⟨و روي أيضا بإسناده عن أبي حازم عن سهل بن سعد أن رسول الله⟩
قال يوم خيبر:لأعطين الراية رجلا يفتح الله على يديه يحب الله و رسوله و يحبه الله و رسوله، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها؟ قال: فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) كلهم يرجو أن يعطاها، قال (صلى الله عليه و آله و سلم): أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه فأتى به فبصق رسول الله (صلى الله عليه و آله) في عينيه و دعا له، فبرأ حتى كان لم يكن به وجع، فأعطاه الراية فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟قال: أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام و أخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيهم، فو الله لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ لَيْسَ بِفَرَّارٍ يُعَرِّضُ بِمَنْ رَجَعَ يُجَبِّنُ أَصْحَابَهُ وَ يُجَبِّنُونَهُ وَ قَالَ (صلى الله عليه وآله وسلم) عَلِيٌّ سَيِّدُ الْمُؤْمِنِينَ وَ قَالَ عَلِيٌّ عَمُودُ الدِّينِ وَ قَالَ هَذَا هُوَ الَّذِي يَضْرِبُ النَّاسَ بِالسَّيْفِ عَلَى الْحَقِّ بَعْدِي وَ قَالَ الْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ أَيْنَمَا مَالَلك من أن يكون لك حمر النعم و روي عن أبي هريرة أيضا مثله." معرضا" حال عن فاعل قال، و التعريض نفي عيب عن أحد لإثباته لآخر، و المراد أن أبا بكر و عمر لا يحبان الله و رسوله و لا يحبهما الله و لا رسوله و هما فراران، و إنما ذكر (عليه السلام) الجبن فقط ليعلم عدم المحبة أيضا مع نوع تقية إذ العلة مشتركة، و لا خفاء في أن سياق هذا الكلام يدل على اختصاص جميع تلك الأوصاف بالمبعوث أخيرا و إلا فلا فائدة في ذكرها." يجبن" حال عن فاعل رجع أي يخوف أصحابه و يدعوهم إلى الجبن عند الحرب، أو ينسبهم إلى الجبن عند الرجوع و يلومهم به، يقال جبنه تجبينا أي نسبه إلى الجبن" على سيد المؤمنين" أي أولى بالمؤمنين من أنفسهم كما أن السيد أولى بعبده منه، أو أشرفهم و أفضلهم لأنه فاق جميعهم في جميع الكمالات" عمود الدين" أي لا يقوم الدين إلا به كما لا تقوم الخيمة إلا بالعمود." هو الذي" التركيب يدل على الحصر أي كل من يضرب الناس بالسيف بعدي فهو على الباطل غيره و غير أوصيائه، و ضمير مال لعلي أو للحق أي سواء قام أو قعد و في جميع أقواله و أفعاله، و هذا الحديث رواه ابن مردويه في مناقبه بعدة طرق عن عائشة أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: الحق مع على و على مع الحق لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، و ادعى ابن أبي الحديد صحة هذا الحديث بل تواتره. وَ قَالَ إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا- كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَهْلَ بَيْتِي عِتْرَتِي أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا وَ قَدْ بَلَّغْتُ إِنَّكُمْ سَتَرِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ فَأَسْأَلُكُمْ عَمَّا فَعَلْتُمْ فِي الثَّقَلَيْنِ وَ الثَّقَلَانِ كِتَابُ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ وَ أَهْلُ بَيْتِي فَلَا تَسْبِقُوهُمْ فَتَهْلِكُوا وَ لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ فَوَقَعَتِ الْحُجَّةُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ بِالْكِتَابِ الَّذِي يَقْرَأُهُ النَّاسُ فَلَمْ يَزَلْ يُلْقِي فَضْلَ أَهْلِ بَيْتِهِ بِالْكَلَامِ وَ يُبَيِّنُ لَهُمْ بِالْقُرْآنِ- ﴿إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراًوَ قَالَ عَزَّ ذِكْرُهُ- وَ اعْلَمُوا ﴿أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ﴾ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰثُمَّ قَالَ وَ آتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُفَكَانَ عَلِيٌّ ع" و قال إني تارك فيكم أمرين" هذا الخبر متواتر اتفقت الأمة على قبوله و نقله، و قد مر الكلام فيه" كتاب الله" مرفوع بتقديرهما كتاب الله أو منصوب بدل تفصيل لأمرين و العترة العشيرة: الأدنون" و قد بلغت" على صيغة المعلوم أي بلغت ما يلزمني تبليغه في أهل بيتي، أو على المجهول أي بلغني جبرئيل عن الله بالوحي" لا تسبقوهم" أي في الإمامة أو في شيء من الأمور" فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ" المشهور في القراءة فتح الهمزة على حذف المبتدأ، أي فحكمه أن لله خمسه و قيل: على حذف الخبر أي فثابت أن لله خمسه، و قرئ بكسرها أيضا و المعنى أن الذي أخذتموه من مال الكفار قهرا مما يطلق عليه اسم الشيء قليلا كان أو كثيرا فحكمه أن لله خمسه و للرسول و لذي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل، و سيأتي أحكامه في محله إنشاء الله.و لا يخفى ما في تخصيص ذي القربى بالذكر و إعادة اللام و تشريكه مع الرسول في التساهم من التعظيم و الاهتمام بشأنه." فكان على" أي ذا القربى على حذف الخبر أو كان تامة، و هذا أحد تأويلات الآية، و قد ورد في أخبار كثيرة من طريق الخاصة و العامة أنها نزلت في فدك، فرووا عن أبي سعيد الخدري و غيره أنه لما نزلت الآية أعطى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فاطمة فدك، وَ كَانَ حَقُّهُ الْوَصِيَّةَ الَّتِي جُعِلَتْ لَهُ وَ الِاسْمَ الْأَكْبَرَ وَ مِيرَاثَ الْعِلْمِ وَ آثَارَ عِلْمِ النُّبُوَّةِ فَقَالَ قُلْ لٰا أَسْئَلُكُمْ ﴿عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ﴾ثُمَّ قَالَ وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْو لا تنافي بينهما فإن حق فاطمة (عليها السلام) من ذوي القربى كان فدك، و حق أمير المؤمنين الوصية، و قال البيضاوي: و آتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ، من صلة الرحم و حسن المعاشرة و البر عليهم، و قيل: المراد بذي القربى أقارب الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم)." إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ" قال الطبرسي (رحمه الله): اختلف في معناه على أقوال:أحدهما: لا أسألكم في تبليغ الرسالة أجرا إلا التواد و التحاب فيما يقرب إلى الله تعالى.و ثانيها: أن معناه إلا أن تودوني في قرابتي منكم و تحفظوني لها فهو لقريش خاصة.و ثالثها: أن معناه إلا أن تؤدوا قرابتي و عترتي و تحفظوني فيهم، عن علي بن الحسين و ابن جبير و عمرو بن شعيب و جماعة، و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام).ثم أورد أخبارا كثيرة في ذلك ثم قال: و على التقادير ففي المودة قولان:أحدهما: أنه استثناء منقطع لأن هذا إنما يجب بالإسلام فلا يكون أجرا للنبوة.و الآخر أنه استثناء متصل و المعنى لا أسألكم إلا هذا فقد رضيت به أجرا كما أنك تسأل غيرك حاجة فيعرض المسؤول عليك برا فتقول: اجعل بري قضاء حاجتي، و على هذا يجوز أن يكون المعنى: لا أسألكم أجرا إلا هذا فقد رضيت به أجرا، و نفعه أيضا عائد إليكم فكأني لم أسألكم أجرا، انتهى.و قال إمامهم الرازي في تفسيره: روى الكلبي عن ابن عباس قال: إن النبي (صلى الله عليه و آله) لما قدم المدينة كانت تنوبه نوائب و حقوق و ليس في يده سعة فقال الأنصار: إن بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْيَقُولُ أَسْأَلُكُمْ عَنِ الْمَوَدَّةِ الَّتِي أَنْزَلْتُ عَلَيْكُمْ فَضْلَهَا مَوَدَّةِ الْقُرْبَىهذا الرجل قد هداكم الله على يده و هو ابن أختكم و جاركم في بلدكم فاجمعوا له طائفة من أموالكم ففعلوا ثم أتوه به فرده عليهم و نزل قوله تعالى:" قُلْ لٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً" أي على الإيمان إلا أن تؤدوا أقاربي، فحثهم على مودة أقاربه، ثم قال بعد نقل خبر طويل عن صاحب الكشاف في مودة آل الرسول (صلوات الله عليهم) و ذم بغضهم: و أنا أقول آل محمد هم الذين يؤول أمرهم إليه، و كل من كان أول أمرهم أشد و أكمل كانوا هم الآل، و لا شك أن فاطمة و عليا و الحسن و الحسين (عليهم السلام) كان التعلق بينهم و بين الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) أشد التعلقات، و هذا كالمعلوم المتواتر، فوجب أن يكونوا هم الآل.و أيضا اختلف الناس في الآل فقيل: هم الأقارب. و قيل: هم أمته فإن حملناه على القرابة فهم الآل، و إن حملناه على الأمة الذين قبلوا دعوته فهم أيضا آل، فثبت أن على جميع التقديرات هم آل، و أما غيرهم هل يدخلون تحت لفظ الآل فمختلف فيه، فثبت على جميع التقديرات أنهم آل محمد (عليهم السلام).و روى صاحب الكشاف أنه لما نزلت هذه الآية قيل: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ فقيل: على و فاطمة و ابناهما، فثبت أن هؤلاء الأربعة أقارب النبي (صلى الله عليه و آله)، فإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم، ثم ذكر الرازي دلائل كثيرة على وجوب محبة الآل.و أقول: هذه الرواية التي رواها الزمخشري رواها الثعلبي و البيضاوي و غيرهما من المفسرين.قوله:" وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ" أقول: القراءة المشهورة: الموءودة بالهمزة، قال الطبرسي: الموءودة هي الجارية المدفونة حيا و كانت المرأة إذا حان وقت ولادتها حفرت حفرة و قعدت على رأسها، فإن ولدت بنتا رمتها في الحفرة و إن ولدت غلاما حبسته، بِأَيِّ ذَنْبٍ قَتَلْتُمُوهُمْ وَ قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ فَسْئَلُوا ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ﴾قَالَ الْكِتَابُ هُوَ الذِّكْرُ وَ أَهْلُهُ آلُ مُحَمَّدٍ (عليه السلام) أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِسُؤَالِهِمْ وَ لَمْ يُؤْمَرُوا بِسُؤَالِ الْجُهَّالِ وَ سَمَّى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْقُرْآنَ ذِكْراً فَقَالَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- وَ أَنْزَلْنٰا ﴿إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّٰاسِ مٰا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَوَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌأي تسأل فيقال لها: بأي ذنب قتلت؟ و معنى سؤالها توبيخ قاتلها، و قيل: المعنى يسأل قاتلها بأي ذنب قتلت؟ و روي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام): و إذا المودة سئلت بفتح الميم و الواو، و روي عن ابن عباس أنه قال: هو من قتل في مودتنا أهل البيت، و عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: يعني قرابة رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و من قتل في جهاد، و في رواية أخرى قال: هو من قتل في مودتنا و ولايتنا، انتهى.و أقول: الظاهر أن أكثر تلك الأخبار مبنية على تلك القراءة الثانية إما بحذف المضاف أي أهل المودة يسألون بأي ذنب قتلوا أو بإسناد القتل إلى المودة مجازا، و المراد قتل أهلها أو بالتجوز في القتل و المراد تضييع مودة أهل البيت (عليهم السلام) و إبطالها و عدم القيام بها و بحقوقها، و بعضها على القراءة الأولى المشهورة بأن يكون المراد بالموؤودة النفس المدفونة في التراب مطلقا أو حيا، إشارة إلى أنهم لكونهم مقتولين في سبيل الله تعالى ليسوا بأموات ﴿بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾، فكأنهم دفنوا حيا، و فيه من اللطف ما لا يخفى، و هذا الخبر يؤيد الوجه الأول لقوله قتلتموهم." قال الكتاب الذكر" شبيه بالقلب أي الذكر هو الكتاب [و عكس لكون الكتاب] ذاتا، و الذكر صفة أو أن وصف كونه كتابا أشهر من كونه ذكرا و قد مر الكلام في هذه الآيات في باب أن أهل الذكر هم الأئمة (عليهم السلام)، و قد مر وجه آخر و هو أن الذكر رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و هم (عليهم السلام) أهله، و سمى الله هذا بيان لصحة إطلاق الذكر على الكتاب و وقوعه." وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" أي ما فيه من المواعظ و العبر و الزواجر و الثواب و العقاب، لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَوَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ- أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْوَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَىاللَّهِ وَ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلىٰ ﴿أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾فَرَدَّ الْأَمْرَ أَمْرَ النَّاسِ إِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمُ الَّذِينَ أَمَرَ بِطَاعَتِهِمْ وَ بِالرَّدِّ إِلَيْهِمْ فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ نَزَلَ عَلَيْهِ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) فَقَالَ ﴿يٰا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ وَ إِنْ ﴿لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ﴾ وَ اللّٰهُفتحصل لهم الدواعي على فعل الحسنات و ترك السيئات" وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ" الخطاب إلى الرسول و قومه أي يسألكم الناس عما فيه فتجيبون أو يسألكم عن مراقبته و محافظته و تبليغه، و سبق الكلام في آية أولي الأمر عن قريب" وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ" كذا في المصاحف و في أكثر النسخ و لو ردوه إلى الله و إلى الرسول فيكون نقلا بالمعنى، للإشعار بأن الرد إلى الرسول رد إلى الله، و الذين يستنبطونه عبارة عن بعض الرادين إلى أولي الأمر و هم المستمعون المنصتون للجواب حق الإنصات و الاستماع، و" من" في منهم للابتداء، و الضمير لأولي الأمر، أو للتبعيض و الضمير للرادين إلى أولي الأمر، أو الذين يستبطونه عبارة عن أولي الأمر و الضمير راجع إلى أولي الأمر، و الغرض التنصيص بأنهم هم أهل العلم و الاستخراج و الاستنباط" أمر الناس" بدل من الأمر، أي دلت الآيتان على أن الله تعالى فوض أمر الناس إلى أهل بيته و أمرهم بطاعتهم و الرد إليهم فيما اختلفوا فيه." بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ" أي الوصية و الولاية كما مر" ﴿إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكٰافِرِينَ﴾" دل على أن كل من أنكر ولاية علي (عليه السلام) فهو كافر، و السمرات جمع سمرة و هي بفتح السين و ضم الميم شجرة شائكة يقال لها أم غيلان" فقم شوكهن" على بناء المجهول أي كنس" و أولى بكم" عطف تفسير للإشعار بأن الولي في" إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ" و الأولى في قوله:" ﴿النَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾" بمعنى واحد. ﴿يَعْصِمُكَ مِنَ النّٰاسِ إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكٰافِرِينَ﴾فَنَادَى النَّاسَ فَاجْتَمَعُوا وَ أَمَرَ بِسَمُرَاتٍ فَقُمَّ شَوْكُهُنَّ ثُمَّ قَالَ (صلى الله عليه وآله وسلم) يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ وَلِيُّكُمْ وَ أَوْلَى بِكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ فَقَالُوا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ فَقَالَ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَوَقَعَتْ حَسَكَةُ النِّفَاقِ فِي قُلُوبِ الْقَوْمِ- وَ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ هَذَا عَلَى مُحَمَّدٍ قَطُّ وَ مَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ يَرْفَعَ بِضَبْعِ ابْنِ عَمِّهِ فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَتَتْهُ الْأَنْصَارُ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ قَدْ أَحْسَنَ إِلَيْنَا وَ شَرَّفَنَا بِكَ وَ بِنُزُولِكَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا فَقَدْ فَرَّحَ اللَّهُ صَدِيقَنَا وَ كَبَتَ عَدُوَّنَا وَ قَدْ يَأْتِيكَ وُفُودٌ فَلَا تَجِدُ مَا تُعْطِيهِمْ فَيَشْمَتُ بِكَ الْعَدُوُّ فَنُحِبُّ أَنْ تَأْخُذَ ثُلُثَ أَمْوَالِنَا حَتَّى إِذَا قَدِمَ عَلَيْكَ وَفْدُ مَكَّةَ وَجَدْتَ مَا تُعْطِيهِمْ فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) عَلَيْهِمْ شَيْئاً وَ كَانَ يَنْتَظِرُ مَا يَأْتِيهِ مِنْ رَبِّهِ فَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) وَ قَالَ- قُلْ لٰا أَسْئَلُكُمْ ﴿عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ﴾وَ لَمْ يَقْبَلْ أَمْوَالَهُمْ فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذَا عَلَى مُحَمَّدٍ وَ مَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ يَرْفَعَ بِضَبْعِ ابْنِ عَمِّهِ وَ يَحْمِلَ عَلَيْنَا أَهْلَ بَيْتِهِ يَقُولُ أَمْسِ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّو الحسكة بفتح المهملتين شوك صلب شبه به النفاق، قال الجوهري: قولهم في صدره حسكة و حساكة أي ضغن و عداوة، و القوم: المنافقون المتقلبون، و الضبع بفتح المعجمة و سكون الموحدة العضد كلها أو وسطها بلحمها، أو الإبط أو ما بين الإبط إلى نصف العضد من أعلاه، ذكره الفيروزآبادي، و رفعها كناية عن إعلاء قدره و إشادة ذكره و جعله مسلطا عليهم" بين ظهرانينا" أي بيننا على سبيل الاستظهار و الاستناد إلينا كان ظهرا منا قدامك و ظهرا وراءك فأنت مكنوف من جانبيك، و في القاموس: كبته يكبته:صرعه و أخزاه و صرفه و كسره و رد العدو بغيظ و أذله، انتهى.و الوفود جمع الوفد بالفتح و هم الطوائف الواردون على الملوك لحاجة، و الشماتة الفرح ببلية العدو." يقول أمس" أي يوم الغدير و الفيء: الغنيمة" و تعرف به ولايتي" أي محبتي مَوْلَاهُ وَ الْيَوْمَ قُلْ لٰا أَسْئَلُكُمْ ﴿عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ﴾ثُمَّ نَزَلَ عَلَيْهِ آيَةُ الْخُمُسِ فَقَالُوا يُرِيدُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ أَمْوَالَنَا وَ فَيْئَنَا ثُمَّ أَتَاهُ جَبْرَئِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ قَدْ قَضَيْتَ نُبُوَّتَكَ وَ اسْتَكْمَلْتَ أَيَّامَكَ فَاجْعَلِ الِاسْمَ الْأَكْبَرَ وَ مِيرَاثَ الْعِلْمِ وَ آثَارَ عِلْمِ النُّبُوَّةِ عِنْدَ عَلِيٍّ (عليه السلام) فَإِنِّي لَمْ أَتْرُكِ الْأَرْضَ إِلَّا وَ لِيَ فِيهَا عَالِمٌ تُعْرَفُ بِهِ طَاعَتِي وَ تُعْرَفُ بِهِ وَلَايَتِي وَ يَكُونُ حُجَّةً لِمَنْ يُولَدُ بَيْنَ قَبْضِ النَّبِيِّ إِلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ الْآخَرِ قَالَ فَأَوْصَى إِلَيْهِ بِالاسْمِ الْأَكْبَرِ وَ مِيرَاثِ الْعِلْمِ وَ آثَارِ عِلْمِ النُّبُوَّةِ وَ أَوْصَى إِلَيْهِ بِأَلْفِ كَلِمَةٍ وَ أَلْفِ بَابٍ يَفْتَحُ كُلُّ كَلِمَةٍ وَ كُلُّ بَابٍ أَلْفَ كَلِمَةٍ وَ أَلْفَ بَابٍ[الحديث 4]4 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ وَ صَالِحِ بْنِ السِّنْدِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ مُعَمَّرٍ الْعَطَّارِ عَنْ بَشِيرٍ الدَّهَّانِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ ادْعُوا لِي خَلِيلِي- فَأَرْسَلَتَا إِلَى أَبَوَيْهِمَا فَلَمَّا نَظَرَأو إمارتي و خلافتي المدلول عليها بقوله:" إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ" في هذه الآية.و قوله: ألف باب، تفسير لألف كلمة أو أحدهما متعلق بالأحكام و الآخر بغيرها، و يحتمل أن يكون المراد بألف كلمة و ألف باب بقواعد كلية أصولية و قوانين مضبوطة جملة أمكنه أن يستنبط منها أحكاما جزئية و مسائل فرعية تفصيلية لكن لا كاستنباطنا بالظن و التخمين بل استخراجا بالعلم و اليقين، و يؤيده ما رواه الصفار في بصائر الدرجات بإسناده عن موسى بن بكر قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يغمى عليه اليوم و اليومين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك كم يقضي من صلاته؟فقال: أ لا أخبرك بما ينتظم به هذا و أشباهه؟ فقال: كلما غلب الله عليه من أمر فالله أعذر لعبده، و زاد فيه غيره قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): و هذا من الأبواب التي يفتح كل باب منها ألف باب." ادعوا لي خليلي" قيل: أصل الخلة الانقطاع، و قيل الاختصاص، و قيل:الاصطفاء، و قيل صفاء المودة و خلوصها و إطلاقه على أمير المؤمنين (عليه السلام) بكل الوجوه مناسب، و قيل: الخلة من تخلل الشيء في القلب، و اختلف في أن الخلة أشد و أرفع إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) أَعْرَضَ عَنْهُمَا ثُمَّ قَالَ ادْعُوا لِي خَلِيلِي فَأُرْسِلَ إِلَى عَلِيٍّ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ أَكَبَّ عَلَيْهِ يُحَدِّثُهُ فَلَمَّا خَرَجَ لَقِيَاهُ فَقَالا لَهُ مَا حَدَّثَكَ خَلِيلُكَ فَقَالَ حَدَّثَنِي أَلْفَ بَابٍ يَفْتَحُ كُلُّ بَابٍ أَلْفَ بَابٍأم المحبة و لكل وجوه" فأرسلتا" أي عائشة و حفصة" فأرسل إلى علي" على بناء المجهول و الظرف نائب الفاعل، و ضمير أكب لرسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و ضمير عليه لعلي (عليه السلام) و في القاموس أكب عليه أقبل و لزم كانكب، و ضمير لقياه لأبويهما.و قال الشيخ المفيد (قدس سره): قد تعلق قوم من ضعفة العامة بهذا الخبر على صحة الاجتهاد و القياس، ثم أجاب عن ذلك بوجوه، ثم ذكر في تأويل الخبر وجوها:منها: أن المعلم له الأبواب هو رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فتح له بكل باب منها ألف باب و وقفه على ذلك، و منها أن علمه بكل باب أوجب فكره فيه فبعثه الفكر على المسألة عن شعبه و متعلقاته، فاستفاد بالفكر فيه علم ألف باب بالبحث عن كل باب، و مثل هذا قول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من عمل بما يعلم ورثه الله علم ما لم يعلم، و منها: أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) نص له على علامات تكون عندها حوادث، كل حادثة تدل على حادث إلى أن تنتهي إلى ألف حادثة، فلما عرف الألف علامة عرفه بكل علامة منها ألف علامة، و الذي يقرب هذا من الصواب أنه (عليه السلام) أخبرنا بأمور تكون قبل كونها ثم قال عقيب أخباره بذلك:علمني رسول الله ألف باب، فتح لي من كل باب ألف باب.و قال بعض الشيعة: إن معنى هذا القول أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) نص على صفة ما فيه الحكم على الجملة دون التفصيل، كقوله: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، فكان هذا بابا استفيد منه تحريم الأخت من الرضاعة، و الأم من الرضاعة، و الخالة و العمة و بنت الأخ و بنت الأخت، و كقول الصادق (عليه السلام): الربا في المكيل و الموزون، فاستفيد بذلك الحكم في أصناف المكيلات و الموزونات و الأجوبة الأولة لي و أنا أعتمدها، انتهى كلامه رفع مقامه.و أقول: ينافي الثالث ما صرح به في بعض الروايات حيث قال: و علمني ألف باب من الحلال و الحرام، و مما كان و مما هو كائن إلى يوم القيامة، و يؤيد الأخير رواية [الحديث 5]5 أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ يُونُسَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ عَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) عَلِيّاً (صلى الله عليه وآله وسلم) أَلْفَ حَرْفٍ كُلُّ حَرْفٍ يَفْتَحُ أَلْفَ حَرْفٍ[الحديث 6]6 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ كَانَ فِي ذُؤَابَةِ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) صَحِيفَةٌ صَغِيرَةٌ فَقُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) أَيُّ شَيْءٍ كَانَ فِي تِلْكَ الصَّحِيفَةِ قَالَ هِيَ الْأَحْرُفُ الَّتِي يَفْتَحُ كُلُّ حَرْفٍ أَلْفَ حَرْفٍ قَالَ أَبُو بَصِيرٍ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فَمَا خَرَجَ مِنْهَا حَرْفَانِ حَتَّى السَّاعَةِ[الحديث 7]7 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ سُكَّرَةَ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) جُعِلْتُ فِدَاكَ هَلْ لِلْمَاءِ الَّذِي يُغَسَّلُ بِهِ الْمَيِّتُموسى بكر المتقدمة، و الظاهر أن المراد أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) علمه ألف نوع من أنواع استنباط العلوم، يستنبط من كل منها ألف مسألة أو ألف نوع، و الاجتهاد إنما يمنع منه لابتنائه على الظن و هو ﴿لا يغني من الحق شيئا﴾ فإذا علم الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) كيفية الاستخراج على وجه يحصل به العلم و اليقين بحكمه تعالى فليس من الاجتهاد في شيء.الحديث الثاني عشر: حسن موثق، و الحرف عبارة عن الكلمة و الكلام.و ذؤابة كل شيء أعلاه، و أصله الهمزة قلبت واوا و المراد هنا قبضته أو ما يعلق من قبضته و يجعل فيه بعض الضروريات، تشبيها بذؤابة المرأة" فما خرج منها" أي لم يظهر للناس" منها حرفان" أي جزءان من ألف جزء أو من ألف ألف جزء.و في القاموس: بئر غرس، في المدينة، و منه الحديث في غرس عين من عيون الجنة، و غسل رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) منها، انتهى. حَدٌّ مَحْدُودٌ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) قَالَ لِعَلِيٍّ (عليه السلام) إِذَا مِتُّ فَاسْتَقِ سِتَّ قِرَبٍ مِنْ مَاءِ بِئْرِ غَرْسٍ فَغَسِّلْنِي وَ كَفِّنِّي وَ حَنِّطْنِي فَإِذَا فَرَغْتَ مِنْ غُسْلِي وَ كَفْنِي فَخُذْ بِجَوَامِعِ كَفَنِي وَ أَجْلِسْنِي ثُمَّ سَلْنِي عَمَّا شِئْتَ فَوَ اللَّهِ لَا تَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَجَبْتُكَ فِيهِو الجوامع جمع الجامعة و هي المواضع التي جمعت طرفي الثوب الملفوف على شيء. و في بعض الروايات بمجامع كفني بهذا المعنى" ثم سلني" هذا السؤال و الجواب إما على الحقيقة بإعادة الروح إلى جسده المقدس أو على المجاز باتصال روحاني بين روحيهما المقدسين و انتقاش أحدهما من الآخر كالمرءاتين المتقابلتين، أو على نحو آخر لا تصل إليه عقولنا القاصرة.قال الغزالي في رسالة العلم اللدني: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) إن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أدخل لسانه في فمي فانفتح في قلبي ألف باب من العلم، و فتح لي كل باب ألف و قال أيضا: لو ثنيت لي الوسادة و جلست عليها لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم و أهل الإنجيل بإنجيلهم و لأهل الفرقان بفرقانهم، و هذه المرتبة لا تنال بمجرد التعلم بل يتمكن المرء في هذه المرتبة بقوة العلم اللدني، و كذا قال (عليه السلام) لما حكى عن عهد موسى (عليه السلام): إن شرح كتابه كان أربعين و قرأ، قال الغزالي: و هذه الكثرة و السعة و الانفتاح في العلم لا يكون إلا من لدن إلهي سماوي، انتهى.لا يقال: قد مر في الأخبار أنه لم يخرج النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من الدنيا إلا و علي (عليه السلام) علم جميع علمه، فهذا أي علم؟لأنا نقول: يحتمل أن يكون المراد بجميع علمه ما تحتاج الأمة إليه من أمور الدين و الدنيا و يكون هذا غيره، أو يكون المراد بالموت ما يشمل ما يقرب منه من الأزمان، أو يراد به الموت بعد هذه الحياة، مع أنه يمكن أن تكون هذه العلوم لم تكن له (صلى الله عليه و آله و سلم) في حال حياته بل مما أفيض عليه بعد قطع تعلقه عن العلائق الجسمانية و اتصاله بعالم القدس بالكلية كما مر أنه يفاض عليه (صلى الله عليه و آله) علم ما يحدث بالليل و النهار للأئمة (عليهم السلام)، و الله يعلم غرائب أسرارهم و أحوالهم. [الحديث 8]8 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ لَمَّا حَضَرَ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) الْمَوْتُ دَخَلَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ (عليه السلام) فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ يَا عَلِيُّ إِذَا أَنَا مِتُّ فَغَسِّلْنِي وَ كَفِّنِّي ثُمَّ أَقْعِدْنِي وَ سَلْنِي وَ اكْتُبْ[الحديث 9]9 عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ شَبَابٍ الصَّيْرَفِيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ رِبَاطٍ قَالَ دَخَلْتُ أَنَا وَ كَامِلٌ التَّمَّارُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فَقَالَ لَهُ كَامِلٌ جُعِلْتُ فِدَاكَ حَدِيثٌ رَوَاهُ فُلَانٌ فَقَالَ اذْكُرْهُ فَقَالَ حَدَّثَنِي أَنَّ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حَدَّثَ عَلِيّاً (عليه السلام) بِأَلْفِ بَابٍ يَوْمَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) كُلُّ بَابٍ يَفْتَحُ أَلْفَ بَابٍ فَذَلِكَ أَلْفُ أَلْفِ بَابٍ فَقَالَ لَقَدْ كَانَ ذَلِكَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَظَهَرَ ذَلِكَ لِشِيعَتِكُمْ وَ مَوَالِيكُمْ فَقَالَ يَا كَامِلُ بَابٌ أَوْ بَابَانِ فَقُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَمَا يُرْوَى مِنْ فَضْلِكُمْ مِنْ أَلْفِ أَلْفِ" فأدخل رأسه" الضميران في أدخل و في رأسه للنبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أي أدخل رأسه تحت الإزار لئلا يواجهه بإخبار موته التي كان يعلم أنه أصعب الأمور عليه، أو ضمير أدخل للرسول و ضمير رأسه لعلي (عليه السلام) أي أدخل رأس على تحت لحافه ليودعه الأسرار كما يدل عليه غيره من الأخبار، أو الضميران لعلي (عليه السلام) و الأوسط أظهر كما روى الصدوق في الخصال بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جلل رسول الله (صلى الله عليه و آله) عليا (عليه السلام) ثوبا ثم علمه، و ذلك ما يقال أنه علمه ألف كلمة كل كلمة تفتح ألف كلمة." باب أو بابان": قال المحدث الأسترآبادي (ره): ليس من باب شك الراوي فالمقصود ثم باب و وقع الشروع في الآخر، انتهى، و الحاصل أنه إذا كان بابا و كسرا فيجوز إسقاط الكسر فيكون بابا أو إتمامه فيكون بابين كما هو الشائع عند المنجمين و المحاسبين في الكسور." من فضلكم" قيل: أي من علمكم، و الظاهر أن الراوي توهم أن ما حدث بَابٍ إِلَّا بَابٌ أَوْ بَابَانِ قَالَ فَقَالَ وَ مَا عَسَيْتُمْ أَنْ تَرْوُوا مِنْ فَضْلِنَا مَا تَرْوُونَ مِنْ فَضْلِنَا إِلَّا أَلْفاً غَيْرَ مَعْطُوفَةٍبه النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في ذلك اليوم عليا (عليه السلام) كان فضل أهل البيت (عليهم السلام)، أو أن انتشار الفضل بنسبة انتشار سائر العلوم، فبين (عليه السلام) أن انتشار الفضل أقل من انتشار سائر العلوم لقصور عقل أكثر الخلق عن فهمها، بل لم ينتشر من فضائلهم بين الناس إلا أقل من جزء من ألف ألف جزء.قوله (عليه السلام): إلا ألفا غير معطوفة، يعني إلا حرفا واحدا ناقصا أي أقل من حرف واحد، و إنما اختار الألف لأنها أول الحروف من حروف التهجي و أبسطها و أخفها مؤنة في الكتاب و التكلم و عدم عطفها كناية عن نقصانها فإنها تكتب في رسم الخط الكوفي القديم هكذا فإذا كان طرفها غير مائل كانت ناقصة، هذا هو المعنى الحق المسموع عن المشايخ الكبار قدس الله أرواحهم.و قال المحدث الأسترآبادي (ره) احتراز عن الهمزة كناية عن الوحدة، و يمكن أن يكون إشارة إلى ألف منقوشة ليس قبلها صفرا و غيره، انتهى.و من حمل الفضل فيما مر على العلم توهم المنافاة بين باب أو بابين، و بين الحرف الناقص الدال على عدم إتمام باب واحد، فتصدى لدفع ذلك بحمل البابين على أبواب الفروع، و هذا على باب من أبواب الأصول و قد عرفت ضعف مبنى الاعتراض، و ربما يقرأ لذلك ألفا بسكون اللام أي بابا واحدا ينحل إلى ألف، فالمراد بقوله:غير معطوفة أنه لم يعطف عليه شيء آخر.و أقول: على هذا يمكن أن يكون بناء الأول على الظهور في الجملة، و الثاني على الظهور التام، أو الأول على الخواص، و الثاني على سائر الشيعة.
[مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول] · موسوعة الغيبة والظهور