إما من ارتكاب تكلف تام في الكلام، أو التزام فساد بعض الأصول [الحديث 9]9 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِذَا بَلَغَكُمْ عَنْ رَجُلٍ حُسْنُ حَالٍ فَانْظُرُوا فِي حُسْنِ عَقْلِهِ فَإِنَّمَا يُجَازَى بِعَقْلِهِ.[الحديث 10]10 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ ذَكَرْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) رَجُلًا مُبْتَلًى بِالْوُضُوءِ وَ الصَّلَاةِ وَ قُلْتُ هُوَ رَجُلٌ عَاقِلٌ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَ أَيُّ عَقْلٍ لَهُ وَ هُوَ يُطِيعُ الشَّيْطَانَ فَقُلْتُ لَهُ وَ كَيْفَ يُطِيعُ الشَّيْطَانَ- فَقَالَ سَلْهُ هَذَا الَّذِي يَأْتِيهِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ هُوَ فَإِنَّهُ يَقُولُ لَكَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ.[الحديث 11]11 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ رَفَعَهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَا قَسَمَ اللَّهُ لِلْعِبَادِ شَيْئاً أَفْضَلَ مِنَ الْعَقْلِ فَنَوْمُ الْعَاقِلِالمقررة في الكلام.قوله (عليه السلام): فإنما يجازى بعقله، أي على أعماله بقدر عقله فكل من كان عقله أكمل كان ثوابه أجزل.قوله: مبتلى بالوضوء و الصلاة، أي بالوسواس في نيتهما أو في فعلهما بالإبطال و التكرير على غير جهة الشرع، أو بالمخاطرات التي تشتغل القلب عنهما، و توجب الشك فيهما، و الأوسط أظهر نظرا إلى عادة ذلك الزمان.قوله: و هو يطيع الشيطان، أي يفعل ما يأمره به من الوسواس، أو يطيعه فيما يصير سببا لذلك، فسأله السائل عن إبانة أنه يطيع بفعله الشيطان فنبه (عليه السلام) بأنه لو سئل عن مستنده لم يكن له بد من أن يسنده إلى الشيطان حيث لا شبهة أنه لا مستند له في الشرع و لا في العقل، و على الأخير المراد أنه يعلم أن ما يعرض له من الخواطر و الوساوس إنما هو بما أطاع الشيطان في سائر أفعاله.قوله: فنوم العاقل، إما لأنه لا ينام إلا بقدر الضرورة لتحصيل قوة العبادة أَفْضَلُ مِنْ سَهَرِ الْجَاهِلِ وَ إِقَامَةُ الْعَاقِلِ أَفْضَلُ مِنْ شُخُوصِ الْجَاهِلِ وَ لَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً وَ لَا رَسُولًا حَتَّى يَسْتَكْمِلَ الْعَقْلَ وَ يَكُونَ عَقْلُهُ أَفْضَلَ مِنْ جَمِيعِ عُقُولِ أُمَّتِهِ وَ مَا يُضْمِرُ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فِي نَفْسِهِ أَفْضَلُ مِنِ اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِينَ وَ مَا أَدَّى الْعَبْدُ فَرَائِضَ اللَّهِ حَتَّىفيكون نومه عبادة، و سهر الجاهل للعبادة لما لم يكن موافقا للشرائط المعتبرة و مقرونا بالنيات الصحيحة تكون عبادة باطلة أو ناقصة، فذاك النوم خير منه، أو أن نوم العقلاء و كمل المؤمنين يوجب ارتباطهم بأرواح الأنبياء و المرسلين و الملائكة المقر بين و ما يضاهيهم من المقدسين، و اطلاعهم على الألواح السماوية و رجوعهم إلى عوالمهم القدسية التي كانوا فيها قبل نزولهم إلى الأبدان، فهو معراج لهم و ما يرون فيه بمنزلة الوحي، فلذا عدت الرؤيا الصادقة من أجزاء النبوة، و سنبسط القول في ذلك في شرح كتاب الروضة.قوله (عليه السلام): من شخوص الجاهل، أي خروجه من بلده و مسافرته إلى البلاد طلبا لمرضاته تعالى كالجهاد و الحج و غيرهما.قوله: حتى يستكمل العقل، أي يسعى في كماله بتوفيقه تعالى فإن أصل العقل موهبي و يكمل بالعلم و العمل و قراءته على بناء المفعول، أو إرجاع الضمير إلى الله تعالى بعيد.قوله: و ما يضمر النبي في نفسه، أي من النيات الصحيحة و التفكرات الكاملة و العقائد اليقينية.قوله: و ما أدى العبد، أي لا يمكن للعبد أداء الفرائض كما ينبغي إلا بأن يعقل و يعلم من جهة مأخوذة عن الله تعالى بالوحي، أو بأن يلهمه الله معرفته أو بأن يعطيه الله عقلا به يسلك سبيل النجاة، و في نسخ محاسن البرقي حتى عقل منه أي لا يعمل فريضة حتى يعقل من الله و يعلم أن الله أراد تلك منه، و يعلم آداب إيقاعها و يحتمل أن يكون المراد أعم من ذلك، أي يعقل و يعرف ما يلزمه معرفته، فمن ابتدائية عَقَلَ عَنْهُ وَ لَا بَلَغَ جَمِيعُ الْعَابِدِينَ فِي فَضْلِ عِبَادَتِهِمْ مَا بَلَغَ الْعَاقِلُ وَ الْعُقَلَاءُ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى- وَ مَا يَتَذَكَّرُ إِلّٰا أُولُوا الْأَلْبٰابِ.[الحديث 12]12 أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا رَفَعَهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ قَالَ لِي أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ ع يَا هِشَامُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بَشَّرَ أَهْلَ الْعَقْلِ وَ الْفَهْمِ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ ﴿‏فَبَشِّرْ عِبٰادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولٰئِكَ الَّذِينَ هَدٰاهُمُ اللّٰهُ‏﴾ وَ أُولٰئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبٰابِيَا هِشَامُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَكْمَلَ لِلنَّاسِ الْحُجَجَ بِالْعُقُولِ وَ نَصَرَ النَّبِيِّينَعلى التقديرين، و يحتمل على بعد أن تكون تبعيضية، أي عقل من صفاته و عظمته و جلاله ما يليق بفهمه و يناسب قابليته و استعداده.الحديث الثاني عشر: مرسل و هو مختصر مما أورده الشيخ الحسن بن علي بن شعبة في كتاب تحف العقول و أوردته بطوله في كتاب بحار الأنوار مشروحا.قوله تعالى" يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ": المراد بالقول إما القرآن أو مطلق المواعظ" فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ" أي إذا رد دوابين أمرين منها لا يمكن الجمع بينهما يختارون أحسنهما، و على الأول يحتمل أن يكون المراد بالأحسن، المحكمات أو غير المنسوخات و يمكن أن يحمل القول على مطلق الكلام، إذ ما من قول حق إلا و له ضد باطل، فإذا سمعها اختار الحق منهما، و على تقدير أن يكون المراد بالقول القرآن أو مطلق المواعظ، يمكن إرجاع الضمير إلى المصدر المذكور ضمنا أي يتبعونه أحسن اتباع.قوله (عليه السلام): الحجج، أي البراهين أو الأنبياء و الأوصياء (عليه السلام) أو الاحتجاج و قطع العذر أي أكمل حجته على الناس بما آتاهم من العقول، و يمكن أن يكون المراد أن الله تعالى أكمل حجج الناس بعضهم على بعض، بما آتاهم من العقل إذ غايته الانتهاء إلى البديهي و لو لا العقل لأنكره، و الأدلة ما بين في كتابه من دلائل الربوبية بِالْبَيَانِ وَ دَلَّهُمْ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ بِالْأَدِلَّةِ فَقَالَ وَ إِلٰهُكُمْ ﴿‏إِلٰهٌ وٰاحِدٌ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ الرَّحْمٰنُ الرَّحِيمُ. إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ‏﴾ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلٰافِ اللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ وَ الْفُلْكِ ﴿‏الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمٰا يَنْفَعُ النّٰاسَ‏﴾ وَ مٰا ﴿‏أَنْزَلَ اللّٰهُ مِنَ السَّمٰاءِ مِنْ مٰاءٍ فَأَحْيٰا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهٰا‏﴾و الوحدانية أو ما أظهر من آثار صنعته و قدرته في الآفاق و في أنفسهم، و الأول أنسب بالتفريع، و المراد بالبيان أما الفصاحة أو المعجزات أو قدرتهم على إتمام كل حجة، و جواب كل شبهة، و إبانة كل حق على كل أحد بما يناسب حاله و علمهم بكل شيء كما قال (صلوات الله عليه) " و أوتيت الحكمة و فصل الخطاب".قوله تعالى:" وَ إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وٰاحِدٌ": أي المستحق لعبادتكم واحد حقيقي لا شريك له في استحقاق العبادة، و لا في وجوب الوجود الذاتي و لا في صفاته و وحدته الحقيقية، و قوله تعالى" لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ" استئناف لبيان الوحدة أو تأكيد للفقرة السابقة، أو تعميم بعد التخصيص دفعا لما يتوهم من جواز أن يكون المستحق لعبودية غيركم متعددا أو الإله في الأولى الخالق، و في الثانية المستحق للعبادة، فتكون الثانية متفرعة على الأولى، و يحتمل العكس، فيكون من قبيل اتباع المدعى بالدليل" الرَّحْمٰنُ الرَّحِيمُ" خبران لمبتدء محذوف، أو خبران آخران لقوله" إِلٰهُكُمْ" و لعل التوصيف بهما لبيان أنه تعالى يستحق العبادة لذاته الكاملة و نعمة الشاملة معا فتدبر.ثم استدل سبحانه على تلك الدعاوي بقوله" إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ" أي إيجادهما من كتم العدم" وَ اخْتِلٰافِ اللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ" أي تعاقبهما على هذا النظام المشاهد بأن يذهب أحدهما و يجيء الآخر خلفه، و به فسر قوله تعالى" هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ خِلْفَةً" أو تفاوتهما في النور و الظلمة، أو في الزيادة و النقصان، و دخول أحدهما في الآخر، أو في الطول و القصر، بحسب العروض أو اختلاف كل ساعة من ساعاتهما بالنظر إلى الأمكنة المختلفة، فأية ساعة فرضت فهي صبح لموضع و ظهر لآخر، و هكذا، و الفلك يجيء مفردا و جمعا و هو السفينة، و ما في قوله تعالى وَ بَثَّ فِيهٰا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّيٰاحِ وَ السَّحٰابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" بِمٰا يَنْفَعُ النّٰاسَ" إما مصدرية أي بنفعهم أو موصولة أي بالذي ينفعهم من المحمولات و المجلوبات،" وَ مٰا ﴿‏أَنْزَلَ اللّٰهُ مِنَ السَّمٰاءِ مِنْ مٰاءٍ‏﴾" من الأولى للابتداء، و الثانية للبيان و السماء يحتمل الفلك و السحاب، و جهة العلو و إحياء الأرض بالنباتات و الأزهار و الثمرات" وَ بَثَّ فِيهٰا" عطف على" أنزل" أو على" أحيى" فإن الدواب ينمون بالخصب و يعيشون بالمطر، و البث: النشر و التفريق و المراد بتصريف الرياح إما تصريفها في مهابها قبولا و دبورا، و جنوبا و شمالا أو في أحوالها حارة و باردة، و عاصفة و لينة، و عقيمة و لواقح، أو جعلها تارة للرحمة و تارة للعذاب" وَ السَّحٰابِ الْمُسَخَّرِ" أي لا ينزل و لا ينقشع، مع أن الطبع يقتضي أحدهما حتى يأتي أمر الله، و قيل مسخر للرياح تقلبه في الجو بمشية الله تعالى، أو سخره الله و هيأه لمصالحنا" لَآيٰاتٍ" أي علامات و دلالات و براهين تدل لإمكانها على صانع واجب الوجود بالذات، ترفع الحاجة من الممكنات إذ الممكن لا يرفع حاجة الممكن، و لإتقانها و كونها على وفق الحكم و المصالح التي تعجز جميع العقول عن الإحاطة بعشر أعشارها، على كون صانعها حكيما عليما قادرا رحيما بعباده، لا يفوت شيئا من مصالحهم، و للجهتين جميعا على كونه مستحقا للعبادة، إذ العقل يحكم بديهة بأن الكامل من جميع الجهات، العاري من جميع النقائص و الآفات، القادر على إيصال جميع الخيرات و المضرات، هو أحق بالمعبودية من غيره لجميع الجهات، و أيضا لما دلت الأحكام و الانتظام على وحدة المدبر كما سيأتي بيانه دل على وحدة المستحق للعبادة، و كل ذلك ظاهر لقوم عقلهم في درجة الكمال، و في الآية دلالة على لزوم النظر في خواص مصنوعاته تعالى، و الاستدلال بها على وجوده و وحدته و عمله و قدرته و حكمته و سائر صفاته، و على جواز ركوب البحر و التجارات و المسافرات لجلب الأقوات و الأمتعة. يَا هِشَامُ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى مَعْرِفَتِهِ بِأَنَّ لَهُمْ مُدَبِّراً فَقَالَ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومُ ﴿‏مُسَخَّرٰاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏﴾وَ قَالَ ﴿‏هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرٰابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً‏﴾ وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّٰى مِنْ قَبْلُ وَ لِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَقوله (عليه السلام): قد جعل الله ذلك دليلا، أي كلا من الآيات المذكورة سابقا أو لا حقا و ليس لفظ ذلك في التحف، فالآيات اللاحقة أظهر، و قوله تعالى" وَ سَخَّرَ لَكُمُ*" أي هيأها لمنافعكم و مسخرات بالنصب، حال عن الجميع أي نفعكم بها حالكونها مسخرات الله، خلقها و دبرها كيف شاء، و قرأ حفص" وَ النُّجُومَ مُسَخَّرٰاتٍ*" على الابتداء و الخبر، فيكون تعميما للحكم بعد تخصيصه، و رفع ابن عامر" الشمس و القمر" أيضا.قوله تعالى" خَلَقَكُمْ مِنْ تُرٰابٍ": إذ خلق أول أفراد هذا النوع و أباهم منه، أو لأن الغذاء الذي يتكون منه المني يحصل منه، و يمكن أن يكون المراد التراب الذي يطرحه الملك في المني، كما يشهد به بعض الأخبار و قوله تعالى" ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا" أي أطفالا، و الأفراد لإرادة الجنس أو على تأويل يخرج من كل واحد منكم، أو لأنه في الأصل مصدر.قوله تعالى" ثُمَّ لِتَبْلُغُوا" اللام فيه متعلقة لمحذوف تقديره ثم يبقيكم لتبلغوا، و كذا في قوله" ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً" و يجوز عطفه على لتبلغوا.قوله تعالى" أَشُدَّكُمْ": أي كما لكم في القوة و العقل، جمع شدة كأنعم جمع نعمة.قوله تعالى" مِنْ قَبْلُ": أي من الشيخوخة أو بلوغ الأشد.قوله تعالى" أَجَلًا مُسَمًّى": أي يفعل ذلك لتبلغوا أجلا مسمى هو وقت الموت وَ قَالَ إِنَّ فِي اخْتِلٰافِ اللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ وَ مٰا ﴿‏أَنْزَلَ اللّٰهُ مِنَ السَّمٰاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيٰا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهٰا‏﴾ وَ تَصْرِيفِ الرِّيٰاحِ وَ السَّحٰابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَوَ قَالَ- يُحْيِ ﴿‏الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهٰا قَدْ بَيَّنّٰا لَكُمُ الْآيٰاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏﴾وَ قَالَ- وَ جَنّٰاتٌ مِنْ أَعْنٰابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ صِنْوٰانٌ وَ غَيْرُ صِنْوٰانٍ يُسْقىٰ بِمٰاءٍ وٰاحِدٍ وَ نُفَضِّلُ ﴿‏بَعْضَهٰا عَلىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ‏﴾أو يوم القيمة.قوله تعالى" إِنَّ فِي اخْتِلٰافِ اللَّيْلِ": هذه الآية في سورة الجاثية" وَ فِي خَلْقِكُمْ وَ مٰا ﴿‏يَبُثُّ مِنْ دٰابَّةٍ آيٰاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ‏﴾، وَ اخْتِلٰافِ اللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ وَ مٰا ﴿‏أَنْزَلَ اللّٰهُ مِنَ السَّمٰاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيٰا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهٰا‏﴾ وَ تَصْرِيفِ الرِّيٰاحِ آيٰاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" و قد مر الكلام في مثله و الظاهر أن التغيير من النساخ أو الرواة أو نقل بالمعنى أو هكذا قراءتهم.قوله" مِنْ رِزْقٍ": هو الماء لأنه رزق أو سبب للرزق، و ربما يؤول الأرض بالقلب و الرزق بالعلم تشبيها له بالماء، لأنه سبب حياة الروح كما أن الماء سبب حياة البدن.قوله تعالى" وَ جَنّٰاتٌ": عطف على قوله تعالى" قطع" في قوله" وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجٰاوِرٰاتٌ" و توحيد الزرع لأنه مصدر في أصله، و هو عطف على" أَعْنٰابٍ" و قرأ ابن كثير و أبو عمرو و يعقوب و حفص" زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ" بالرفع عطفا على جنات و قوله" صِنْوٰانٌ" أي نخلات أصلها واحد" وَ غَيْرُ صِنْوٰانٍ" أي متفرقات مختلفة الأصول.قوله تعالى" فِي الْأُكُلِ": أي في الثمر شكلا و قدرا و رائحة و طعما، و دلالتها على الصانع الحكيم ظاهر، فإن اختلافها مع اتحاد الأصول و الأسباب لا يكون إلا بتخصيص قادر مختار. لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَوَ قَالَ- وَ مِنْ آيٰاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ يُنَزِّلُ ﴿‏مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهٰا إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏﴾- وَ قَالَ ﴿ قُلْ تَعٰالَوْا

[مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول] · موسوعة الغيبة والظهور

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.