الأقسامالإمام المهدي عليه السلام والرجعةالغيبة والانتظار
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول · رقم ٢٢٨

لذلك، إلى الرحمة أو الرحم، كما روى علي بن إبراهيم بإسناده عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام)

قال: لا يزالون مختلفين في الدين إلا من رحم ربك يعني آل محمد و أتباعهم يقول الله تعالى لِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ، يعني أهل رحمة لا يختلفون في الدين.الأول: أن قوله: هم شيعتنا تفسير للموصول في قوله: إلا من، و لرحمته تفسير لقوله: و لذلك، و قوله: يقول لطاعة الإمام، تفسير للرحمة، فحاصل المعنى حينئذ إلا من رحم ربك بأن وفقه بطاعة الإمام، و لهذه الطاعة خلقهم، فالرحمة حقيقة هو الإمام من جهة أن الطاعة توجب النجاة و هو رحمة أيضا من جهة علمه الذي انتفع به الشيعة كلهم و وسعهم، و هما يرجعان إلى معنى واحد لتلازمهما و كون أحدهما علة للآخر، إذ الطاعة و وجوبها معللة بسعة علمه، فقوله (عليه السلام): الرحمة بدل لطاعة الإمام، أو الإمام، ففسر الطاعة بالعلم لتلازمهما أو الإمام بالرحمة من جهة أن علمه وسع الشيعة و كفاهم و أغناهم عن غيره، فقوله: الرحمة التي يقول، أي الإمام هو الرحمة التي يقولها في قوله:" وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ" يقول: علم الإمام تفسير للرحمة لبيان أن كونه رحمة من جهة علمه، و يمكن أن يقرأ علم بصيغة الماضي، و وسع علمه أي علم الإمام الذي من علمه أي من علم الله، و فسر (عليه السلام) الشيء بالشيعة لأنهم المنتفعون به فصار لهم رحمة و أما سائر الخلق فإنه و إن كان لهم أيضا رحمة لكن لما لم ينتفعوا به صار عليهم غضبا، فالمراد بكل شيء إما كل محل قابل و هم الشيعة أو يكون عاما..........و التخصيص بالشيعة لعدم انتفاع غيرهم به، و يحتمل أن يكون المراد بسعة علمه لهم أنه يعرف شيعته من غير شيعته، كناية عن علمه بحقائق جميع الأشياء و أحوالها و فيه بعد، هذا هو الذي خطر بالبال في حله.و الثاني: ما ذكره بعض الأفاضل قال: فسر الرحمة بطاعة الإمام لأنها توصل العبد إلى رحمة الله، و فسر الرحمة الواسعة بعلم الإمام لأنه الهادي إليها" هم شيعتنا" أي كل شيء من ذنوب شيعتنا وسعه رحمة ربنا، و في تفسير الرحمة الواسعة بعلم الإمام إشارة إلى أنهم لو كانوا يستندون فيه إلى علمه لما اختلفوا فيما اختلفوا.الثالث: ما ذكره بعضهم أيضا أن الظرف في قوله: لطاعة الإمام متعلق بيقول، و الرحمة منصوب مفعول يقول و لما فسر (عليه السلام) رحمة الله في سورة هود بطاعة الإمام أراد أن يدفع المناقشة فيه بآية الأعراف، فإن وسعة طاعة الإمام كل شيء مستبعد عند العوام" يقول" الضمير لله" علم" فعل ماض و الإمام فاعله" و وسع" عطف على علم، و ضمير عليه لمن رحم و هو المطيع للإمام" من علمه" من للابتداء أو للتعليل، و ضمير علمه للإمام، و حاصل الجواب أن علم الإمام يسع كل شيء يحتاج إليه، و طاعة الإمام يتضمن أخذ العلم بالمشكلات عن الإمام في كل ما يحتاج إليه، فطاعة الإمام يسع كل شيء، و قرأ هذا الفاضل هو شيعتنا هو سعتنا، و قال: أي سعة طاعتنا كل شيء مبني على سعة علمنا.الرابع: ما قيل: أن الرحمة مبتدأ و علم الإمام خبر، و إعادة" يقول" للتأكيد، و الغرض أن الرحمة هنا علم الإمام و قد وسع علمه الذي هو من علم الله تعالى كل شيء، و المراد بكل شيء الشيعة، و يحتمل أن يرجع ضمير من علمه إلى الإمام ليوافق الضمير السابق فيفيد أن علمه المحيط بكل شيعة بعض من علومه (عليه السلام)، و إنما ترك هُوَ مِنْ عِلْمِهِ كُلَّ شَيْءٍ هُمْ شِيعَتُنَا ثُمَّ قَالَ فَسَأَكْتُبُهٰا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَيَعْنِي وَلَايَةَعطف هذه الجملة على السابقة لانقطاعها عنها لأنها مستأنفة فكأن السائل لما سمع أن الرحمة في الآية السابقة عبارة عن طاعة الإمام سئل عن الرحمة التي في هذه الآية بأن الرحمة فيها عبارة عن علم الإمام، انتهى.و إنما أوردنا تلك الوجوه لتعلم حسن ما وجهنا به الكلام أولا.ثم اعلم أن الآية الأخيرة في سورة الأعراف وقعت بعد قصة موسى (عليه السلام) حيث قال:" وَ اخْتٰارَ ﴿‏مُوسىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقٰاتِنٰا فَلَمّٰا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قٰالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ‏﴾ وَ إِيّٰايَ أَ تُهْلِكُنٰا ﴿‏بِمٰا فَعَلَ السُّفَهٰاءُ مِنّٰا إِنْ هِيَ إِلّٰا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهٰا مَنْ تَشٰاءُ‏﴾ وَ تَهْدِي ﴿‏مَنْ تَشٰاءُ أَنْتَ وَلِيُّنٰا فَاغْفِرْ لَنٰا‏﴾ وَ ارْحَمْنٰا وَ أَنْتَ خَيْرُ الْغٰافِرِينَ، وَ اكْتُبْ ﴿‏لَنٰا فِي هٰذِهِ الدُّنْيٰا حَسَنَةً‏﴾ وَ فِي ﴿‏الْآخِرَةِ إِنّٰا هُدْنٰا إِلَيْكَ قٰالَ عَذٰابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشٰاءُ‏﴾ وَ رَحْمَتِي ﴿‏وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهٰا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ‏﴾ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ الَّذِينَ ﴿‏هُمْ بِآيٰاتِنٰا يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرٰاةِ‏﴾ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهٰاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبٰاتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبٰائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلٰالَ ﴿‏الَّتِي كٰانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ‏﴾ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا ﴿‏النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏﴾".أقول: على سياق الآيات السابقة لا يبعد أن يكون العذاب في قوله تعالى:﴿‏عَذٰابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشٰاءُ‏﴾، شاملا للعذاب الصوري و ما هو سببه من العذاب المعنوي من الافتتان بأئمة الضلالة و الخذلان، و سلب التوفيق، و كذا الرحمة شاملة للرحمات الظاهرية و الباطنية و الصورية و المعنوية و رحماته الظاهرة شاملة لكل شيء في الدنيا و الرحمات المعنوية من الهدايات الظاهرة أيضا شاملة لكل شيء لكن المنتفع بها المؤمنون، و الهدايات الخاصة مخصوصة بالمؤمنين و الرحمات الأخروية أيضا بعضها عامة و أكثرها خاصة بالمؤمنين، و عمدة الرحمات الخاصة و مادتها الإمام (عليه السلام) و طاعته غَيْرِ الْإِمَامِ وَ طَاعَتَهُ ثُمَّ قَالَ ﴿‏يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرٰاةِ‏﴾ وَ الْإِنْجِيلِيَعْنِيو العلم المأخوذ منه، فلذا فسرها (عليه السلام) بها.و يمكن أن يقال: الرحمات العامة أيضا للمؤمنين بالذات و لغيرهم بالتبع، كما ورد في الأخبار الكثيرة أنه لو لا الإمام و خواص شيعته لم تمطر السماء و لم تنبت الأرض و لم تبق الدنيا، فظهر وجه تخصيص الرحمة في كلام الإمام بالمؤمنين بوجوه شتى.قال الطبرسي (ره):" ﴿‏عَذٰابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشٰاءُ‏﴾" ممن عصاني و استحقه بعصيانه و إنما علقه بالمشيئة لجواز الغفران في العقل" وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ" قال الحسن و قتادة: إن رحمته في الدنيا وسعت البر و الفاجر، و هي يوم القيامة للمتقين خاصة، و قال عطية العوفي: وسعت كل شيء و لكن لا تجب إلا للذين يتقون، و ذلك أن الكافر يرزق و يدفع عنه بالمؤمن لسعة رحمة الله للمؤمن، فيعيش فيها، فإذا صار في الآخرة وجبت للمؤمنين خاصة كالمستضيء بنار غيره إذا ذهب صاحب السراج بسراجه.و قيل: معناه أنها تسع كل شيء إن دخلوها، فلو دخل الجميع فيها لوسعتهم إلا أن فيهم من لا يدخل فيها لضلاله" فَسَأَكْتُبُهٰا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ" أي فسأكتب رحمتي الذين يتقون الشرك أي يجتنبونه، و قيل: يجتنبون الكبائر و المعاصي" وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ" أي يخرجون زكاة أموالهم لأنه أشق الفرائض، و قيل: معناه يطيعون الله و رسوله عن ابن عباس و الحسن، و إنما ذهبا إلى تزكية النفس و تطهيرها" وَ الَّذِينَ هُمْ بِآيٰاتِنٰا يُؤْمِنُونَ" أي بحججنا و بيناتنا يصدقون، و روي أنه لما نزلت: و رحمتي وسعت كل شيء، قال إبليس: أنا من ذلك الشيء فنزعها الله من إبليس بقوله:فسأكتبها، الآية، فقالت اليهود و النصارى: نحن نتقي و نؤتى الزكاة و نؤمن بآيات ربنا، فنزعها منهم و جعلها لهذه الأمة بقوله:" الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ" الآية.قال الطبرسي أي يؤمنون به و يعتقدون نبوته" الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ" معناه يجدون نعته و صفته و نبوته مكتوبا عندهم فِي التَّوْرٰاةِ وَ الْإِنْجِيلِ" يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ الْوَصِيَّ وَ الْقَائِمَ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِإِذَا قَامَ وَ يَنْهٰاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِوَ يَنْهٰاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ" يجوز أن يكون هذا مكتوبا في التوراة و الإنجيل فيكون موصولا بما قبله و بيانا لمن يكتب له رحمة الولاية و المحبة، و يجوز أن يكون ابتداء من قول الله تعالى مدحا للنبي و المعروف الحق و المنكر الباطل لأن الحق معروف الصحة في العقول، و الباطل منكر الصحة في العقول، و قيل: المعروف مكارم الأخلاق و صلة الأرحام، و المنكر عبادة الأوثان و قطع الأرحام عن ابن عباس، و هذا القول داخل في القول الأول" وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبٰاتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبٰائِثَ" أي يبيح لهم المستلذات الحسنة و يحرم عليهم القبائح و ما تعافه الأنفس" وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ" أي ثقلهم شبه ما كان على بني إسرائيل من التكليف الشديد بالثقل، و قرأ ابن عامر إصارهم على الجمع" وَ الْأَغْلٰالَ الَّتِي كٰانَتْ عَلَيْهِمْ" معناه و يضع عنهم العهود التي كانت في ذمتهم، و قيل: يعني ما امتحنوا به من التكاليف الشاقة" فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ" أي بهذا النبي و صدقوه في نبوته" وَ عَزَّرُوهُ" أي عظموه و وقروه و منعوا عنه أعداءه" وَ نَصَرُوهُ" عليهم" وَ اتَّبَعُوا النُّورَ" أي القرآن الذي هو نور في القلوب كما أن الضياء نور في العيون و يهتدى به الخلق في أمور الدين كما يهتدون بالنور في أمور الدنيا" الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ" أي أنزل عليه و قد يقوم" مع" مقام" على" و قيل: معناه أنزل في زمانه و على عهده" أُولٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" أي الظافرون بالمراد الناجون من العقاب، و الفائزون بالثواب، انتهى.رجعنا إلى تفسير الحديث قوله (عليه السلام): يعني ولاية غير الإمام، بيان لمفعول يتقون المحذوف أي الذين يكفون أنفسهم عن ولاية غير الإمام المنصوب من قبل الله و هو لا ينافي تفسيره بالشرك فإنه أيضا من الشرك فالغرض بيان الفرد الأخفى، و الحاصل أن المتقين هم المؤمنون، و لا ريب في أن من لا يعرف إمامه و تولى إماما ليس من الله فهو ليس من المتقين، و لا ريب في أن من لا يعرف إمامه و تولى إماما ليس من الله فهو ليس من المتقين" و يحتمل أن يكون المراد خصوص ذلك أيضا.قوله (عليه السلام) " يعني النبي و الوصي و القائم، لعل المعنى أنه ذكر في ضمن نعته المذكور في الكتابين أن له أوصياء أولهم على و آخرهم القائم يقوم بإعلاء كلمتهم وَ الْمُنْكَرُ مَنْ أَنْكَرَ فَضْلَ الْإِمَامِ وَ جَحَدَهُ- وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبٰاتِأَخْذَ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِهِ- وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبٰائِثَوَ الْخَبَائِثُ قَوْلُ مَنْ خَالَفَ- وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْوَ هِيَفهو بيان للوجدان، أي يجدونه بتلك الأوصاف و الخصوصيات، و ضمير يأمرهم راجع إلى القائم، و الغرض بيان أن الأمر و النهي المنسوبين إلى النبي ليس المراد به صدوره عنه (صلى الله عليه و آله و سلم) بخصوصه بل يشمل ما يصدر عن أوصيائه (عليهم السلام)، و الذي يتمكن في هذين على وجه الكمال هو القائم لنفاذ حكمه و جريان أمره، و يحتمل أن يكون المراد بالذين يتقون أصحاب القائم (عليه السلام) فإنه كتب و قدر لهم الرحمة و الغلبة، و ضمير يأمرهم راجعا إلى رئيسهم و هو القائم (عليه السلام)، لكنه بعيد، و لا حاجة إليه، و قيل:" يعني" تفسير لضمير الجمع في يجدونه، و المراد بالنبي موسى و عيسى، و بالوصي يوشع و شمعون و هو غريب.ثم إن المعروف كل أمر حسن يجد العقل السليم حسنه و يأمر الله به لذلك و المنكر كل ما لا ترضيه العقول السليمة، فعلى هذا أشرف المعروفات و أعظمها ولاية الحق و طاعته، و أفظع المنكرات إنكار إمام الحق و مخالفته و اختيار غيره عليه، فقوله (عليه السلام): و المنكر بفتح الكاف من أنكر فضل الإمام أي إنكار من أنكر، كما في قوله تعالى:" وَ لٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقىٰ" و قيل: المنكر بكسر الكاف و المراد أن المنكر بالفتح هنا إنكار فضل الإمام و لا يخفى ما فيه.و كذا الطيبات كلما تستطيبه العقول السليمة و له جهة حسن، و الخبائث كل ما تستقذره النفوس الطيبة و له جهة قبح، و هكذا نفهم الآية فإنه امتنان على العباد و وصف لكمال الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) و فضل شريعته، بأن كل ما يحله فهو طيب واقعا و كل ما يحرمه فهو خبيث واقعا كما فهمه أكثر أصحابنا، بأن المراد بالطيب ما تستلذه طباع أكثر الخلق، و بالخبيث ما تستقذره طباعهم فاستدلوا به على حرمة ما تستنكف منه الطباع فإن أكثر المحرمات مما تميل إليه الطباع، و أكثر المحلات الذُّنُوبُ الَّتِي كَانُوا فِيهَا قَبْلَ مَعْرِفَتِهِمْ فَضْلَ الْإِمَامِ- وَ الْأَغْلٰالَ الَّتِي كٰانَتْ عَلَيْهِمْوَ الْأَغْلَالُ مَا كَانُوا يَقُولُونَ مِمَّا لَمْ يَكُونُوا أُمِرُوا بِهِ مِنْ تَرْكِ فَضْلِ الْإِمَامِ فَلَمَّا عَرَفُوابل الواجبات مما تستكرهه طباع أكثر الخلق، فعلى هذا تشمل الطيبات العلوم الحقة المأخوذة عن أهل بيت العصمة (صلوات الله عليهم)، و الخبائث العلوم الباطلة المأخوذة عن أئمة الضلالة، مع أن كل ما ورد في الأغذية الجسمانية فهو في بطن القرآن مأول بالأغذية الروحانية كما عرفت مرارا.قوله: هي الذنوب التي كانوا فيها، أي ذنب ترك الولاية أو الأعم منه و مما يتبعه من الخطإ في الأقوال و الأفعال، و الأول أظهر، لأن غير ترك الولاية داخل في الأغلال كما قال:" و الأغلال ما كانوا يقولون مما لم يكونوا أمروا به" من أصولهم الفاسدة، شبه آرائهم الناشئة عن ضلالتهم و جهالتهم بالأغلال لأنها قيدتهم و حبستهم عن الاهتداء إلى الحق، أو لأنها لزمت أعناقهم مع أو زارها لزوم الغل.و" من" في قوله: من ترك، تعليلية و يحتمل البيانية و يحتمل كون الأفعال داخلة في الأصر، و الأقوال و العقائد في الأغلال، و لعله أظهر، و في القاموس: الإصر الكسر و الحبس و العطف، و بالكسر: العهد و الذنب و النقل و يضم و يفتح في الكل و الجمع آصار و أصران، و الإصار حبل صغير يشد به أسفل الخباء، و وتد الطنب، انتهى.فقوله: و هي الإصار، يحتمل وجوها: الأول: أن يكون بصيغة الجمع و يكون قراءتهم (عليهم السلام) موافقة لقراءة ابن عامر، أو يكون المعنى أن المراد بالمفرد هنا الجمع و المراد جميع ذنوبهم.الثاني: أن يكون الإصار بالكسر، و المعنى أن الإصر مأخوذ من الإصار الذي يشد به الخباء كما قيل: لعل المعنى أن الذنب يشد به رجل المذنب عن القيام بالطاعة كما أن الإصار يشد به أسفل الخباء.الثالث: ما قيل أن ضمير" هي" للأغلال و الآصار بصيغة الجمع، و المراد فَضْلَ الْإِمَامِ وَضَعَ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْإِصْرُ الذَّنْبُ وَ هِيَ الْآصَارُ ثُمَّ نَسَبَهُمْ فَقَالَ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِيَعْنِي بِالْإِمَامِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا ﴿‏النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏﴾يَعْنِي الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الْجِبْتَ وَ الطّٰاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهٰاوَ الْجِبْتُ وَ الطَّاغُوتُ فُلَانٌ وَ فُلَانٌ وَ فُلَانٌ وَ الْعِبَادَةُ طَاعَةُ النَّاسِ لَهُمْ ثُمَّ قَالَ أَنِيبُوا إِلىٰ رَبِّكُمْ وَ أَسْلِمُواأن الأغلال عمدة أثقالهم و ذنوبهم." ثم نسبهم" الضمير راجع إلى الشيعة المذكورين في صدر الحديث، أي ذكر أصلهم الذين ينتسبون إليه كما ينتسب الرجل إلى الآباء و الأمهات، و المراد ذكر صفتهم و حليتهم و مثوباتهم." فقال الذين آمنوا" نقل بالمعنى" و في القرآن: فالذين آمنوا" يعني بالإمام" أي هو داخل في الإيمان و عمدة فيه، و الإيمان بالرسول لا يكون إلا بالإيمان بالإمام و قد ورد في الأخبار أن المراد بالنور أمير المؤمنين (عليه السلام).قوله (عليه السلام):" يعني الذين اجتنبوا" لعله تفسير لقوله: و اتبعوا النور، فإن اتباع القرآن أو الإمام لا يستقيم إلا بالبراءة من أعدائهم، أو المعنى أن المؤمنين المذكورين في هذه الآية هم المذكورون في الآيات الأخرى المبشرين فيها.و اعلم أن هذه المضامين في الآيات ليست متصلة بالآيات السابقة، فإنها في سورة الأعراف و في سورة الزمر:" وَ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّٰاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهٰا وَ أَنٰابُوا ﴿‏إِلَى اللّٰهِ لَهُمُ الْبُشْرىٰ فَبَشِّرْ عِبٰادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولٰئِكَ الَّذِينَ هَدٰاهُمُ اللّٰهُ‏﴾ وَ أُولٰئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبٰابِ" و في سورة النساء:" أَ لَمْ ﴿‏تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتٰابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ‏﴾ وَ الطّٰاغُوتِ" و في سورة الزمر بعد ما مر بفاصلة:" وَ أَنِيبُوا إِلىٰ رَبِّكُمْ وَ أَسْلِمُوا ﴿‏لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذٰابُ ثُمَّ لٰا تُنْصَرُونَ‏﴾" و في صورة يونس:" الَّذِينَ آمَنُوا وَ كٰانُوا ﴿‏يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرىٰ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا‏﴾ وَ فِي ﴿‏الْآخِرَةِ لٰا تَبْدِيلَ لِكَلِمٰاتِ اللّٰهِ ذٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ‏﴾". لَهُثُمَّ جَزَاهُمْ فَقَالَ ﴿‏لَهُمُ الْبُشْرىٰ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا‏﴾ وَ فِي الْآخِرَةِوَ الْإِمَامُ يُبَشِّرُهُمْ بِقِيَامِ الْقَائِمِ وَ بِظُهُورِهِ وَ بِقَتْلِ أَعْدَائِهِمْ وَ بِالنَّجَاةِ فِي الْآخِرَةِ وَ الْوُرُودِ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُفجمع (عليه السلام) بين مضامين الآيات لبيان اتحاد مواردها، و اتصال بعضها ببعض في المعنى، فالتي في الزمر شرط البشارة فيها باجتناب الطاغوت و هو كل رئيس في الباطل، و طاعة الطاغوت عبادتها كما قال تعالى:" لٰا تَعْبُدُوا الشَّيْطٰانَ" و قال:" اتَّخَذُوا أَحْبٰارَهُمْ وَ رُهْبٰانَهُمْ أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اللّٰهِ".

[مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول] · موسوعة الغيبة والظهور

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.