⟨وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ وَ رَأْيِهِ فَهُوَ مَأْمُونٌ عِنْدَ مَنْ يَجْهَلُهُ غَيْرُ الْمُتَّهَمِ عِنْدَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ فَمَا أَشْبَهَ هَؤُلَاءِ بِأَنْعَامٍ قَدْ غَابَ عَنْهَا رِعَاؤُهَا وَ وَا أَسَفَى مِنْ فَعَلَاتِ شِيعَتِي مِنْ بَعْدِ قُرْبِ مَوَدَّتِهَا الْيَوْمَ كَيْفَ يَسْتَذِلُّ بَعْدِي بَعْضُهَا بَعْضاً وَ كَيْفَ يَقْتُلُ بَعْضُهَا بَعْضاً الْمُتَشَتِّتَةِ غَداً عَنِ الْأَصْلِ النَّازِلَةِ بِالْفَرْعِ الْمُؤَمِّلَةِ الْفَتْحَ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ كُلُّ حِزْبٍ مِنْهُمْ آخِذٌ مِنْهُ بِغُصْنٍ أَيْنَمَا مَالَ الْغُصْنُ مَالَ مَعَهُ مَعَ أَنَّ اللَّهَ وَ لَهُ الْحَمْدُ سَيَجْمَعُ هَؤُلَاءِ لِشَرِّ يَوْمٍ لِبَنِي أُمَيَّةَ كَمَا يَجْمَعُ⟩
وكله الله إلى نفسه و رأيه" أي بسبب إعراضه عن الحق، و تركه لأهله" فهو مأمون عند من يجهله" و" غير المتهم عند من لا يعرفه" خبر للموصول، و الغرض بيان أن حسن ظن الناس و العوام بهم إنما هو لجهلهم بضلالتهم و جهالتهم، و يحتمل أن يكون المراد بالموصول أئمة من قد ذمهم سابقا، لا أنفسهم" فما أشبه هؤلاء" أي هذه الفرق الضالة المختلفة" بإنعام قد غاب عنها رعاؤها" هي جمع الراعي" و وا أسفا من فعلات شيعتي" أي من تتبعني اليوم ظاهرا" من بعد قرب مودتها اليوم" ظرف للقرب" كيف يستذل بعدي بعضها بعضا" كما تفرقوا عن أئمة الحق، و توسلوا بأئمة الجور" و كيف يقتل بعضها بعضا المتشتتة غدا عن الأصل" أي هم الذين يتفرقون عن أئمة الحق و لا ينصرونهم" النازلة بالفرع" أي يتعلقون بالأغصان، و الفروع التي لا ينفع التعلق بها بدون التشبث بالأصل كما أنهم بعد تفرقهم عن الأئمة (عليهم السلام) تبعوا كل من ادعى حقا، و إن لم يكن محقا، كمختار و أبي مسلم، و زيد و يحيى، و محمد، و إبراهيم، و غيرهم" المؤملة الفتح من غير جهته" أي من غير الجهة التي يرجى منها الفتح، إذ صاروا بعد خروجهم مغلوبين مقتولين، أو من غير الجهة التي أمروا بالاستفتاح منها، فإنه كان خروجهم بغير إذن الأئمة (عليهم السلام) معصية" كل حزب منهم آخذ بغصن، أين ما مال الغصن مال معه" أي لتفرقهم عن أئمة الحق صاروا شعبا شتى كل منهم آخذ بغصن من أغصان شجرة الحق بزعمهم، ممن يدعي الانتساب إلى أهل البيت (عليهم السلام) مع تركهم الأصل" مع أن الله و له الحمد سيجمع هؤلاء" أي هؤلاء الأحزاب المتشتتة" لشر يوم لبني أمية" قَزَعَ الْخَرِيفِ يُؤَلِّفُ اللَّهُ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَجْعَلُهُمْ رُكَاماً كَرُكَامِ السَّحَابِ ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَاباً يَسِيلُونَ مِنْ مُسْتَثَارِهِمْ كَسَيْلِ الْجَنَّتَيْنِ سَيْلَ الْعَرِمِ حَيْثُ بَعَثَ عَلَيْهِ قَارَةً فَلَمْ يَثْبُتْإشارة إلى اجتماعهم على أبي مسلم الخراساني لدفع بني أمية، و قد ظفروا بذلك، لكن دفعوا لفاسد بالأفسد و سلطوا أولاد العباس على أئمة الحق" كما يجمع قزع الخريف، يؤلف الله بينهم ثم يجعلهم ركاما كركام السحاب" في نهج البلاغة" كما تجتمع" قال الجزري في حديث الاستسقاء" و ما في السماء قرعة" أي قطعة من الغيم و جمعها قزع، و منه حد على" فتجتمعون إليه كما يجتمع قزع الخريف" أي قطع السحاب المتفرقة، و إنما خص الخريف لأنه أول الشتاء، و السحاب يكون فيه متفرقا غير متراكم و لا مطبق، ثم يجتمع بعضه إلى بعض بعد ذلك، و قال: الركام:السحاب المتراكب بعضه فوق بعض.أقول: نسبة هذا التأليف إليه تعالى مع أنه لم يكن برضاه على سبيل المجاز تشبيها لعدم منعهم عن ذلك و تمكينهم من أسبابه، و تركهم و اختيارهم بتأليفهم، و حثهم عليه، و مثل هذا كثير في الآيات و الأخبار" ثم يفتح لهم أبوابا يسئلون من مستثارهم، كسيل الجنتين سيل العرم، حيث بعث عليه فأرة فلم يثبت عليه أكمة" فتح الأبواب كناية عما هيئ لهم من أسبابهم، و ما سنح لهم من تدابيرهم المصيبة، و من اجتماعهم و عدم تخاذلهم، و المستثار موضع ثوراتهم، أي هيجانهم و وثبهم و نهوضهم، و شبه (عليه السلام) تسلط هذا الجيش عليهم بسوء أعمالهم بما سلط الله على أهل سبأ بعد إتمام النعمة عليهم، لكفرانهم و عصيانهم، كما قال تعالى:" لَقَدْ كٰانَ لِسَبَإٍ" لأولاد سبأ بن يسحب بن يعرب بن قحطان" فِي مَسْكَنِهِمْ" في موضع سكناهم، و هو باليمن يقال له مأرب" آيَةٌ" علامة دالة على وجود الصانع المختار، و أنه قادر على ما يشاء" جَنَّتٰانِ" بدل من آية، أو خبر محذوف تقديره الآية جنتان" عَنْ يَمِينٍ وَ شِمٰالٍ" جماعة عن يمين بلدهم، و جماعة عن شماله، كل واحدة منهما في تقاربهما و تضايقها كأنه جنة واحدة، أو بستانا كل رجل منهم عن يمين مسكنه و عن شماله.........." كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ" حكاية لما قال لهم نبيهم أو لسان الحال أو دلالة بأنهم كانوا أحقاء بأن يقال لهم ذلك" بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ" استئناف للدلالة على موجب الشكر" فَأَعْرَضُوا" عن الشكر" فَأَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ" سيل الأمر العرم:أي الصعب من عرم الرجل فهو عارم إذا شرس خلقه و صعب، أو المطر الشديد أو الجرد أضاف إليه لأنه نقب عليهم سكرا ضربت لهم بلقيس، كما رواه البغوي" أن بلقيس لما ملكت سبأ كانوا يقتتلون على ماء واديهم، و كان يأتيهم السيل من بعيد، فيؤذيهم سدت بلقيس ما بين الجبلين، بسد فيه أبواب بعضها فوق بعض، و جعلت بركة لها اثني عشر مخرجا كعدد أنهارهم التي يسقون بها بساتينهم، و إذا استغنوا سدوها فإذا جاء السيل احتبس وراء السد، فأخصبت بلادهم و كثرت نعمتهم، حتى قيل: إن المرأة كانت تخرج و على رأسها المكتل فتعمل بيديها و تسير بين تلك الشجر فيمتلي المكتل مما يتساقط فيه من الثمر، و كان الرجل يمر ببلدهم في ثيابه القمل فتموت القمل كلها من طيب الهواء".و قال علي بن إبراهيم: كانت لهم جنات عن يمين، و شمال مسيرة عشرة أيام، فمن يمر لا تقع عليه الشمس من التفافها، فلما عملوا بالمعاصي و عتوا عن أمر ربهم و نهاهم الصالحون، فلم ينتهوا بعث الله على ذلك السد الجرذ، و هي الفأرة الكبيرة فكانت تقلع الصخرة التي لا يستقلها الرجل، و ترمي به فلما رأى ذلك قوم منهم هربوا و تركوا البلاد، فما زال الجرذ تقلع الحجر حتى خرب ذلك السد، فلم يشعروا حتى غشيهم السيل، و خرب بلادهم و قلع أشجارهم و قيل العرم: اسم للمسناة التي عقدت سكرا، على أنه جمع عرمة، و هي الحجارة المركومة، و قيل اسم واد جاء السيل من قبله" وَ بَدَّلْنٰاهُمْ ﴿بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوٰاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾" أي ثمر بشع و قيل: الأراك أو كل شجر لا شوك له" وَ أَثْلٍ وَ شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ" و الأثل: هو الطرفاء فعلى ما في الكتاب من قوله:" حيث بعث عليه فأرة" إشارة إلى ما فسر، و ضمير.........." عليه" إما راجع إلى السيل فعلى تعليلية أو إلى العرم، إذا فسر بالسد و في بعض النسخ نقب بالنون و القاف و الباء الموحدة فقوله فأرة مرفوع بالفاعلية، و في نهج البلاغة كسيل الجنتين حيث لم تسلم عليه فأرة، و لم تثبت له أكمة. و الفأرة:الجبل الصغير، و الأكمة هي الموضع الذي يكون أشد ارتفاعا مما حوله، و هو غليظ لا يبلغ أن يكون حجرا، أو التل من حجارة واحدة أو هي دون الجبال. و الحاصل: بيان شدة السيل المشبه به بأنه أحاط بالجبال، و ذهب بالتلال و لم يمنعه شيء" و لم يرد سننه رص طود" السنن: الطريق و الرص: التصاق الأجزاء بعضها ببعض، و الطود: الجبل أي لم يرد طريقه طود مرصوص، أي جبل اشتد التصاق أجزائه بعضها ببعض، و في النهج بعد ذلك: و لا حداب أرض هي جمع حدبة، و هي المكان المرتفع، و لما بين (عليه السلام) شدة المشبه به أخذ في بيان شدة المشبه فقال:" يذعذعهم الله في بطون أو دية" الذعذعة بالذالين المعجمتين، و العينين المهملتين: التفريق أي يفرقهم الله في السيل متوجهين إلى البلاد" ثم يسلكهم يَنٰابِيعَ فِي الْأَرْضِ" من ألفاظ القرآن أي كما أن الله تعالى ينزل الماء من السماء فيستكن في أعماق الأرض ثم يظهره ينابيع إلى ظاهرها كذلك هؤلاء يفرقهم الله في بطون الأودية، و غوامض الأغوار ثم يظهرهم بعد الاختفاء، كذا ذكره ابن أبي الحديد، و الأظهر أنه بيان لاستيلائهم على البلاد و تفرقهم فيها و ظهورهم في كل البلاد، و حصول أعوانهم من سائر العباد فكما أن مياه الأنهار و وفورها توجب وفور مياه العيون و الآبار، فكذلك يظهر أثر هؤلاء في كل البلاد و تكثر أعوانهم في جميع الأقطار، و كل ذلك ترشيح لما سبق من التشبيه" يأخذ بهم من قوم" أي بني أمية" حقوق قوم" أي أهل البيت (عليهم السلام) للانتقام من أعدائهم، و إن لم يصل إليهم" و يمكن لقوم" أي لبني العباس" لديار قوم" أي بني أمية و في بعض النسخ [و يمكن لهم قوما ديار قوم] و في النهج" و يمكن لقوم في ديار قوم" و المال واحد الْأَرْضِيَأْخُذُ بِهِمْ مِنْ قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْمٍ وَ يُمَكِّنُ بِهِمْ قَوْماً فِي دِيَارِ قَوْمٍ تَشْرِيداً لِبَنِي أُمَيَّةَ وَ لِكَيْلَا يَغْتَصِبُوا مَا غَصَبُوا يُضَعْضِعُ اللَّهُ بِهِمْ رُكْناً وَ يَنْقُضُ بِهِمْ طَيَّ الْجَنَادِلِ مِنْ إِرَمَ وَ يَمْلَأُ مِنْهُمْ بُطْنَانَ الزَّيْتُونِ فَوَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ لَيَكُونَنَّ ذَلِكَ وَ كَأَنِّيفي الكل" تشريدا لبني أمية.و لكيلا يغتصبوا ما غصبوا" التشريد: التفريق و الطرد" و الاغتصاب بمعنى الغصب، و لعل المراد أن الغرض من استيلاء هؤلاء ليس إلا تفريق بني أمية و دفع ظلمهم" يضعضع الله بهم ركنا" قال الفيروزآبادي: ضعضعه: هدمه حتى الأرض أي يهدم الله بهم ركنا وثيقا عظيما هو أساس دولة بني أمية" و ينقض بهم طي الجنادل من إرم" الجنادل: جمع جندل و هو ما يقله الرجل من الحجارة، أي ينقض الله و يكسر بهم البنيان التي طويت، و بنيت بالجنادل و الأحجار من بلاد إرم، و هي دمشق و الشام، إذ كان مستقر ملكهم في أكثر الأزمان تلك البلاد لا سيما زمانه (عليه السلام).قال الفيروزآبادي: إرم ذات العماد: دمشق أو الإسكندرية، أو موضع بفارس، و في بعض النسخ [على الجنادل]" و يملأ منهم بطنان الزيتون" قال الجزري:فيه" ينادي مناد من بطنان العرش" أي من وسطه، و قيل: من أصله، و قيل:البطنان جمع بطن: و هو الغامض من الأرض، يريد من دواخل العرش.و قال الفيروزآبادي: الزيتون: مسجد دمشق أو جبال الشام، و بلد بالصين، و المعنى إن الله يملأ منهم وسط مسجد دمشق أو دواخل جبال الشام، و الغرض من الفقرتين بيان استيلاء هؤلاء القوم على بني أمية في وسط ديارهم و الظفر عليهم في محل استقرارهم، و أنه لا ينفعهم بناء و لا حصن في التحرز منهم" فو الذي فلق الحبة" فأخرج منها أنواع النبات" و برء النسمة" أي أصناف ذوي الحياة ليكونن ذلك و كأني أسمع صهيل خيلهم" الصهيل: كأمير صوت الفرس" و طمطمة رجالهم" قال الفيروزآبادي رجل طمطم، و طمطمي بكسرهما و طمطماني بالضم: في لسانه عجمة، و قال الجزري في أَسْمَعُ صَهِيلَ خَيْلِهِمْ وَ طَمْطَمَةَ رِجَالِهِمْ وَ ايْمُ اللَّهِ لَيَذُوبَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ بَعْدَ الْعُلُوِّ وَ التَّمْكِينِ فِي الْبِلَادِ كَمَا تَذُوبُ الْأَلْيَةُ عَلَى النَّارِ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مَاتَ ضَالًّا وَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ يُفْضِي مِنْهُمْ مَنْ دَرَجَ وَ يَتُوبُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى مَنْ تَابَ وَ لَعَلَّ اللَّهَ يَجْمَعُ شِيعَتِي بَعْدَ التَّشَتُّتِ لِشَرِّ يَوْمٍ لِهَؤُلَاءِ وَ لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ الْخِيَرَةُ بَلْ لِلَّهِ الْخِيَرَةُ وَ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الْمُنْتَحِلِينَ لِلْإِمَامَةِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا كَثِيرٌ وَ لَوْ لَمْ تَتَخَاذَلُوا عَنْ مُرِّ الْحَقِّصفة قريش (ليس فيهم طمطمانية حمير) شبه كلام حمير لما فيه من الألفاظ المنكرة بكلام العجم يقال رجل أعجم طمطمي و قد طمطم في كلامه و أشار (عليه السلام) بذلك إلى أن أكثر عسكرهم من العجم، لأن عسكر أبي مسلم كان من خراسان" و أيم الله ليذوبن ما في أيديهم بعد العلو و التمكين في البلاد كما تذوب الألية على النار" الظاهر أن هذا أيضا من تتمة بيان انقراض ملك بنو أمية، و سرعة زواله، و يحتمل أن يكون إشارة إلى انقراض هؤلاء الغالبين من بني عباس" من مات منهم مات ضالا و إلى الله تعالى يقضي منهم من درج" و في النسخ يفضي بالفاء، أي يوصل، و بالقاف بمعنى القضاء و المحاكمة أو الإنهاء و الإيصال كما في قوله تعالى:" وَ قَضَيْنٰا إِلَيْهِ ذٰلِكَ الْأَمْرَ" و درج الرجل أي مشى و درج أيضا بمعنى مات، و يقال: درج القوم أي انقرضوا، و الظاهر أن المراد به هنا الموت، أي من مات ضالا و أمره إلى الله يعذبه كيف يشاء، و يحتمل المشي أيضا أي من بقي منهم فعاقبة الفناء، و الله يقضي فيه يعلمه" و يتوب الله عز و جل على من تاب" أي من أعوانهم و أحزابهم" و لعل الله يجمع شيعتي بعد التشتت لشر يوم لهؤلاء" إشارة إلى زمان القائم (عليه السلام) " و ليس لأحد على الله عز و جل الخيرة بل لله الخيرة و الأمر جميعا" أي ليس لأحد أن يشير بأمر على الله إن هذا خير ينبغي أن تفعله، بل له أن يختار من الأمور ما يشاء بعلمه، و له الأمر يأمر بما يشاء في جميع الأشياء" أيها الناس إن المنتحلين للإمامة من غير أهلها كثير" أي فلا تصدقوا كل مدع و لا تتبعوه، و لو لم تتخاذلوا عن مر الحق، أي وَ لَمْ تَهِنُوا عَنْ تَوْهِينِ الْبَاطِلِ لَمْ يَتَشَجَّعْ عَلَيْكُمْ مَنْ لَيْسَ مِثْلَكُمْ وَ لَمْ يَقْوَ مَنْ قَوِيَ عَلَيْكُمْ وَ عَلَى هَضْمِ الطَّاعَةِ وَ إِزْوَائِهَا عَنْ أَهْلِهَا لَكِنْ تِهْتُمْ كَمَا تَاهَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى عَهْدِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ (عليه السلام) وَ لَعَمْرِي لَيُضَاعَفَنَّ عَلَيْكُمُ التِّيهُ مِنْ بَعْدِي أَضْعَافَ مَا تَاهَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَ لَعَمْرِي أَنْ لَوْ قَدِ اسْتَكْمَلْتُمْ مِنْ بَعْدِي مُدَّةَ سُلْطَانِ بَنِي أُمَيَّةَ لَقَدِ اجْتَمَعْتُمْ عَلَى السُّلْطَانِ الدَّاعِي إِلَى الضَّلَالَةِ وَ أَحْيَيْتُمُ الْبَاطِلَ وَ خَلَّفْتُمُ الْحَقَّ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَ قَطَعْتُمُ الْأَدْنَىالحق الذي هو مر أو خالص الحق فإنه مر و اتباعه صعب، و في النهج: عن نصر الحق" و لم تهنوا عن توهين الباطل" أي لم تضعفوا عن تحقير الباطل و أضعافه،" لم يتشجع عليكم من ليس مثلكم" و في النهج: لم يطمع فيكم" و لم يقومن قوي عليكم، و على هضم الطاعة" أي كسرها" و إزوائها عن أهلها" يقال زوى الشيء عنه: أي صرفه و نحاه، و لم أظفر بهذا البناء فيما اطلعت عليه من كتب اللغة" لكن تهتم كما تاهت بنو إسرائيل على عهد موسى" أي كما تاهوا في خارج المصر أربعين سنة، يتيهون و يتحيرون في الأرض، ليس لهم مخرج بسبب عصيانهم، و تركهم الجهاد، فكذا أصحابه تحيروا في أديانهم و أعمالهم لما لم ينصروه و لم يعينوه على عدوه كما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: لتركبن سنين من كان قبلكم حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه.و في النهج: و لكنكم تهتم متاه بني إسرائيل و لعمري ليضاعفن عليكم التيه من بعدي أضعاف ما تاهت بنو إسرائيل. يحتمل أن يكون المراد بالمشبه به هنا تحير قوم موسى بعده في دينهم و يمكن أن يراد به تحيرهم في الأرض في حياته (عليه السلام) كالسابق، و على التقديرين المراد بالمضاعفة إما المضاعفة بحسب الشدة، و كثرة الحيرة، أو بحسب الزمان، فإن حيرتهم كانت أربعين سنة و الناس إلى الآن متحيرون تائهون في أديانهم و أحكامهم" و لعمري أن لو قد استكملتم مدة سلطان بني أمية لقد اجتمعتم على سلطان الداعي إلى الضلالة، أي الداعي إلى بني عباس" و أحييتم الباطل" أي مرة ثانية" و خلفتم الحق وراء ظهوركم" أي متابعة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) " و قطعتم مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَ وَصَلْتُمُ الْأَبْعَدَ مِنْ أَبْنَاءِ الْحَرْبِ- لِرَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ لَعَمْرِي أَنْ لَوْ قَدْ ذَابَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ لَدَنَا التَّمْحِيصُ لِلْجَزَاءِ وَ قَرُبَ الْوَعْدُ وَ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَ بَدَا لَكُمُ النَّجْمُ ذُو الذَّنَبِالأدنى من أهل بدر" أي الأدنين إلى الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) نسبا الناصرين له في غزوة بدر و هي أعز غزوات الإسلام، يعني نفسه و أولاده (صلوات الله عليهم) " و وصلتم إلا بعد من أبناء الحرب لرسول الله" أي أولاد العباس، فإنهم كانوا أبعد نسبا عن الرسول من أهل البيت (عليهم السلام)، و كان جدهم العباس ممن حارب الرسول (صلى الله عليه و آله) في غزوة بدر، حتى أسر." و لعمري أن لو قد ذاب ما في أيديهم" أي لو ذهب ملك بني العباس، لدنى التمحيص للجزاء أي قرب قيام القائم و التمحيص الابتلاء و الاختبار، أي يبتلي الناس و يختبرون بقيامه (عليه السلام) ليجزي الكافرين، و يعذبهم في الدنيا قبل نزول عذاب الآخرة بهم.و يمكن أن يكون المراد تمحيص جميع الخلق لجزائهم في الآخرة إن خيرا فخيرا، و إن شرا فشرا، و قرب الوعد أي وعد الفرج، و انقضت المدة أي قرب انقضاء مدة دولة أهل الباطل" و بدا لكم النجم ذو الذنب" و هو من علامات ظهور القائم (عليه السلام)، و يحتمل أن يكون إشارة إلى ذات ذنب ظهرت في سنة تسع و ثلاثين و ثمانمائة هجرية، و الشمس في أوائل الميزان بقرب الإكليل الشمالي كانت تطلع و تغيب معه لا تفارقه، ثم بعد مدة ظهر أن لها حركة خاصة بطيئة فيما بين المغرب و الشمال، و كان يصغر جرمها و يضعف ضوؤها بالتدريج حتى انمحت بعد ثمانية أشهر تقريبا، و قد بعدت عن الإكليل في الجهة المذكورة، قدر ذراع، لكن قوله (عليه السلام):" من قبل المشرق" يأبى عنه إلا بتكلف، و قد ظهر في زماننا في سنة خمس و سبعين و ألف ذو ذؤابة فيما بين القبلة و المشرق، و مكث أشهرا ثم ظهر أول الليل في جانب المشرق و قد ضعف ثم بعد أيام انمحى، و كانت له حركة على التوالي لا على نظام معلوم، مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ وَ لَاحَ لَكُمُ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَرَاجِعُوا التَّوْبَةَ وَ اعْلَمُوا
[مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول] · موسوعة الغيبة والظهور