⟨و قال في موضع آخر روى سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم عن عمر بن عبد الغفار أن أبا هريرة لما قدم الكوفة مع معاوية كان يجلس بالعشيات بباب كندة، و يجلس إليه فجاء شاب من الكوفة، فجلس إليه و⟩
قال: يا أبا هريرة أنشدك الله أ سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يقول لعلي بن أبي طالب: اللهم وال من والاه و عاد من عاداه؟ قال:اللهم نعم، قال: فأشهد بالله أن قد واليت عدوه و عاديت وليه ثم قام عنه.و قال في موضع آخر ذكر جماعة من شيوخنا البغداديين أن عدة من الصحابة و التابعين و المحدثين كانوا منحرفين عن علي (عليه السلام) قائلين فيه السوء، و منهم من كتم مناقبه و أعان أعداءه ميلا مع الدنيا و إيثارا للعاجلة، فمنهم أنس بن مالك ناشد على الناس في رحبة القصر، أو قال رحبة الجامع بالكوفة: أيكم سمع رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه، فقام اثنا عشر رجلا فشهدوا بها و أنس بن مالك لم يقم، فقال له: يا أنس ما يمنعك أن تقوم فتشهد فلقد حضرتها؟فقال: يا أمير المؤمنين كبرت و نسيت، فقال: إن كان كاذبا فارمه بها بيضاء لا تواريها العمامة، قال طلحة بن عمير: فو الله لقد رأيت الوضح به بعد ذلك أبيض بين عينيه.و روى عثمان بن مطرف أن رجلا سأل أنس بن مالك في آخر عمره عن علي بن أبي طالب فقال: آليت أن لا أكتم حديثا سألت عنه في علي بعد يوم الرحبة: ذاك رأس المتقين يوم القيامة سمعته و الله من نبيكم ثم ذكر كتمان زيد بن أرقم حديث الولاية، و دعاء علي (عليه السلام) عليه بذهاب بصره، و أنه عمي بعد ذلك.و قال في موضع آخر قال (عليه السلام) يوم الشورى: أ فيكم أحد قال له رسول الله (صلى الله عليه و آله):من كنت مولاه فهذا مولاه غيري؟ قالوا: لا، انتهى.و أقول: روى السيوطي في در المنثور عن ابن مردويه و ابن عساكر بإسنادهما عن أبي سعيد الخدري قال: لما نصب رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) عليا يوم غدير خم فنادى له..........بالولاية، هبط عليه جبرئيل بهذه الآية" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ" و روي أيضا عن ابن مردويه و الخطيب و ابن عساكر بأسانيدهم عن أبي هريرة قال: لما كان يوم غدير خم و هو الثامن عشر من ذي الحجة قال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): من كنت مولاه فعلي مولاه، فأنزل الله:" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ" و روى ابن جرير بإسناده عن ابن عباس" وَ إِنْ ﴿لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ﴾" يعني إن كتمت هذه الآية:" ﴿يٰا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾" يعني ما نزل على رسول الله يوم غدير خم في علي بن أبي طالب، و روي عن ابن مردويه بإسناده عن ابن مسعود قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ أن عليا مولى المؤمنين و إن ﴿لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ و الله يعصمك من الناس.أقول: و قد أوردت الأخبار الواردة في ذلك من طريق الخاصة و العامة في قريب من عشرة كراريس فمن أراد الاطلاع عليها فيرجع إليه و جملة القول فيه:أن الاستدلال بخبر الغدير يتوقف على أمرين:أحدهما إثبات الخبر، و الثاني إثبات دلالته على خلافته (صلوات الله عليه).أما الأول فلا أظن عاقلا يرتاب في ثبوته و تواتره بعد الإحاطة بما أوردته في الكتاب الكبير، قال السيد التستري في إحقاق الحق: ذكر الشيخ ابن كثير الشامي الشافعي عند ذكر أحوال محمد بن جرير الطبري إني رأيت كتابا جمع في أحاديث غدير خم في مجلدين ضخمين، و كتابا جمع فيه طرق حديث الطير، و نقل عن أبي المعالي الجويني أنه كان يتعجب و يقول: رأيت مجلدا ببغداد في يد صحاف فيه روايات هذا الخبر، مكتوبا عليه المجلدة الثامنة و العشرون من طرق من كنت مولاه فعلي مولاه، و يتلوه المجلدة التاسعة و العشرون، و أثبت الشيخ ابن الجزري الشافعي رسالته الموسومة بأسنى المطالب في مناقب علي بن أبي طالب، تواتر هذا الحديث من طرق كثيرة، و نسب منكره إلى الجهل و العصبية، انتهى...........و قال السيد المرتضى في كتاب الشافي أما الدلالة على صحة الخبر فلا يطالب بها إلا متعنت لظهوره و اشتهاره، و حصول العلم لكل من سمع الأخبار به، و ما المطالب بتصحيح خبر الغدير و الدلالة عليه إلا كالمطالب بتصحيح غزوات النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) الظاهرة المشهورة و أحواله المعروفة و حجة الوداع نفسها لأن ظهور الجميع و عموم العلم به بمنزلة واحدة، ثم قال: و مما يدل على صحته إجماع علماء الأمة على قبوله و لا شبهة فما ادعيناه من الإطباق، لأن الشيعة جعلته الحجة في النص على أمير المؤمنين (عليه السلام) بالإمامة و مخالفو الشيعة أولوه على اختلاف تأويلاتهم و ما يعلم أن فرقة من فرق الأمة ردت هذا الخبر أو امتنعت من قبوله، و استدل قوم على صحة الخبر بما تظاهرت به الروايات من احتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام) به في الشورى، حيث قال: أنشدكم الله هل منكم أحد أخذ رسول الله (صلى الله عليه و آله) بيده فقال:من كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه غيري؟ فقال القوم:اللهم لا، و إذا اعترف من حضر الشورى من الوجوه و اتصل أيضا بغيرهم من الصحابة ممن لم يحضر الموضع و لم يكن من أحد نكير له، مع علمنا بتوفر الدواعي إلى إظهار ذلك لو كان، فقد وجب القطع على صحته.على أن الخبر لو لم يكن في الوضوح كالشمس لما جاز أن يدعيه أمير المؤمنين (عليه السلام) سيما في مثل هذا المقام انتهى ملخص كلامه (ره).و أما الثاني فلنا في الاستدلال به على إمامته (صلوات الله عليه) مقامان:" الأول" أن المولى جاء بمعنى الأولى بالأمر و التصرف المطاع في كل ما يأمر" الثاني" أن المراد به هنا هو هذا المعنى.أما الأول فقد قال السيد (رحمه الله): من كان له أدنى اختلاط باللغة و أهلها يعرف أنهم يضعون هذه اللفظة مكان أولى، كما أنهم يستعملونها في ابن العم، و قد ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى- و منزلته في اللغة منزلته في كتابه المعروف بالمجاز في..........القرآن- لما انتهى إلى قوله:" مَأْوٰاكُمُ النّٰارُ هِيَ مَوْلٰاكُمْ" أن معنى موليكم أولى بكم و أنشد بيت لبيد شاهدا له:فغدت كلا الفرجين تحسب أنه * * * مولى المخافة خلفها و أمامهاو ليس أبو عبيدة ممن يغلط في اللغة، و لو غلط فيها أو وهم لما جاز أن يمسك عن النكير عليه و الرد لتأويله غيره من أهل اللغة ممن أصاب، و ما غلط فيه على عادتهم المعروفة في تتبع بعضهم لبعض و رد بعضهم على بعض، فصار قول أبي عبيدة الذي حكيناه مع أنه لم يظهر من أحد من أهل اللغة ردا له كأنه قول الجميع.و لا خلاف بين المفسرين في أن قوله تعالى:" وَ لِكُلٍّ ﴿جَعَلْنٰا مَوٰالِيَ مِمّٰا تَرَكَ الْوٰالِدٰانِ﴾ وَ الْأَقْرَبُونَ" أن المراد بالموالي من كان أملك بالميراث و أولى بحيازته و أحق به.و قال الأخطل:فأصبحت مولاها من الناس بعده * * * و أخرى قريش أن تهاب و تحمداو روي في الحديث أيما امرأة تزوجت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل، و كلما استشهد به لم يرد بلفظ مولى فيه إلا معنى أولى دون غيره.قال المبرد- بعد أن ذكر تأويل قوله تعالى:" ﴿بِأَنَّ اللّٰهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾" و الولي و الأولى معناهما سواء، و هو الحقيق بخلقه المتولي لأمورهم.و قال الفراء في كتاب معاني القرآن: الولي و المولى في كلام العرب واحد، و في قراءة ابن مسعود: إنما موليكم الله و رسوله، مكان" وليكم" و قال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري في كتابه في القرآن المعروف بالمشكل: و المولى في اللغة ينقسم إلى ثمانية أقسام، أولهن المولى المنعم، ثم المنعم عليه المعتق، و المولى الولي، و المولى الأولى بالشيء، و ذكر شاهدا عليه الآية التي قدمنا ذكرها، و بيت لبيد، و المولى: الجار،..........و المولى: ابن العم، و المولى: الصهر، و المولى: الحليف، و استشهد لكل واحد من أقسام المولى بشيء من الشعر لم نذكره، لأن غرضنا سواه.و قال أبو عمر غلام تغلب: أقسام المولى، و ذكر في جملة الأقسام أن المولى السيد و إن لم يكن مالكا، و المولى: الولي.و قد ذكر جماعة ممن يرجع إلى أمثاله في اللغة أن من جملة أقسام مولى السيد:الذي ليس هو بمالك و لا معتق، و لو ذهبنا إلى ذكر جميع ما يمكن أن يكون شاهدا فيما قصدناه لأكثرنا، و فيما أوردناه كفاية و مقنع، انتهى مختصر كلامه (قدس سره).و قال ابن الأثير في النهاية: قد تكرر اسم المولى في الحديث، و هو اسم يقع على جماعة كثيرة فهو الرب، و المالك، و السيد، و المنعم، و المعتق، و الناصر، و المحب و التابع، و الجار، و ابن العم، و الحليف، و العقيد، و الصهر، و العبد، و المنعم عليه، و كل من ولي أمرا أو قام به فهو مولاه و وليه، و منه الحديث: من كنت مولاه فعلي مولاه، يحمل على أكثر الأسماء المذكورة، و منه الحديث أيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل، و روي وليها أي متولي أمرها.و قال البيضاوي و الزمخشري و غيرهما من المفسرين، في تفسير قوله تعالى:" هِيَ مَوْلٰاكُمْ" هي أولى بكم، و قال الزمخشري في قوله تعالى:" أَنْتَ مَوْلٰانٰا" سيدنا و نحن عبيدك، أو ناصرنا أو متولي أمورنا.و أما الثاني ففيه مسالك: المسلك الأول أن المولى حقيقة في الأولى، لاستقلالها بنفسها و رجوع سائر الأقسام في الاشتقاق إليها، لأن المالك إنما كان مولى لكونه أولى بتدبير رقيقه و بحمل جريرته و المملوك مولى لكونه أولى بطاعة مالكه، و المعتق و المعتق كذلك، و الناصر لكونه أولى..........بنصرة من نصر و الحليف لكونه أولى بنصرة حليفه، و الجار لكونه أولى بنصرة جاره و الذب عنه، و الصهر لكونه أولى بمصاهره، و الإمام و الوراء لكونه أولى بمن يليه، و ابن العم لكونه أولى بنصرة ابن عمه. و العقل عنه، و المحب المخلص لكونه أولى بنصرة محبة.و إذا كانت لفظة مولى حقيقة في الأولى وجب حملها عليها دون سائر معانيها، هذا الوجه ذكره الشيخ يحيى بن بطريق (ره) في العمدة، و الشيخ أبو الصلاح الحلبي (قدس سره) في تقريب المعارف.المسلك الثاني ما ذكره السيد في الشافي و غيره في غيره، و هو أن ما يحتمله لفظة مولى ينقسم إلى أقسام، منها ما لم يكن (صلى الله عليه و آله) عليه، و منها ما كان عليه، و معلوم لكل أحد أنه (عليه السلام) لم يرده، و منها ما كان عليه، و معلوم بالدليل أنه لم يرده، و منها ما كان حاصلا له، و يجب أن يريده، لبطلان سائر الأقسام و استحالة خلو كلامه من معنى و فائدة، فالقسم الأول هو المعتق و الحليف، لأن الحليف هو الذي ينضم إلى قبيلة أو عشيرة فيحالفها على نصرته و الدفاع عنه، فيكون منتسبا إليها متعززا بها، و لم يكن النبي (صلى الله عليه و آله) حليفا لأحد على هذا الوجه، و القسم الثاني ينقسم إلى قسمين أحدهما معلوم أنه لم يرده لبطلانه في نفسه كالمعتق و المالك و الجار و الصهر و الخلف و الإمام، إذا عدا من أقسام المولى، و الآخر أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) لم يرده من حيث لم يكن فيه فائدة، و كان ظاهرا شائعا، و هو ابن العم، و القسم الثالث الذي يعلم بالدليل أنه لم يرده هو ولاية الدين و النصرة فيه، و المحبة و ولاء المعتق.و الدليل على أنه (عليه السلام) لم يرد ذلك أن كل أحد يعلم من دينه (عليه السلام) وجوب تولي المؤمنين و نصرتهم و قد نطق الكتاب به، و ليس يحسن أن يجمعهم على الصورة التي..........حكيت في تلك الحال، و يعلمهم ما هم مضطرون إليه من دينه، و كذلك هم يعلمون أن ولاء المعتق لبني العم قبل الشريعة و بعدها، و قول ابن الخطاب في الحال على ما تظاهرت به الرواية لأمير المؤمنين (عليه السلام) أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن يبطل أن يكون المراد ولاء المعتق، و بمثل ما ذكرناه في إبطال أن يكون المراد بالخبر ولاء المعتق أو إيجاب النصرة في الدين، استبعد أن يكون أراد به (صلى الله عليه و آله) قسم ابن العم لاشتراك خلو الكلام عن الفائدة بينهما، فلم يبق إلا القسم الرابع الذي كان حاصلا له (صلى الله عليه و آله)، و يجب أن يريده و هو الأولى بتدبير الأمر و أمرهم و نهيهم، انتهى.أقول: أكثر المخالفين لجأوا في دفع الاستدلال به إلى تجويز كون المراد الناصر و المحب، و لا يخفى على عاقل أنه ما كان يتوقف بيان ذلك على اجتماع الناس لذلك في شدة الحر، بل كان هذا أمر يجب أن يوصي به عليا (عليه السلام) بأن ينصر من كان الرسول ينصره، و يحب من كان (صلى الله عليه و آله) يحبه، و لا يتصور في إخبار الناس بذلك فائدة يعتد بها إلا إذا أريد بذلك نوع من النصرة و المحبة يكون للأمراء بالنسبة إلى رعاياهم، أو أريد به جلب محبتهم بالنسبة إليه و وجوب متابعتهم له حيث ينصرهم في جميع المواطن، و يحبهم على الدين، و بهذا أيضا يتم المدعى.و أيضا نقول على تقدير أن يراد به المحب و الناصر أيضا يدل على إمامته عند ذوي العقول المستقيمة و الفطرة القويمة بقرائن الحال، فإنا لو فرضنا أن أحدا من الملوك جمع عند قرب وفاته جميع عسكره، و أخذ بيد رجل هو أقرب أقاربه و أخص الخلق به، و قال: من كنت محبة و ناصره فهذا محبة و ناصره، ثم دعا لمن نصره و والاه، و لعن من خذله و لم يقل هذا لغيره، و لم يعين لخلافته رجلا سواه، فهل يفهم أحد من رعيته و من حضر ذلك المجلس إلا أنه يريد بذلك استخلافه و تطميع الناس في نصرة و محبته، و حث الناس على إطاعته و قبول أمره و نصرته على عدوه.و بوجه آخر نقول: ظاهر قوله: من كنت ناصره فعلي ناصره، هو أنه يتمشى منه النصرة لكل أحد، كما كان يتأتى من النبي (صلى الله عليه و آله) و لا يكون ذلك إلا بالرئاسة..........العامة، إذ لا يخفى على منصف أنه لا يحسن من أمير قوي الأركان كثير الأعوان أن يقول في شأن بعض آحاد الرعايا: من كنت ناصره فهذا ناصره، فأما إذا استخلفه و أمره على الناس فهذا في غاية الحسن، لأنه جعله بحيث يمكن أن يكون ناصر من نصره.المسلك الثالث أنه قد ورد في كثير من روايات الخاصة و العامة أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال أولا: أ لست أولى بكم من أنفسكم؟ أو قال: أ لستم تعلمون إني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا بلى، قال: أ لستم تعلمون إني أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا: بلى، فقال: اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، فما مهده (صلى الله عليه و آله و سلم) أو لا و فرع عليه هذا الكلام قرينة واضحة على أن المراد بالمولى ما ذكره أولا من الأولوية التي أثبتها لنفسه، و لا ينكر هذا إلا جاهل بأساليب الكلام، أو متجاهل للعصبية عما تتنازع إليه الأفهام.قال في الشافي: فأما الدلالة على أن المراد بلفظة مولى في خبر الغدير الأولى، فهو أن من عادة أهل اللسان في خطابهم إذا أوردوا جملة مصرحة و عطفوا عليها بكلام محتمل لما تقدم التصريح به و لغيره، لم يجز أن يريدوا بالمحتمل إلا المعنى الأول، يبين صحة ما ذكرناه أن أحدهم إذا قال مقبلا على جماعة مفهما لهم، و له عدة عبيد:أ لستم عارفين بعبدي، فلان، ثم قال عاطفا على كلامه: فاشهدوا إن عبدي حر لوجه الله، لم يجز أن يريد بقوله: عبدي بعد أن قدم ما قدمه إلا العبد الذي سماه في أول كلامه دون غيره من سائر عبيده، و متى أراد سواه كان عندهم لغوا خارجا عن طريق البيان انتهى.و أقول: فإذا ثبت أن المراد بالمولى هنا الأولى الذي تقدم ذكره و الأولى في الكلام المتقدم غير مقيد بشيء و حال من الأحوال، فلو لم يكن المراد به العموم لزم الألغاز في الكلام، و من قواعدهم المقررة أن حذف المتعلق من غير قرينة دالة على..........خصوص أمر من الأمور يدل على العموم، لا سيما و قد انضم إليه قوله (صلى الله عليه و آله): من أنفسكم؟ فإن للمرء أن يتصرف في نفسه ما يشاء، و يتولى من أمره ما يريد، فإذا حكم بأنه أولى بهم من أنفسهم يدل على أن له أن يأمرهم بما يشاء، و يدبر فيهم ما يشاء في أمر الدين و الدنيا، و أنه لا اختيار لهم معه، و هل هذا إلا معنى الإمامة و الرئاسة العامة.و أيضا لا يخفى على عاقل أن ما قررهم (صلى الله عليه و آله و سلم) عليه إنما أشار به إلى ما أثبت الله له في كتابه العزيز، حيث قال:" ﴿النَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾" و قد أجمع المفسرون على أن المراد به ما ذكرناه.قال الزمخشري في الكشاف: النبي أولى بالمؤمنين في كل شيء من أمور الدين و الدنيا من أنفسهم، و لهذا أطلق و لم يقيد فيجب عليهم أن يكون أحب إليهم من أنفسهم، و حكمه أنفذ إليهم من حكمها، و حقه آثر عليهم من حقوقها، و شفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها، و أن يبذلوها دونه و يجعلوها فداء إذا أعضل خطب و وقاية إذا ألحقت حرب، و أن لا يتبعوا ما تدعوهم إليه نفوسهم، و لا ما تصرفهم عنه و يتبعوا كل ما دعاهم إليه رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و صرفهم عنه، إلى آخر كلامه.و نحوه قال البيضاوي و غيره من المفسرين.و قال السيد فأما الدليل على أن لفظة أولى يفيد معنى الإمامة، فهو أنا نجد أهل اللغة لا يضفون هذا اللفظ إلا فيمن كان يملك ما وصف بأنه أولى به، و ينفذ فيه أمره و نهيه، أ لا تراهم يقولون: السلطان أولى بإقامة الحدود من الرعية و ولد الميت أولى بميراثه من كثير من أقاربه، و مرادهم في جميع ذلك ما ذكرناه، و لا خلاف بين المفسرين في أن قوله تعالى" ﴿النَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾" المراد به بتدبيرهم و القيام بأمرهم، حيث وجبت طاعته عليهم، و نحن نعلم أنه لا يكون أولى..........بتدبير الخلق و أمرهم و نهيهم من كل أحد إلا من كان إماما لهم مفترض الطاعة عليهم.فإن قال: سلمنا أن المراد بالمولى في الخبر ما تقدم من معنى الأولى من أين لكم أنه أراد كونه أولى بهم في تدبيرهم و أمرهم و نهيهم دون أن يكون أراد به أولى بأن يوالوه و يحبوه و يعظموه و يفضلوه؟قيل له: سؤالك يبطل من وجهين:" أحدهما" أن الظاهر من قول القائل فلان أولى بفلان، أنه أولى بتدبيره و أحق بأمره و نهيه، فإذا انضاف إلى ذلك القول أولى به من نفسه زالت الشبهة في أن المراد ما ذكرناه، أ لا تراهم يستعملون هذه اللفظة مطلقة في كل موضع حصل فيه محقق للتدبير و الاختصاص بالأمر و النهي كاستعمالهم لها في السلطان و رعيته و الوالد و ولده و السيد و عبده، و إن جاز أن يستعملوها مقيدة في غير هذا الموضع، إذا قالوا فلان أولى بمحبة فلان أو بنصرته أو بكذا و كذا منه، إلا أن مع الإطلاق لا يعقل عنهم إلا المعنى الأول." و الوجه الآخر" أنه إذا ثبت أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أراد بما قدمه من كونه أولى بالخلق من نفوسهم أنه أولى بتدبيرهم و تصريفهم من حيث وجبت طاعته عليهم بلا خلاف وجب أن يكون ما أوجبه لأمير المؤمنين (عليه السلام) في الكلام الثاني جاريا ذلك المجرى يشهد بصحة ما قلناه أن القائل من أهل اللسان إذا قال فلان و فلان، و ذكر جماعة شركاء في المتاع الذي من صفته كذا و كذا، ثم قال عاطفا على كلامه من كنت شريكه فعبد الله شريكه، اقتضى ظاهر لفظه أن عبد الله شريكه في المتاع الذي قدم ذكره، و أخبر أن الجماعة شركاؤه فيه، و متى أراد أن عبد الله شريكه في غير الأمر الأول كان سفها غاشا ملغزا.فإن قيل: إذا سلم لكم أنه (عليه السلام) أولى بهم بمعنى التدبير و وجوب الطاعة من أين لكم عموم وجوب الطاعة في جميع الأمور التي تقوم بها الأئمة، و لعله أراد به أولى بأن يطيعوه في بعض الأشياء دون بعض؟..........قيل له: الوجه الثاني الذي ذكرناه في جواب سؤالك المتقدم يسقط هذا السؤال.و مما يبطله أيضا أنه إذا ثبت أنه (عليه السلام) مفترض الطاعة على جميع الخلق في بعض الأمور دون بعض وجبت إمامته، و عموم فرض طاعته، و امتثال تدبيره، فلا يكون إلا الإمام لأن الأمة مجمعة على أن من هذه صفته هو الإمام، و لأن كل من أوجب لأمير المؤمنين (عليه السلام) من خبر الغدير فرض الطاعة على الخلق أوجبها عامة في الأمور كلها على الوجه الذي يجب للأئمة (عليهم السلام) و لم يخص شيئا دون شيء.و بمثل هذا الوجه نجيب من قال: كيف علمتهم عموم القول لجميع الخلق؟ مضافا إلى عموم إيجاب الطاعة لسائر الأمور، و لستم ممن يثبت للعموم صيغة في اللغة فتغلقون بلفظة من و عمومها، و ما الذي يمنع على أصولكم من أن يكون أوجب طاعته على واحد من الناس أو جماعة من الأمة قليلة العدد، لأنه لا خلاف في عموم طاعة النبي (صلى الله عليه و آله) و عموم قوله من بعده: فمن كنت مولاه، و إلا لم يكن للعموم صورة، و قد بينا أن الذي أوجبه ثانيا يجب مطابقته لما قدمه في وجهه و عمومه في الأمور، و كذا يجب عمومه في المخاطبين بتلك الطريقة، لأن كل من أوجب من الخبر فرض الطاعة و ما يرجع إلى معنى الإمامة ذهب إلى عمومه لجميع المكلفين، كما ذهب إلى عمومه في جميع الأفعال، انتهى.و أما ما زعم بعضهم من أن قوله (صلى الله عليه و آله): اللهم وال من والاه، قرينة على أن المراد بالمولى الموالي و الناصر، فلا يخفى وهنه إذ لم يكن استدلالنا بمحض تقدم ذكر الأولى حتى يعارضونا بذلك، بل إنما استدللنا بسياق الكلام و تمهيد المقدمة و التفريع عليهما، و ما يحكم به عرف أرباب اللسان في ذلك و أما الدعاء بموالاة من والاه فليس بتلك المثابة، و إنما يتم هذا لو ادعى أحد أن اللفظ بعد ما أطلق على أحد معانيه لا يناسب أن يطلق ما يناسبه و يدانيه في الاشتقاق على معنى آخر، و كيف يدعي ذلك عاقل، مع أن ذلك مما يعد من المحسنات البديعة...........بل نقول تعقيبه بهذا يؤيد ما ذكرناه و يقوى ما استثناه بوجوه:الأول: أنه لما أثبت (صلى الله عليه و آله و سلم) له الرئاسة العامة و الإمامة الكبرى، و هي مما يحتاج إلى الجنود و الأعوان، و إثبات مثل ذلك لواحد من بين جماعة مما يقتضي إلى هيجان الحسد المورث لترك النصرة و الخذلان، لا سيما أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) كان عالما بما في صدور المنافقين الحاضرين من عداوته، و ما انطوى عليه جنوبهم من السعي في غصب خلافته أكد ذلك بالدعاء لأعوانه، و اللعن على من قصر في شأنه، و لو كان الغرض محض كونه (صلى الله عليه و آله و سلم) ناصرا لهم، أو ثبوت الموالاة بينه و بينهم كسائر المؤمنين لم يكن يحتاج إلى مثل تلك المبالغات و الدعاء له بما يدعى للأمراء و أصحاب الولايات.الثاني: أنه يدل على عصمته اللازمة لإمامته لأنه لو كان يصدر منه المعصية، لكان يجب على من يعلم ذلك منه منعه و زجره و ترك موالاته، و إبداء معاداته لذلك فدعاء الرسول (صلى الله عليه و آله) لكل من يواليه و ينصره و لعنه على كل من يعاديه و يخذله، يستلزم عدم كونه أبدا على حال يستحق عليها ترك الموالاة و النصرة.الثالث: أنه إذا كان المراد بالمولى الأولى كما نقوله كان المقصود منه طلب موالاته و متابعته و نصرته من القوم، و إن كان المراد الناصر و المحب كان المقصود بيان كونه (صلوات الله عليه) ناصرا و محبا لهم، فالدعاء لمن يواليه و ينصره، و اللعن على من يتركهما في الأول أهم و به أنسب من الثاني، إلا أن يأول الثاني بما يرجع إلى الأول في المال كما أومأنا إليه سابقا.المسلك الرابع: أن الأخبار المروية من طرق الخاصة و العامة الدالة على أن قوله تعالى" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ" نزلت في يوم الغدير تدل على أن المراد بالمولى ما يرجع إلى الإمامة الكبرى، إذ ما يكون سببا لكمال الدين و تمام النعمة على المسلمين، لا يكون إلا ما يكون من أصول الدين بل من أعظمها و هي الإمامة التي بها يتم نظام..........الدنيا و الدين، و بالاعتقاد بها تقبل أعمال المسلمين، و قال الشيخ جلال الدين السيوطي و هو من أكابر متأخري المخالفين في كتاب الإتقان: أخرج أبو عبيدة عن محمد بن كعب قال: نزلت سورة المائدة في حجة الوداع فيما بين مكة و المدينة، و منها" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ" و في الصحيح عن عمر أنها نزلت عشية عرفة يوم الجمعة عام حجة الوداع، لكن أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري أنها نزلت يوم غدير خم، و أخرج مثله من حديث أبي هريرة، انتهى.و روى السيوطي أيضا في الدر المنثور بأسانيد أن اليهود قالوا: لو علينا نزلت هذه الآية لاتخذنا يومها عيدا.
[مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول] · موسوعة الغيبة والظهور