⟨وَ الْحَامَ وَ يَسْتَقْسِمُونَ بِالْأَزْلَامِ عَامِهِينَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ حَائِرِينَ عَنِ الرَّشَادِ مُهْطِعِينَ إِلَى الْبِعَادِ وَ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطٰانُ⟩
اتَّخَذَتْهَا مَأْوًى وَ رَكَنَتْ إِلَيْهَا رُكُونَ الظَّالِمِينَ يَا مُوسَى نَافِسْ فِي الْخَيْرِ أَهْلَهُ فَإِنَّ الْخَيْرَ كَاسْمِهِ وَ دَعِ الشَّرَّ لِكُلِّ مَفْتُونٍ يَا مُوسَى اجْعَلْ لِسَانَكَ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِكَ تَسْلَمْ وَ أَكْثِرْ ذِكْرِي بِاللَّيْلِ وَ النَّهَارِ تَغْنَمْ وَ لَا تَتَّبِعِ الْخَطَايَا فَتَنْدَمَ فَإِنَّ الْخَطَايَا مَوْعِدُهَا النَّارُ يَا مُوسَى أَطِبِ الْكَلَامَ لِأَهْلِ التَّرْكِ لِلذُّنُوبِ وَ كُنْ لَهُمْ جَلِيساً وَ اتَّخِذْهُمْ لِغَيْبِكَ إِخْوَاناً وَ جِدَّ مَعَهُمْ يَجِدُّونَ مَعَكَ يَا مُوسَى الْمَوْتُ يَأْتِيكَ لَا مَحَالَةَ فَتَزَوَّدْ زَادَ مَنْ هُوَ عَلَى مَا يَتَزَوَّدُ وَارِدٌ عَلَى الْيَقِينِالنظر في ذلك ملزوم لعدم الخشوع، إذ الخشوع إنما يحصل يتذكر نعمه تعالى، و توقع إحسانه و فضله و انتظار رحمته، و استجلاب نعمته في الدنيا و الآخرة بالدعاء و التضرع و البكاء.قوله تعالى:" فإن الخير" المراد أن الخير لما دل بحسب أصل معناه في اللغة على الأفضلية و ما يطلق عليه في العرف و الشرع من الأعمال الحسنة هي خير الأعمال فالخير كاسمه، أي إطلاق هذا الاسم على تلك الأمور على الاستحقاق، و المعنى المصطلح مطابق للمدلول اللغوي، أو المراد أن الخير لما كان كل أحد يستحسنه إذا سمعه فهو حسن واقعا، و حسنه حسن واقعي. و الحاصل: أن ما يحكم به عقول عامة الناس في ذلك مطابق للواقع، و يحتمل أن يكون المراد باسمه ذكره بين الناس، أي إن الخير ينفع في الآخرة كما يصير سببا لرفعة الذكر في الدنيا.قوله تعالى:" اجعل لسانك من وراء قلبك" أي كلما أردت أن تتكلم به فابدأ أولا باستعمال القلب و العقل فيه، و التفكر في أنه هل ينفعك التكلم به ثم تكلم به، فيكون اللسان بعد القلب و وراءه و يمر الكلام أولا بالقلب ثم باللسان، و يحتمل أن يكون المراد لا تتكلم بما لا يعتقده قلبك و يحتمل الأعم. يَا مُوسَى مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهِي فَكَثِيرٌ قَلِيلُهُ وَ مَا أُرِيدَ بِهِ غَيْرِي فَقَلِيلٌ كَثِيرُهُ وَ إِنَّ أَصْلَحَ أَيَّامِكَ الَّذِي هُوَ أَمَامَكَ فَانْظُرْ أَيُّ يَوْمٍ هُوَ فَأَعِدَّ لَهُ الْجَوَابَ فَإِنَّكَ مَوْقُوفٌ وَ مَسْئُولٌ وَ خُذْ مَوْعِظَتَكَ مِنَ الدَّهْرِ وَ أَهْلِهِ فَإِنَّ الدَّهْرَ طَوِيلُهُ قَصِيرٌ وَ قَصِيرُهُ طَوِيلٌ وَ كُلُّ شَيْءٍ فَانٍ فَاعْمَلْ كَأَنَّكَ تَرَى ثَوَابَ عَمَلِكَ لِكَيْ يَكُونَ أَطْمَعَ لَكَ فِي الْآخِرَةِ لَا مَحَالَةَ فَإِنَّ مَا بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا كَمَا وَلَّى مِنْهَا وَ كُلُّ عَامِلٍ يَعْمَلُ عَلَى بَصِيرَةٍ وَ مِثَالٍ فَكُنْ مُرْتَاداً لِنَفْسِكَ يَا ابْنَ عِمْرَانَ لَعَلَّكَ تَفُوزُ غَداً يَوْمَ السُّؤَالِ فَهُنَالِكَ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ يَا مُوسَى أَلْقِ كَفَّيْكَ ذُلًّا بَيْنَ يَدَيَّ كَفِعْلِ الْعَبْدِ الْمُسْتَصْرِخِ إِلَى سَيِّدِهِ فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ رُحِمْتَ وَ أَنَا أَكْرَمُ الْقَادِرِينَ- يَا مُوسَى سَلْنِي مِنْ فَضْلِي وَ رَحْمَتِي فَإِنَّهُمَا بِيَدِي لَا يَمْلِكُهُمَا أَحَدٌ غَيْرِي وَ انْظُرْ حِينَ تَسْأَلُنِي كَيْفَ رَغْبَتَكَ فِيمَا عِنْدِي لِكُلِّ عَامِلٍ جَزَاءٌ وَ قَدْ يُجْزَى الْكَفُورُ بِمَا سَعَى يَا مُوسَى طِبْ نَفْساً عَنِ الدُّنْيَا وَ انْطَوِ عَنْهَا فَإِنَّهَا لَيْسَتْ لَكَ وَ لَسْتَ لَهَا مَا لَكَ وَ لِدَارِ الظَّالِمِينَ إِلَّا لِعَامِلٍ فِيهَا بِالْخَيْرِ فَإِنَّهَا لَهُ نِعْمَ الدَّارُقوله (عليه السلام):" و اتخذهم لغيبك إخوانا" أي اتخذهم إخوانا ليحفظوك في غيبتك بأن لا يذكروك في غيبتك بسوء، و يدفعوا عنك الغيبة و يكونوا ناصحين لك عند ما تغيب عنهم، و يحتمل أن يكون المراد بالغيب القيامة لغيبتها عن الحس، و في بعض النسخ [لعيبك] بالعين المهملة أي لستر معائبك.قوله تعالى:" و جد معهم" أي ابذل معهم غاية السعي في الطاعة، و قوله تعالى:" يجدون" حال عن الضمير المجرور.قوله تعالى:" طويله قصير" أي لسرعة انقضائه" و قصيره طويل" لإمكان تحصيل السعادات العظيمة في القليل منه.قوله تعالى:" و كل عامل" أي كل من يعمل ما هو حق العمل إنما يكون عمله على بصيرة و يقين و علم بكيفية العمل و حقيته، و ما يعمل له و على مثال يتمثله في الذهن من الثمرة المقصودة لعمله، أو على مثال من سبقه من العالمين و المقربين، يَا مُوسَى مَا آمُرُكَ بِهِ فَاسْمَعْ وَ مَهْمَا أَرَاهُ فَاصْنَعْ خُذْ حَقَائِقَ التَّوْرَاةِ إِلَى صَدْرِكَ وَ تَيَقَّظْ بِهَا فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ لَا تُمَكِّنْ أَبْنَاءَ الدُّنْيَا مِنْ صَدْرِكَ فَيَجْعَلُونَهُ وَكْراً كَوَكْرِ الطَّيْرِو يحتمل أن يكون المراد بالعامل أعم ممن يعمل لحق أو باطل، فقوله تعالى" عَلىٰ بَصِيرَةٍ" المراد به أعم مما هو باليقين أو بالجهل المركب، و المراد بالمثال أعم من المضي على سبيل أهل الحق، و طريق أهل الضلال، و يحتمل أن يكون الواو في قوله:" و مثال" بمعنى أو أي كل عامل إما يعمل على بصيرة في الحق أو على مثال من سبق على وجه الضلال، فاختر لنفسك أيهما أخرى و أولى و" الارتياد": الطلب و" المبطلون" الذين يتبعون الباطل أو يبطلون أعمالهم بترك شرائطها أو فعل ما يحبطها.قوله تعالى:" ألق كفيك" أي في السجود على الأرض أو عند القيام بمعنى إرسالها.قوله تعالى" من فضلي و رحمتي" يطلق الفضل غالبا على النعم الدنيوية، و الرحمة على المثوبات الأخروية.قوله تعالى:" كيف رغبتك" أي رجاؤك و شوقك إلى ما تطلبه، ثم قوي الله تعالى رجاءه بأن لكل عامل جزاء، و لا ينبغي أن ييأس الكفور أيضا فإنه أيضا قد يجزى بما سعى.قوله تعالى:" عن الدنيا" أي معرضا عنها أو بالإعراض عنها، و الانطواء عنها: الاجتناب و الإعراض عنها، يقال: طوى كشحه عني: أي أعرض مهاجرا.قوله تعالى:" و مهما أراه فاصنع" أي كل وقت أرى و أعلم ما آمرك حسنا فافعل فيه أي أفعل الأوامر في أوقاتها التي أمرتك بأدائها فيها، أو المراد أفعلها في كل وقت، فإني أراه في كل حين أو كل شيء أراه لك خيرا فافعل.قوله تعالى:" و تيقظ بها" أي كن متيقظا متنبها متذكرا بحقائق التوراة في جميع الساعات أو أترك النوم لتلاوتها في ساعات الليل و النهار. يَا مُوسَى أَبْنَاءُ الدُّنْيَا وَ أَهْلُهَا فِتَنٌ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فَكُلٌّ مُزَيَّنٌ لَهُ مَا هُوَ فِيهِ وَ الْمُؤْمِنُ مَنْ زُيِّنَتْ لَهُ الْآخِرَةُ فَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا مَا يَفْتُرُ قَدْ حَالَتْ شَهْوَتُهَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ لَذَّةِ الْعَيْشِ فَادَّلَجَتْهُ بِالْأَسْحَارِ كَفِعْلِ الرَّاكِبِ السَّائِقِ إِلَى غَايَتِهِ يَظَلُّ كَئِيباً وَ يُمْسِي حَزِيناً فَطُوبَى لَهُ لَوْ قَدْ كُشِفَ الْغِطَاءُ مَا ذَا يُعَايِنُ مِنَ السُّرُورِقوله تعالى:" و لا تمكن أبناء الدنيا" أي لا تخطرهم ببالك و لا تشغل قلبك بالتفكر فيهم، و فيما هم فيه من نعيم الدنيا، فإنه إذا اعتدت ذلك و مكنت الشيطان من نفسك فيه يصير صدرك و كرا لذكرهم، و لا يمكنك إخراج حب أطوارهم عن صدرك، فيصير ذلك سببا لرغبتك إلى دنياهم، فتصير إلى مأواهم، و يحتمل أن يكون المراد عدم الإصغاء إلى كلام المفتونين بالدنيا الذاكرين لها فيجعلون الصدر وكرا لكلامهم الذي يوجب الافتتان بالدنيا.قوله:" ما يفتر" كلمة" ما" نافية، و ضمير شهوتها راجع إلى الآخرة.قوله تعالى:" فأدلجته" الإدلاج: السير بالليل و ظاهر العبارة أنه استعمل هنا متعديا بمعنى التسيير بالليل، و لم يأت فيما عندنا من كتب اللغة، قال الفيروزآبادي: الدلج محركة و الدلجة بالضم و الفتح: السير من أول الليل، و قد أدلجوا فإن ساروا من آخره فأدلجوا بالتشديد انتهى. و يمكن أن يكون على الحذف و الإيصال أي أدلجت الشهوة معه، و سيرته بالأسحار كالراكب الذي يسابق قرنه إلى الغاية التي يتسابقان إليها، و الغاية هنا الجنة و الفوز بالكرامة، و القرب و الحب و الوصال أو الموت و هو أظهر.قوله تعالى:" يظل كئيبا" الكآبة: الغم و سوء الحال و الانكسار من الحزن و المعنى أنه يكون في نهاره مغموما و في ليله محزونا لطلب الآخرة، و لما فاته من الطاعات و لكن لو كشف له الغطاء حتى يرى ما أعد له في الآخرة يحصل له من السرور ما لا يحصى. يَا مُوسَى الدُّنْيَا نُطْفَةٌ لَيْسَتْ بِثَوَابٍ لِلْمُؤْمِنِ وَ لَا نَقِمَةٍ مِنْ فَاجِرٍ فَالْوَيْلُ الطَّوِيلُ لِمَنْ بَاعَ ثَوَابَ مَعَادِهِ بِلَعْقَةٍ لَمْ تَبْقَ وَ بِلَعْسَةٍ لَمْ تَدُمْ وَ كَذَلِكَ فَكُنْ كَمَا أَمَرْتُكَ وَ كُلُّ أَمْرِي رَشَادٌ- يَا مُوسَى إِذَا رَأَيْتَ الْغِنَى مُقْبِلًا فَقُلْ ذَنْبٌ عَجِلَتْ لِي عُقُوبَتُهُ وَ إِذَا رَأَيْتَ الْفَقْرَ مُقْبِلًا فَقُلْ مَرْحَباً بِشِعَارِ الصَّالِحِينَ وَ لَا تَكُنْ جَبَّاراً ظَلُوماً وَ لَا تَكُنْ لِلظَّالِمِينَ قَرِيناً يَا مُوسَى مَا عُمُرٌ وَ إِنْ طَالَ يُذَمُّ آخِرُهُ وَ مَا ضَرَّكَ مَا زُوِيَ عَنْكَ إِذَا حُمِدَتْ مَغَبَّتُهُ يَا مُوسَى صَرَخَ الْكِتَابُ إِلَيْكَ صُرَاخاً بِمَا أَنْتَ إِلَيْهِ صَائِرٌ فَكَيْفَ تَرْقُدُ عَلَى هَذَا الْعُيُونُقوله تعالى:" الدنيا نطفة" أي ماء قليل مكدر، قال في القاموس: النطفة بالضم: الماء الصافي قل أو كثر، أو قليل ماء يبقى في دلو أو قربة، أي الدنيا شيء قليل لا يصلح نعمتها لحقارتها أن تكون ثوابا للمؤمن، و لا بلائها و شدتها لقلتها أن تكون عذابا و انتقاما من فاجر، و" اللعقة" بالفتح ما تلعقه و تلحسه بإصبعك أو بلسانك مرة واحدة، و" اللعس" بالفتح العض، و المراد هنا ما يقطعه بأسنانه من شيء مأكول مرة واحدة.قوله تعالى:" ما عمر و إن طال" إلخ. في بعض النسخ" و إن طال يدوم آخره" و هو ظاهر، و في بعضها" و إن طال ما يذم آخره" أو ليس عمر بذم آخره، و يكون آخره مذموما محسوبا من العمر، و على هذا كان الأظهر عمرا بالنصب بأن يكون خبر ما، و اسمه ما يذم، و في بعض النسخ" يذم" بدون كلمة" ما" فيحتمل أن تكون كلمة" ما" استفهامية أي أي شيء عمر يذم آخره و إن طال، أو نافيته بتقدير الخير، أي ليس عمر يذم آخره بعمر، و على الأول يحتمل أن تكون كلمتا" ما" كلتاهما نافيتين، أي لا يكون عمر لا يذم آخره بالانقطاع و الفناء.قوله تعالى:" و ما ضرك ما زوى عنك" أي أخذ منك و نقص من العمر أو الأعم إذا حمدت مغبته أي عاقبته أي كانت عاقبته محمودة.قوله تعالى:" فكيف ترقد" أي تنام قوله:" و من دون هذا" أي أقل من هذا أَمْ كَيْفَ يَجِدُ قَوْمٌ لَذَّةَ الْعَيْشِ لَوْ لَا التَّمَادِي فِي الْغَفْلَةِ وَ الِاتِّبَاعُ لِلشِّقْوَةِ وَ التَّتَابُعُ لِلشَّهْوَةِ وَ مِنْ دُونِ هَذَا يَجْزَعُ الصِّدِّيقُونَ يَا مُوسَى مُرْ عِبَادِي يَدْعُونِي عَلَى مَا كَانَ بَعْدَ أَنْ يُقِرُّوا لِي أَنِّي أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ مُجِيبُ الْمُضْطَرِّينَ وَ أَكْشِفُ السُّوءَ وَ أُبَدِّلُ الزَّمَانَ وَ آتِي بِالرَّخَاءِ وَ أَشْكُرُ الْيَسِيرَ وَ أُثِيبُ الْكَثِيرَ وَ أُغْنِي الْفَقِيرَ وَ أَنَا الدَّائِمُ الْعَزِيزُ الْقَدِيرُ فَمَنْ لَجَأَ إِلَيْكَ وَ انْضَوَى إِلَيْكَ مِنَ الْخَاطِئِينَ فَقُلْ أَهْلًا وَ سَهْلًا يَا رَحْبَ الْفِنَاءِ بِفِنَاءِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ كُنْ لَهُمْ كَأَحَدِهِمْ وَ لَا تَسْتَطِلْ عَلَيْهِمْ بِمَا أَنَا أَعْطَيْتُكَ فَضْلَهُ وَ قُلْ لَهُمْ فَلْيَسْأَلُونِي مِنْ فَضْلِي وَ رَحْمَتِي فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ غَيْرِي وَ أَنَا ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ طُوبَى لَكَ يَا مُوسَى كَهْفُ الْخَاطِئِينَ وَ جَلِيسُ الْمُضْطَرِّينَ وَ مُسْتَغْفَرٌ لِلْمُذْنِبِينَ إِنَّكَلتذكار الذي صرح و صاح به الكتاب، يكفي لجزع الصديقين، أي الكاملين في تصديق الأنبياء.قوله تعالى:" على ما كان" أي لأي أمر كان سواء كان حقيرا أو خطيرا.قوله تعالى:" و أثيب الكثير" صفة للمصدر المحذوف أي أثيب الثواب الكثير، من قبيل رجعت القهقرى أو أثيب على العمل الكثير.قوله تعالى:" انضوى إليك" قال الجزري: فيه" ضوى إليه المسلمون" أي مالوا، يقال: ضوى إليه ضيا و ضويا و انضوى إليه و يقال ضواه إليه و أضواه.قوله:" أهلا" أي صادفت أهلا لا غرباء، و وطأت سهلا لا حزنا.قوله تعالى:" يا رحب الفناء" الرحب: الواسع و فناء الدار ككساء: ما اتسع من أمامها أي يا من فناؤه الذي نزل به رحب، و قوله" بفناء" متعلق بمقدر أي نزلت بفناء، و في كتاب تحف العقول" يا رحب الفناء، نزلت بفناء رب العالمين" و هو الأصوب، و ليس في ذلك الكتاب بعد قوله- العظيم. قوله- طوبى لك يا موسى- فيكون- قوله- كهف الخاطئين إلى آخره من أوصافه تعالى.قوله:" بما ليس منك مبتدأة" أي لا تتكبر على العباد بما أعطاكه غيرك. مِنِّي بِالْمَكَانِ الرَّضِيِّ فَادْعُنِي بِالْقَلْبِ النَّقِيِّ وَ اللِّسَانِ الصَّادِقِ وَ كُنْ كَمَا أَمَرْتُكَ أَطِعْ أَمْرِي وَ لَا تَسْتَطِلْ عَلَى عِبَادِي بِمَا لَيْسَ مِنْكَ مُبْتَدَاهُ وَ تَقَرَّبْ إِلَيَّ فَإِنِّي مِنْكَ قَرِيبٌ فَإِنِّي لَمْ أَسْأَلْكَ مَا يُؤْذِيكَ ثِقَلُهُ وَ لَا حَمْلُهُ إِنَّمَا سَأَلْتُكَ أَنْ تَدْعُوَنِي فَأُجِيبَكَ وَ أَنْ تَسْأَلَنِي فَأُعْطِيَكَ وَ أَنْ تَتَقَرَّبَ إِلَيَّ بِمَا مِنِّي أَخَذْتَ تَأْوِيلَهُ وَ عَلَيَّ تَمَامُ تَنْزِيلِهِ يَا مُوسَى انْظُرْ إِلَى الْأَرْضِ فَإِنَّهَا عَنْ قَرِيبٍ قَبْرُكَ وَ ارْفَعْ عَيْنَيْكَ إِلَى السَّمَاءِ فَإِنَّ فَوْقَكَ فِيهَا مَلِكاً عَظِيماً وَ ابْكِ عَلَى نَفْسِكَ مَا دُمْتَ فِي الدُّنْيَا وَ تَخَوَّفِ الْعَطَبَ وَ الْمَهَالِكَ وَ لَا تَغُرَّنَّكَ زِينَةُ الدُّنْيَا وَ زَهْرَتُهَا وَ لَا تَرْضَ بِالظُّلْمِ وَ لَا تَكُنْ ظَالِماً فَإِنِّي لِلظَّالِمِ رَصِيدٌ حَتَّى أُدِيلَ مِنْهُ الْمَظْلُومَ يَا مُوسَى إِنَّ الْحَسَنَةَ عَشَرَةُ أَضْعَافٍ وَ مِنَ السَّيِّئَةِ الْوَاحِدَةِ الْهَلَاكُ لَا تُشْرِكْ بِي لَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تُشْرِكَ بِي قَارِبْ وَ سَدِّدْ وَ ادْعُ دُعَاءَ الطَّامِعِ الرَّاغِبِ فِيمَا عِنْدِي النَّادِمِ عَلَىقوله تعالى:" فإن فوقك فيها ملكا عظيما" بفتح الميم و كسر اللام أي العظيم تعالى شأنه، نسبته إلى السماء، لأن ثوابه و جنته و تقديراته و عجائب صنعه فيها، أو بضم الميم و سكون اللام أي ملك السماء ملك عظيم يستدل. بها على عظمة مالكها و صانعها.قوله تعالى:" و تخوف العطب" هو بالتحريك: الهلاك.قوله تعالى:" رصيد" أي رقيب منتظر لجزائه، و في تحف العقول" بمرصد".قوله تعالى:" حتى أديل منه المظلوم" أي أغلب المظلوم عليه.قوله تعالى:" و من السيئة الواحدة الهلاك" المراد أن الله تعالى يعطي للحسنة عشرة أضعافها، و يجازي بالسيئة واحدة، و مع ذلك أكثر الناس يهلكون بفعل السيئات، بأن يزيد سيئاتهم على عشرة أمثال حسناتهم، كما ورد في الخبر، ويل لمن غلب آحاده أعشاره.قوله تعالى:" قارب و سدد" قال في النهاية: و فيه" سددوا و قاربوا" أي اقتصدوا مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ فَإِنَّ سَوَادَ اللَّيْلِ يَمْحُوهُ النَّهَارُ وَ كَذَلِكَ السَّيِّئَةُ تَمْحُوهَا الْحَسَنَةُ وَ عَشْوَةُ اللَّيْلِ تَأْتِي عَلَى ضَوْءِ النَّهَارِ وَ كَذَلِكَ السَّيِّئَةُ تَأْتِي عَلَى الْحَسَنَةِ الْجَلِيلَةِ فَتُسَوِّدُهَا[وصية و موعظة لإبي عبد الله الصادق (عليه السلام) الحديث 9]9 عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ وَ حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكِنْدِيِّ جَمِيعاً عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْمِيثَمِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ قَالَ قَرَأْتُ جَوَاباً مِنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ ضَمِنَ لِمَنِ اتَّقَاهُ أَنْ يُحَوِّلَهُ عَمَّا يَكْرَهُ إِلَى مَا يُحِبُّ وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لٰا يَحْتَسِبُفَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَخَافُ عَلَى الْعِبَادِ مِنْ ذُنُوبِهِمْ وَ يَأْمَنُ الْعُقُوبَةَ مِنْ ذَنْبِهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يُخْدَعُ عَنْ جَنَّتِهِ وَ لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُفي الأمور كلها، و اتركوا الغلو فيها، و التقصير يقال: قارب فلان في الأمور إذا اقتصد، و قال: في السين و الدال فيه" قاربوا" و سددوا أي اطلبوا بأعمالكم السداد و الاستقامة، و هو القصد في الأمر و العدل فيه.قوله تعالى:" و عشوة" بالعين المهملة مفتوحة و هي ما بين أول الليل إلى ربعه، أو مضمومة و هي ظلمة الليل أو بالمعجمة مثلثة أي غطاء الليل بالإضافة البيانية.قوله (عليه السلام):" يخاف على العباد من ذنوبهم" يخاف على المعلوم أي يعلم قبح ذنوب العباد و يحكم بكونهم في معرض العقاب، و يغفل عن ذنوب نفسه و لا يخاف العقوبة على ما يعلم منها، و يمكن أن يقرأ على البناء للمفعول أي له ذنوب يخاف على الناس العقوبة بذنوبه، و هو آمن، لكن يأبى منه إفراد الضمائر في الفقرة الثانية.قوله (عليه السلام):" لا يخدع عن جنته" أي لا يمكن دخول الجنة بالخدعة، بل بالطاعة الواقعية.
[مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول] · موسوعة الغيبة والظهور