⟨فِيهَا مُفْسِدٌ فَيُخْبِرَ عَنْ فَسَادِهَا لَا يُدْرَى لِلذَّكَرِ خُلِقَتْ أَمْ لِلْأُنْثَى تَنْفَلِقُ عَنْ مِثْلِ أَلْوَانِ الطَّوَاوِيسِ أَ تَرَى لَهَا مُدَبِّراً⟩
أَبِي سَعِيدٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ كَفَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ بِخَلْقِ الرَّبِّ الْمُسَخِّرِبعض صفات الممكنات عنه تعالى هاهنا على سبيل التمثيل، و لا يحس أي ليس من شأنه أن يدرك بحاسة البصر كما ذكره بعض أهل اللغة، أو أعم منه، و لا يجس أي لا يمكن مسه باليد، قال في القاموس: الجس المس باليد كالإجساس و لا يدرك بالحواس الخمس أي الظاهرة، لتجرده و خلوه عن الكيفيات مطلقا لا سيما المحسوسة، فهذا من قبيل التعميم بعد التخصيص.ثم نفي كونه محسوسا بالحواس الباطنة بقوله لا تدركه الأوهام، لأن الوهم رئيس الحواس الباطنة، يدرك بعض الجزئيات بواسطة بعض الحواس كالصور الجزئية بوساطة الحس المشترك و يدرك المعاني الجزئية المادية بلا واسطة فنفى كونه مدركا بالوهم يستلزم كونه غير مدرك بشيء من الحواس الباطنة مع أنه في اللغة يطلق الوهم على جميع الحواس الباطنة، بل على ما يعم العقل أيضا أحيانا.و لا تنقصه الدهور: أي بالهرم و ضعف القوي، و نحو ذلك، و لا تغيره الأزمان بحصول الأوصاف الخالية عنها فيه أو بزوال الأوصاف الحاصلة فيه عنه، و قيل: المراد نفي الدهر عنه و هو ظرف الثابت بالنسبة إلى المتغير، و نفي الزمان عنه، و هو ظرف نسبة المتغير إلى المتغير.الحديث السابع مجهول." كفى لأولي الألباب" أي لأرباب العقول، و المراد بالخلق أما الإنشاء و الإبداع أو المخلوق، و قيل: المراد به التقدير من خلقت الأديم إذا قدرته، و على الأول و الثالث فالمسخر اسم فاعل صفة للخلق أو الرب، و على الثاني اسم مفعول صفة للخلق، و يحتمل وَ مُلْكِ الرَّبِّ الْقَاهِرِ وَ جَلَالِ الرَّبِّ الظَّاهِرِ وَ نُورِ الرَّبِّ الْبَاهِرِ وَ بُرْهَانِ الرَّبِّعلى الأول و الثالث أيضا ذلك بأن يكون مفعولا للخلق لكنه بعيد جدا و لا ريب في أن كل مخلوق مقهور مذلل تحت قدرة خالقه و قاهره لا يملك لنفسه ما يخلصه من القهر و الغلبة فهو مسخر له، فهذا استدلال بالآثار مطلقا على المؤثر، و يحتمل أن يكون مراده (عليه السلام) الاستدلال بالخلق المسخر المتحرك بالاضطرار كالشمس و القمر و نحو هما على وجود قاهر يقهره بالغلبة و العز و السلطنة، فهو إله و مستحق لأن يعبد، و الملك بالضم السلطنة و العز و الغلبة، و القاهر صفة للملك أو الرب، و هذا استدلال بملكوت السماوات و الأرض، و أنه لا تبدل حكمته الوسائل، و يعجز عن معارضته من سواه، على وجود الرب القادر على كل شيء، و الجلال: العظمة و الرفعة و العلو و الظاهر بمعنى البين و الغالب، أو بمعنى العالم بالأمور، و على الأول صفة للجلال، و على الأخيرين صفة للرب فهو استدلال بعظمته في مخلوقاته، أي خلقه أمورا عظيمة على وجوده تعالى.و قيل: يعني جلاله و عظمته و تعاليه عن أن يشارك غيره في الألوهية يدل على وحدته. و النور ما به يظهر و يبصر الخفيات المحجوبات عن الأبصار، كنور الشمس و القمر و نحوهما، و البهر: الإضاءة أو الغلبة يقال: بهر القمر إذا أضاء حتى غلب ضوؤه ضوء الكواكب، و بهر فلان أترابه: غلبهم حسنا، فالباهر على الأول صفة النور، و على الثاني يحتمل أن يكون صفة الرب أيضا، و النور هنا يحتمل الأنوار الظاهرة المخلوقة له تعالى أو الوجود و الكمالات التي ظهر آثارها في المخلوقات فإن كلا منهما في ظهور الأشياء على العقل كالنور الظاهر عند الحس بل هي في ذلك أقوى و أشد، و البرهان: الحجة، و الصادق صفته، فالمراد بالبرهان الصادق إما حججه على خلقه من الأنبياء و الأئمة الصادقين (عليهم السلام) في جميع أحكامهم فحينئذ الاستدلال به على وجوده تعالى بوجهين أحدهما إخبارهم بوجوده تعالى مع قطعنا بصدقهم بسبب ظهور خوارق العادات على أيديهم، فإن المعجزة في نفسها يفيد القطع بصدق صاحبها، و لا حاجة إلى الدليل على..........أنها تجري في يد كاذب، و لا يتوقف تصديق صاحبها على إثبات الواجب كما صرح به جماعة، و ثانيهما أن أصل خلقتهم من عظم شأنهم و اتصافهم بالكمالات الوهبية الجليلة و الأوصاف القدسية العظيمة، و خروج خلقهم عن مجرى أفعال الطبيعة من أعظم الدلائل على صانع العالم البريء من كل نقص، و المراد به كل مخلوق من المخلوقات عظيمها و حقيرها و كبيرها و صغيرها، فإن كلا منها برهان صادق و حجة ناطقة على وجوده تعالى أو البراهين التي أنزلها في كتبه و أجراها على ألسنة أنبيائه و رسله و حججه (عليهم السلام) " و ما أنطق به ألسن العباد" يحتمل وجوها، الأول: اتفاقهم و تواطؤهم بحكم بداهة عقولهم على وجود صانع العالم المتوحد بالصانعية و لا يجوز العقل اجتماع هذا الخلق من أهل الأديان المختلفة و الأديان المتشتة على باطل، فهو إما بديهي أو نظري واضح المقدمات لا يتطرق إليه شك و لا شبهة.قال بعض المحققين: إن العلم يحصل بالتواتر و هو إخبار جمع كثير عن أمر محسوس، و ما ذلك إلا لأن العقل يحيل اجتماعهم على الكذب، أو على غلط الحس فنقول أجمع جميع الأنبياء و الأوصياء و العلماء و الحكماء بل كافة العقلاء على وجود الصانع فيحصل العلم الضروري بوجوده، لأن العقل يحيل اجتماعهم على الكذب و الغلط في هذا المعقول، فكما يعلم أمن الحس الكثير عن الغلط في رؤية بصرية يعلم أمن أمثال تلك العقول على كثرتها من الاجتماع على غلط في البصيرة، و أما العلم باجتماعهم على ذلك فإنما يحصل بأخبارهم، و العلم بأخبارهم حاصل بالتواتر، و الله يهديك السبيل" انتهى".الثاني: دعاؤهم و تضرعهم و التجاؤهم إلى الله تعالى في الشدائد و المحن بمقتضى فطرة عقولهم، و هذا يدل على أن عقولهم بصرافتها تشهد بخالقهم و مفزعهم في شدائدهم، حتى أنه قد يشاهد ذلك من الحيوانات كما قيل إنها في سني الجدب ترفع رؤوسها إلى الصَّادِقِ وَ مَا أَنْطَقَ بِهِ أَلْسُنَ الْعِبَادِ وَ مَا أَرْسَلَ بِهِ الرُّسُلَالسماء، تطلب الغيث، و قال الرازي في المطالب العالية: رأيت في بعض الكتب أن في بعض الأوقات اشتد القحط و عظم حر الصيف، و الناس خرجوا للاستسقاء فما أفلحوا قال: فخرجت إلى بعض الجبال فرأيت ظبية جاءت إلى موضع كان في الماضي من الزمان مملوء من الماء، و لعل تلك الظبية كانت تشرب منه، فلما وصلت الظبية إليه ما وجدت فيه شيئا من الماء، و كان أثر العطش الشديد ظاهرا عليها، فوقفت و رفعت رأسها إلى السماء مرارا فأطبق الغيم و نزلت الأمطار الغزيرة حتى ملأت الغدير، فشربت الماء و ذهبت.الثالث: أن يكون المراد به اختلاف الأصوات أو اللغات و اللهجات المختلفة كما قال سبحانه" وَ مِنْ آيٰاتِهِ. اخْتِلٰافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوٰانِكُمْ".الرابع: أن يكون المراد به الدلائل و البراهين التي يجريها الله تعالى على ألسن العباد.قوله (عليه السلام) و ما أرسل به الرسل: هذا يحتمل وجهين: الأول: أن يكون المراد به الشرائع الحقة المشتملة على الحكم و المصالح التي لا تحصى، و بها تنتظم أمور الدين و الدنيا، فإن من تأمل في خصوصيات الشرع و قوانينه في العبادات و المعاملات و الحدود و المواريث و الأحكام و الآداب و الأخلاق، و معاشرة أصناف الناس بعضهم بعضا و غير ذلك، علم بديهة أن مثل هذا خارج عن طوق البشر، و الحكماء السالفة في الأزمنة المتطاولة بذلوا أفكارهم في ذلك بجهدهم، و لم يأتوا بشيء يمكن به سياسة فرية، و إنما ذكروا أحكاما كلية من حسن العدل و قبح الجور و الفساد و أمثال ذلك مما يحكم به عقل جميع الناس، و الحق أنه كما أن عالم الوجود و انتظامه يدل على وجود الصانع و وحدته فكذا انتظام أحوال النشأتين بتلك الشرائع الحقة و النواميس الإلهية أدل وَ مَا أَنْزَلَ عَلَى الْعِبَادِ دَلِيلًا عَلَى الرَّبِّ.
[مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول] · موسوعة الغيبة والظهور