⟨عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)⟩
طالبة مطلوبة، أي الدنيا طالبة للمرء لأن يوصل إليه ما عندها من الرزق المقدر، و مطلوبة يطلبها الحريص طلبا للزيادة، و الآخرة طالبة تطلبه لتوصل إليه أجله المقدر و مطلوبة يطلبها الطالب للسعادات الأخروية بالأعمال الصالحة، و قال بعض الأفاضل: لا يبعد أن يقال الإتيان بالعاطف في الآخرة بقوله: و الآخرة طالبة و مطلوبة، و تركه في قوله: الدنيا طالبة مطلوبة، للتنبيه على أن الدنيا طالبة موصوفة بالمطلوبية، فيكون الطالبة لكونها موصوفة بمنزلة الذات، فدل على أن الدنيا من حقها في ذاتها أن تكون طالبة، و تكون المطلوبة لكونها صفة لا حقة يَسْتَوْفِيَ مِنْهَا رِزْقَهُ وَ مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا طَلَبَتْهُ الْآخِرَةُ فَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ فَيُفْسِدُ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَ آخِرَتَهُ يَا هِشَامُ مَنْ أَرَادَ الْغِنَى بِلَا مَالٍ وَ رَاحَةَ الْقَلْبِ مِنَ الْحَسَدِ وَ السَّلَامَةَ فِي الدِّينِ فَلْيَتَضَرَّعْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي مَسْأَلَتِهِ بِأَنْ يُكَمِّلَ عَقْلَهُ فَمَنْ عَقَلَ قَنِعَ بِمَا يَكْفِيهِ وَ مَنْ قَنِعَ بِمَا يَكْفِيهِ اسْتَغْنَى وَ مَنْ لَمْ يَقْنَعْ بِمَا يَكْفِيهِ لَمْ يُدْرِكِ الْغِنَى أَبَداً يَا هِشَامُ إِنَّ اللَّهَ حَكَى عَنْ قَوْمٍ صَالِحِينَ أَنَّهُمْ قَالُوا ﴿رَبَّنٰا لٰا تُزِغْ قُلُوبَنٰا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنٰا﴾ وَ هَبْ ﴿لَنٰا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّٰابُ﴾- حِينَ عَلِمُوا أَنَّ الْقُلُوبَ تَزِيغُ وَ تَعُودُ إِلَى عَمَاهَا وَ رَدَاهَا إِنَّهُ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ مَنْ لَمْ يَعْقِلْ عَنِ اللَّهِ وَ مَنْ لَمْ يَعْقِلْ عَنِ اللَّهِ لَمْ يَعْقِدْ قَلْبَهُ عَلَى مَعْرِفَةٍ ثَابِتَةٍ يُبْصِرُهَا وَ يَجِدُ حَقِيقَتَهَا فِي قَلْبِهِ وَ لَا يَكُونُ أَحَدٌ كَذَلِكَ إِلَّا مَنْ كَانَ قَوْلُهُ لِفِعْلِهِ مُصَدِّقاً وَ سِرُّهُ لِعَلَانِيَتِهِ مُوَافِقاًبالطالبة من الطواري التي ليس من حق الدنيا في ذاتها أن تكون موصوفة بها، فلو أتى بالعاطف لفاتت تلك الدلالة، و أما الآخرة فلما كانت الأمران أي الطالبية و المطلوبية كلاهما مما تستحقها و تتصف بها في ذاتها، فأتى بالعاطف، و إن حمل قوله:الدنيا طالبة مطلوبة، على تعدد الخبر ففي ترك العاطف دلالة على عدم ارتباط طالبيتها بمطلوبيتها، و في الآخرة فالأمران فيها مرتبطان لا يفارق أحدهما الآخر، و لذا أتى بالواو الدالة على المقارنة في أصل الثبوت لها.قوله تعالى" لٰا تُزِغْ" الزيغ: الميل و العدول عن الحق، و الردى الهلاك و الضلال.قوله (عليه السلام): من كان قوله لفعله مصدقا، على صيغة اسم الفاعل أي ينبغي أن يأتي أولا بما يأمره، ثم يأمر غيره ليكون قوله مصدقا لما يفعله، و إذا فعل فعلا من أفعال الخير و سئل عن سببه أمكنه أن يبين حقيته بالبراهين العقلية و النقلية، لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ اسْمُهُ لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْبَاطِنِ الْخَفِيِّ مِنَ الْعَقْلِ إِلَّا بِظَاهِرٍ مِنْهُ وَ نَاطِقٍ عَنْهُو يمكن أن يقرأ على صيغة المفعول فيحتمل وجهين: الأول: أن الناس يصدقون قوله لفعله، و موافقته له، الثاني: أن يكون الفعل مصدقا له.قوله (عليه السلام): لأن الله.خطر بالبال لتوجيهه وجهان" الأول": أنه (عليه السلام) ادعى أولا أن الخوف من الله تعالى خوفا واقعيا يصير سببا لترك الذنوب في جميع الأحوال، لا يكون إلا بأن يرزق العبد من الله تعالى عقلا موهبيا يبصر حقيقة الخير و الشر كما هي، ثم بين (عليه السلام) ذلك بأن من لم يكن بهذه الدرجة من العقل لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة للخير و الشر يبصرها و يجد حقيقة تلك المعرفة في قلبه، ثم بين أن تلك المعرفة الثابتة يلزمها أن يكون قول العبد موافقا لفعله، و فعله موافقا لسره و ضميره، لأن الله تعالى جعل ما يظهر على الجوارح دليلا على ما في القلب، و يفضح المتصنع بما يظهر من سوء قوله و فعله، فثبت بتلك المقدمات ما ادعى (عليه السلام) من أن الخوف الواقعي لا يكون إلا بالعقل عن الله" الثاني" أن لا يكون قوله (عليه السلام) و من لم يعقل تعليلا لما سبق بل مقدمة برأسها، و حاصلها: أن المعرفة الثابتة لا تحصل إلا بالعقل، كما أن الخوف لا يحصل إلا به، ثم بين (عليه السلام) دليلا يعرف به تلك المعرفة الثابتة التي هي من آثار العقل و لوازمها و دلائلها، و هي كون القول موافقا للفعل و السر أي ما يفعل في الخلوات موافقا للعلانية، ثم علل ذلك بأن الله تعالى جعل تلك الآثار دليلا على العقل الذي أخفاه في الإنسان، و لا يمكن معرفته إلا بها.و قال بعض مشايخنا (قدس الله روحه): لعل المراد أنه من لم يكن صالحا لم يخف الله لأنه من لم يكن صالحا لم يكن قوله مصدقا لفعله و سره موافقا لعلانيته و من لم يكن كذلك لم يكن ذا معرفة ثابتة يجد حقيقتها في قلبه، لأن الله تعالى جعل الظاهر دليلا على الباطن، فالفعل ظاهر يدل على الاعتقاد الذي هو من الخفايا و السرائر، و يكشف عنه، و القول ظاهر يعبر عنه، فإن دل الفعل على عدم تقرر يَا هِشَامُ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَقُولُ مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنَ الْعَقْلِ وَ مَا تَمَّ عَقْلُ امْرِئٍ حَتَّى يَكُونَ فِيهِ خِصَالٌ شَتَّى الْكُفْرُ وَ الشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونَانِ وَ الرُّشْدُ وَ الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولَانِ وَ فَضْلُ مَالِهِ مَبْذُولٌ وَ فَضْلُ قَوْلِهِ مَكْفُوفٌ وَ نَصِيبُهُ مِنَ الدُّنْيَا الْقُوتُ لَا يَشْبَعُ مِنَ الْعِلْمِ دَهْرَهُ الذُّلُّ أَحَبُّ إِلَيْهِ مَعَ اللَّهِ مِنَ الْعِزِّ مَعَ غَيْرِهِ وَ التَّوَاضُعُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الشَّرَفِ يَسْتَكْثِرُ قَلِيلَ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِهِ وَ يَسْتَقِلُّ كَثِيرَ الْمَعْرُوفِ مِنْ نَفْسِهِ وَ يَرَى النَّاسَ كُلَّهُمْ خَيْراً مِنْهُ وَ أَنَّهُ شَرُّهُمْ فِي نَفْسِهِالاعتقاد و ثبوته و لم يصدقه القول، فالمعتبر دلالة الفعل و أما دلالة الفعل على التقرر و الثبوت بحقيقة المعرفة مع مخالفة القول فغير متصور، فإن القول إذن فعل دال على عدم ثبوت حقيقة المعرفة و تقررها في قلبه، و من لم يكن يجد حقيقة المعرفة في قلبه لم يكن ذا معرفة ناشئة عن جانب الله و من لم يكن عاقلا عن الله لم يخف الله و لا يخفى ما فيه.قوله (عليه السلام): ما عبد الله بشيء، أي العقل أفضل العبادات، فالمراد بالعقل معرفة ذات الله تعالى و صفاته، و كلما يجب معرفته من أصول الدين و فروعه، أو المراد به تكميل القوة العقلية، و يحتمل أن يكون المراد ليس شيء من أسباب العبادة و دواعيها مثل العقل.قوله (عليه السلام) الكفر و الشر، أي جميع أنواع الكفر كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.قوله ع: دهره، منصوب بالظرفية أي في تمام عمره.قوله (عليه السلام): الذل أحب إليه، أي الذل و العز الدنيويان أو ذل النفس و عزها و ترفعها، و قوله: مع الله أي مع رضاه تعالى و قربه و طاعته.قوله (عليه السلام) و يرى الناس كلهم، و ذلك بأن يحسن ظنه بهم و يتهم نفسه، فكل ما في غيره مما يحتمل وجها حسنا يحمله عليه، و كل ما فيه مما يحتمل وجها وَ هُوَ تَمَامُ الْأَمْرِ يَا هِشَامُ إِنَّ الْعَاقِلَ لَا يَكْذِبُ وَ إِنْ كَانَ فِيهِ هَوَاهُ يَا هِشَامُ لَا دِينَ لِمَنْ لَا مُرُوَّةَ لَهُ وَ لَا مُرُوَّةَ لِمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ وَ إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ قَدْراً الَّذِي لَا يَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِهِ خَطَراً أَمَا إِنَّ أَبْدَانَكُمْ لَيْسَ لَهَا ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةُ فَلَا تَبِيعُوهَا بِغَيْرِهَا يَا هِشَامُ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) كَانَ يَقُولُ إِنَّ مِنْ عَلَامَةِ الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ يُجِيبُ إِذَا سُئِلَ وَ يَنْطِقُ إِذَا عَجَزَ الْقَوْمُ عَنِ الْكَلَامِ وَ يُشِيرُ بِالرَّأْيِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ صَلَاحُ أَهْلِهِ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ شَيْءٌ فَهُوَ أَحْمَقُقبيحا يجوزه في نفسه، فيظن بغيره خيرا، و لا يظن بنفسه خيرا فيظن بكل منهم أنه خير منه، و يكون هو عند نفسه شرا منهم.قوله (عليه السلام): و هو تمام الأمر، أي كل أمر من أمور الدين يتم به أو كأنه جميع أمور الدين مبالغة.قوله (عليه السلام): لا مروة، المروة: الإنسانية و كمال الرجولية، و هي الصفة الجامعة لمكارم الأخلاق و محاسن الآداب.قوله (عليه السلام): خطرا، الخطر الحظ و النصيب و القدر و المنزلة، و السبق: الذي يتراهن عليه، و الكل محتمل.قوله (عليه السلام): يجيب إذا سئل، قيل: أي يكون قادرا على الجواب عما يسأل، و النطق عند عجز القوم عن الكلام، و مشيرا بالرأي الذي فيه صلاح القوم، و عارفا بصلاحهم و آمرا به، فمن لم يكن فيه شيء من هذه الثلاث فهو أحمق أي عديم الفهم ناقص التميز بين الحسن و القبيح، و لعل قوله (عليه السلام): يجيب إذا سئل، ناظر إلى الفتاوى في النقليات و الشرعيات، و قوله: و ينطق إذا عجز القوم، ناظر إلى تحقيق المعارف و العقليات، و يشير بالرأي، ناظر إلى معرفة التدبير و السياسات في العمليات فمن جمع فيه الخصال الثلاث دل على كمال عقله النظري و العملي، و من لم يكن فيه شيء منها كان ناقص العقل بقوتيه. إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) قَالَ لَا يَجْلِسُ فِي صَدْرِ الْمَجْلِسِ إِلَّا رَجُلٌ فِيهِ هَذِهِ الْخِصَالُ الثَّلَاثُ أَوْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهُنَّ فَجَلَسَ فَهُوَ أَحْمَقُ وَ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليه السلام) إِذَا طَلَبْتُمُ الْحَوَائِجَ فَاطْلُبُوهَا مِنْ أَهْلِهَا قِيلَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَ مَنْ أَهْلُهَا قَالَ الَّذِينَ قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَ ذَكَرَهُمْ فَقَالَ- إِنَّمٰا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبٰابِقَالَ هُمْ أُولُو الْعُقُولِ وَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) مُجَالَسَةُ الصَّالِحِينَ دَاعِيَةٌ إِلَى الصَّلَاحِ وَ آدَابُ الْعُلَمَاءِ زِيَادَةٌ فِي الْعَقْلِ وَ طَاعَةُ وُلَاةِ الْعَدْلِ تَمَامُ الْعِزِّ وَ اسْتِثْمَارُ الْمَالِ تَمَامُ الْمُرُوءَةِ وَ إِرْشَادُ الْمُسْتَشِيرِ قَضَاءٌ لِحَقِّ النِّعْمَةِ وَ كَفُّ الْأَذَى مِنْ كَمَالِ الْعَقْلِ وَ فِيهِ رَاحَةُ الْبَدَنِ عَاجِلًا وَ آجِلًا يَا هِشَامُ إِنَّ الْعَاقِلَ لَا يُحَدِّثُ مَنْ يَخَافُ تَكْذِيبَهُ وَ لَا يَسْأَلُ مَنْ يَخَافُ مَنْعَهُ وَ لَا يَعِدُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَ لَا يَرْجُو مَا يُعَنَّفُ بِرَجَائِهِ وَ لَا يُقْدِمُ عَلَى مَا يَخَافُ فَوْتَهُقوله (عليه السلام): إذا طلبتم الحوائج، أي الدينية و الدنيوية، و اختصاص الأولى بأولى العقول ظاهر، و أما الثانية فللذل الذي يكون في رفع الحاجة إلى الناقص في الدين، و لعدم الأمن من حمقه، فربما يمنعه أو يأتي بما ضره أكثر من نفعه.قوله (عليه السلام): و أدب العلماء، أي مجالستهم و تعلم آدابهم و النظر إلى أفعالهم، و التخلق بأخلاقهم موجبة لزيادة العقل، و الحمل على رعاية الآداب في مجالسة العلماء لا يخلو من بعد.قوله (عليه السلام): و استثمار المال، أي استنمائه بالتجارة و المكاسب دليل تمام الإنسانية و موجب له أيضا لأنه لا يحتاج إلى غيره و يتمكن من أن يأتي بما يليق به.قوله (عليه السلام): قضاء: أي شكر لحق نعمة أخيه عليه، حيث جعله موضع مشورته، أو شكر لنعمة العقل و هي من أعظم النعم، و لعل الأخير أظهر.قوله (عليه السلام): ما يعنف، التعنيف اللوم و التعيير بعنف، و ترك الرفق و الغلظة، بِالْعَجْزِ عَنْهُ.[الحديث 13]13 عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ رَفَعَهُ قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع الْعَقْلُ غِطَاءٌ سَتِيرٌ وَ الْفَضْلُ جَمَالٌ ظَاهِرٌ فَاسْتُرْ خَلَلَ خُلُقِكَ بِفَضْلِكَ وَ قَاتِلْ هَوَاكَ بِعَقْلِكَ تَسْلَمْ لَكَ الْمَوَدَّةُ وَ تَظْهَرْ لَكَ الْمَحَبَّةُ.[الحديث 14]14 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَدِيدٍ عَنْ سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) وَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ مَوَالِيهِ فَجَرَى ذِكْرُ الْعَقْلِو كلاهما محتمل.الحديث الثالث عشر ضعيف.قوله: غطاء، الغطاء ما يستتر به، و الستير: إما بمعنى الساتر أو بمعنى المستور، و الفضل ما يعد من المحاسن و المحامد أو خصوص الإحسان إلى الخلق، و الجمال يطلق على حسن الخلق و الخلق و الفعل، و المعنى: أن العقل يستر مقابح المرء فإن حسن العقل يغلب كل قبيح، و لكنه من المستورات التي يعسر الاطلاع عليها، و الفضل جمال ظاهر، فينبغي أن يستر خلل الخلق بالفضل، و أن يستر مقابح ما يهوي بمدافعة العقل للهوى، فلا تظهر و تبقى مستورة.قوله (عليه السلام): تسلم لك المودة، أي مودتك للناس، أو مودة الناس لك، أو مودتك لله أو مودة الله لك، أو الأعم منهما، و كذا المحبة تحتمل الوجوه، و الأولى تخصيص إحداهما بالله و الأخرى بالناس، أو إحداهما بحبه للناس و الأخرى بحب الناس له، فإن التأسيس أولى من التأكيد.الحديث الرابع عشر ضعيف.قوله: ذكر العقل و الجهل، العقل هنا يحتمل المعاني السابقة، و الجهل إما القوة الداعية إلى الشر، أو البدن إن كان المراد بالعقل النفس، و يحتمل إبليس أيضا لأنه المعارض لأرباب العقول الكاملة من الأنبياء و الأئمة (عليه السلام) في هداية الخلق، و يؤيده أنه قد ورد مثل هذا في معارضة آدم و إبليس بعد تمرده، و أنه وَ الْجَهْلِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) اعْرِفُوا الْعَقْلَ وَ جُنْدَهُ وَ الْجَهْلَ وَ جُنْدَهُ تَهْتَدُوا قَالَ سَمَاعَةُ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ لَا نَعْرِفُ إِلَّا مَا عَرَّفْتَنَا فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الْعَقْلَ وَ هُوَ أَوَّلُ خَلْقٍ مِنَ الرُّوحَانِيِّينَ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ مِنْ نُورِهِ فَقَالَ لَهُ أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقْتُكَ خَلْقاً عَظِيماً وَ كَرَّمْتُكَ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِي قَالَ ثُمَّ خَلَقَ الْجَهْلَ مِنَ الْبَحْرِ الْأُجَاجِ ظُلْمَانِيّاًأعطاهما مثل تلك الجنود، كما أوردته في كتاب البحار، و الحاصل أن هذه جنود للعقل و أصحابه، و تلك عساكر للجهل و أربابه، فلو حملنا العقل على القوة الداعية إلى الخير و أفعال الحسنة و الجهل على القوة الداعية إلى خلاف ذلك، فالمقصود أن الله سبحانه أعطى بحكمته الكاملة كل مكلف قوتين داعيتين إلى الخير و الشر، أحدهما العقل و الأخرى الجهل، و خلق صفات حسنة تقوى العقل في دعائه إلى الخير، و خلق ضدها من رذائل تقوى الجهل في دعائه إلى الشر و قس عليه سائر المعاني.قوله (عليه السلام) من الروحانيين: يطلق الروحاني على الأجسام اللطيفة و على الجواهر المجردة إن قيل بها، قال في النهاية في الحديث: الملائكة الروحانيون يروى بضم الراء و فتحها، كأنه نسب إلى الروح و الروح، و هو نسيم الروح، و الألف و النون من زيادات النسب و يريد به أنهم أجسام لطيفة لا يدركهم البصر.قوله (عليه السلام): عن يمين العرش، قيل أي أشرف جانبيه و أقواهما وجودا.قوله (عليه السلام): من نوره، أي من نور منسوب إليه تعالى لشرفه أو من ذاته تعالى لا بواسطة شيء أو مادة، أو أنه لما كان سببا لظهور الأشياء على النفس فهو من أنوار الله سبحانه التي جعلها سببا لظهورها، و قيل: من جنس نوره أي ذاته الأقدس، لكونه مجردا أو من جنس النور الذي خلقه و هو العقل المجرد، و هما إنما يتجهان إذا قلنا بوجود مجرد سوى الله، و بوجود العقل و قد عرفت ما فيهما.قوله (عليه السلام): من البحر الأجاج، أي من المادة الظلمانية الكدرة أو بوساطتها و ظلمانيته لكونه خاليا من نور المعرفة، أو غير قابل للهداية أو آلة لضلالة صاحبه، فَقَالَ لَهُ أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَقْبِلْ فَلَمْ يُقْبِلْ فَقَالَ لَهُ اسْتَكْبَرْتَ فَلَعَنَهُ ثُمَّ جَعَلَ لِلْعَقْلِ خَمْسَةً وَ سَبْعِينَ جُنْداً فَلَمَّا رَأَى الْجَهْلُ مَا أَكْرَمَ اللَّهُ بِهِ الْعَقْلَ وَ مَا أَعْطَاهُ أَضْمَرَ لَهُ الْعَدَاوَةَ فَقَالَ الْجَهْلُ يَا رَبِّ هَذَا خَلْقٌ مِثْلِي خَلَقْتَهُ وَ كَرَّمْتَهُ وَ قَوَّيْتَهُ وَ أَنَا ضِدُّهُ وَ لَا قُوَّةَ لِي بِهِ فَأَعْطِنِي مِنَ الْجُنْدِ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ فَقَالَ نَعَمْ فَإِنْ عَصَيْتَ بَعْدَ ذَلِكَ أَخْرَجْتُكَ وَ جُنْدَكَ مِنْ رَحْمَتِي قَالَ قَدْ رَضِيتُ فَأَعْطَاهُ خَمْسَةً وَ سَبْعِينَ جُنْداً فَكَانَ مِمَّا أَعْطَى الْعَقْلَ مِنَ الْخَمْسَةِ وَ السَّبْعِينَ الْجُنْدَ الْخَيْرُ وَ هُوَ وَزِيرُ الْعَقْلِ وَ جَعَلَ ضِدَّهُ الشَّرَّ وَ هُوَ وَزِيرُ الْجَهْلِ وَ الْإِيمَانُ وَ ضِدَّهُ الْكُفْرَ-و عدم إقباله إلى الدرجات الرفيعة و المعارف الربانية، لعدم قابليته لذلك، أو المراد عدم إقبال من تبع هذه القوة بالإرادة، و سيأتي تحقيق القول في كتاب الإيمان و الكفر إنشاء الله تعالى.قوله (عليه السلام) فقال الجهل: أي بلسان الحال أو حقيقة إن قلنا إنه إبليس.قوله (عليه
[مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول] · موسوعة الغيبة والظهور